ليبيا من الملكية إلى الديكتاتورية إلى لاشيء
فاضل المناصفة- فينكس
لم يتوقع الليبيون الذين هللوا لإسقاط نظام القذافي أن تدخل بلادهم مرحلة أسوأ بكثير من الديكتاتورية التي عمّر بها معمر سنين طويلة، بعد أن تعدى الصراع على السلطة والذي أنتجه التدخل الخارجي منذ 2011 الى انقسام البلد الى قسمين: ليبيا الشرقية وليبيا الغربية، تجمعهما راية واحدة وتفرقهما أجندات وزعامات وميليشيات تعبث بمصير دولة نفطية تقع في موقع استراتيجي مهم ومؤثر على الصعيد الافريقي والأوروبي.
أرسلت الأمم المتحدة بعد سقوط نظام القذافي إلى ليبيا 7 مبعوثين لدعم السلام منذ 2011، فشلوا كلهم في إيجاد صيغة توافق تجمع الفرقاء الليبيين وتدعم المسار الديمقراطي الذي نادت به ثورة فبراير، وهاهو المبعوث الثامن المتمثل في الوزير السنغالي السابق عبد الله باتيلي يستعد لتحمّل عبء ملف ثقيل فشل فيه سابقوه، ذلك لأن الأطراف السياسية الفاعلة في المشهد الليبي لا تريد حلاً على مقاس الأمم المتحدة ولا تؤمن بأن هذه المؤسسة الأممية تقدم حلولاً ترضي جميع الأطراف، كما فشلت الوساطات الإيطالية والجزائرية والمصرية في الوصول إلى حلول وسط بين الفرقاء، فالوساطات تدفع باتجاه يعبّر عن مصالح كل واحدة من تلك الدول الوسيطة، ومادام تكافؤ القوة ميدانياً بين شرق ليبيا وغربها مستمراً يستحيل الوصول الى تنازلات ترضي طرفاً على حساب الآخر.
ربما كان الديبلوماسي البريطاني والمبعوث السابق إلى ليبيا، إيان مارتن الأكثر واقعية والأكثر صدقاً في تشخيص الحالة الليبية بعد سقوط القذافي ودخول ليبيا النفق المظلم الذي لم تخرج منه الى حد الأن، حيث أشار مارتن في كتابه "كل الإجراءات الضرورية؟ الأمم المتحدة والتدخل الدولي في ليبيا" بأصابع الاتهام لإدارات أوباما وساركوزي وكامرون محملاً إياها كل ما حصل ويحصل في ليبيا، ووضع نقاط الاستفهام حول قرارات مجلس الأمن بشأن التدخل العسكري في ليبيا، ودور القوات الخاصة في انتصار الثوار، وعن الطريقة التي أديرت بها الأمور من أجل اسقاط القذافي من دون ترك الفرصة لتسوية سياسية أو تصور لمرحلة انتقالية تكون فيها ليبيا خالية من السلاح... لقد حاول الديبلوماسي البريطاني مارتن أن يقول من خلال كتابه هذا أن ليبيا قد أريد لها أن تدخل سيناريو الصوملة، وأن تتحول الى مستودع سلاح سيجعل منها ساحة للاقتتال الداخلي الذي لن يعرف نهاية إلّا بخراب البلد وانتصار أحد الأطراف ليفوز بحكم ليبيا التي لا يمكنها أن تحكم حكماً ديمقراطياً نظراً لتركيبتها الديمغرافية المعقدة. وقد نتفق أيضاً مع رؤية الكاتب التونسي صافي السعيد الذي اعتبر أن ليبيا، والعديد من الدول التي تشبهها في تركيبة نظام الحكم، تنهار بمجرد أن تنزع عنها عظاء الديكتاتورية، وتكون بذلك الديكتاتورية شراً لا بد منه للحفاظ على وحدة البلاد من الاقتتال والتقسيم.
لقد أعادت الطبقة السياسية الفاعلة ليبيا سبعين سنة الى الوراء، حيث كانت تحكم بعاصمتين في بداية تأسيس المملكة الليبية المتحدة. وشهدت ليبيا أيام الملكية السجال الدستوري الحاصل نفسه حالياً، حيث توالى سقوط الحكومات وتوالت الخصومات السياسية التي أترث على الشارع الليبي والتي مهدت الطريق للقذافي ليستولي على الحكم ويؤسس امبراطورية الجماهير التي كانت تمارس نوعاً غريباً من الديمقراطية على مقاس القائد، وهي أصل البلاء الذي تعانيه ليبيا اليوم، إذ أنه وبغياب حياة سياسية طيلة 40 سنة وجدت البلد نفسها أمام فراغ رهيب سرعان ما ملأته الأجندات الأجنبية بأشخاص لا يملكون التجربة السياسية ولا يملكون القدرة على التأثير في الشارع من جهة، وميليشيات وجيش موازي يريد العودة بليبيا الى ما قبل 2011 وحكمها على الطريقة الديكتاتورية المألوفة. وفي ظل ما يجري بين الشرق والغرب برزت العديد من الأصوات المنادية بعودة الملكية كحل أمثّل لتوحيد البلد، كما برزت مقترحات أجنبية تصدرها فرنسا التي اقترحت تأسيس اتحاد فيديرالي في ليبيا، وان كانت فرنسا لا تبحث في ذلك عن استقرار ليبيا بقدر ما تبحث عن توافق مع الأطراف الأجنبية الأخرى لاقتسام الكعكة.
وفي الوقت التي تستمر الوفود في الحج الى ليبيا، لعلها تجد في أردوعان من يصلح ذات البين، وسط هدوء حذر بعد مواجهات دامية أسفرت عن عشرات القتلى، يحن الليبيون الى عهد الفاتح الذي لم يشهدوا فيه أزمات سيولة ولا نذره مواد أساسية ولا خطر تقسيم ولا تدخلات أجنبية ولا صراعات على السلطة، على الرغم من أن نظام العقيد قاد البلد بطريقة بدائية تشبه الى حد كبير نظام حكم القبيلة، إلّا أنها كانت أرحم من ديمقراطية الناتو التي فتحت أبواب جهنم على ليبيا... لقد أصبح الحل السياسي اليوم في ليبيا رهين الأيادي الخارجية التي تدير المشهد بطبقة سياسية تقود البلد الى صومال جديد.