كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"أردوغان" هُو عَيْنُه إيّاه في جبّة "السلطان" أوزَيّ "القرْصان"؟!

هادي دانيال- فينكس: 

لم يَدَّخِرْ المُناوِر الخطير "رجب طيّب أردوغان" وسيلة إلّا واستخدَمَها لإدامة بقائه على رأس هَرَم السلطة في بلاده تركيا مرتكبا لأجْلِ ذلك أبشع الجرائم داخل تركيا وخارجها فهو يواصل بل يمعن في كمّ أفواه الصحفيين واعتقال الضباط والبرلمانيين المعترضين على سياساته وفي مواصلة جرائمه ضدّ أعضاء حزب العمال الكردستاني وأنصاره. وقد حاوَلَ أردوغان أن يتزعّم جماهير المسلمين السنّة في المنطقة مقدما نفسه كمدافع أوّل عن غزّة بِمَشاهد مسرحيّة كالمشادّة بينه وبين شيمون بيريز على هامش منتدى دافوس 2009 والتي انطلت على الشعب التركي نفسه فسالت دماؤه على سفينة مرمرة التي حوّلها أردوغان إلى ممحاة لعاره التاريخي في زيارة الكيان الصهيوني والإصغاء إلى شارون وهو يُشْهِدُه على أنّ القدس كلّ القدس "عاصمة إسرائيل التاريخية". أردوغان هذا نفسه يريد بمدّ الجسور مع مصر والسعودية والإمارات وقبلها قطر أنْ يذكر هؤلاء بأنه الرائد على مستوى قيادات الدول الإسلامية السنيّة بالتطبيع مع الكيان الصهيوني. وواقع الأمر أنّه حتى عندما كان قد أقنع القيادة السورية بأنّه الجار الذي يؤتَمَن فحصل منها على اتفاقيات اقتصادية وسياسية لم يحلم أسلافه بالحصول عليها من دمشق، وحتى عندما غدر بالقيادة السورية ذاتها وصار مصدر الأذى الأكبر لشعب سورية ودولته ، في هاتين الحالتين المتناقضتين، بل وفي جميع حالاته، كان "أردوغان" ولايزال حليف تل أبيب الأكبر في المنطقة وينسّق معها عندما يقترب من دمشق أو يبتعد عنها.

وكذلك الأمر بشأن مناوراته في علاقته مع الأصدقاء الروس، وهم يدركون ذلك جيّداً، فإنّه في الاقتراب منهم أو الابتعاد عنهم لا يفعل أكثر من تحسين موقعه في الحلف الأطلسي.

وكي نكون واقعيين علينا أن نعترف بأنّ الشرق الأوسط بات ساحة صراع لثلاثة قوى إقليمية توظّف الدين لأهداف دنيويّة (سياسية واقتصادية وثقافية إلخ) في سياق استراتيجيات "قومية شوفينية". وهذه القوى الثلاث هي : الكيان الصهيوني، تركيا، وإيران. ولا يخفى التحالف التركي – الصهيوني الاستعماري الاستيطاني في مواجهة إيران التي تكتفي الآن بأهداف لا تجاوز النفوذ الاقتصادي والثقافي وبالتالي السياسي، مع الأخذ في الحسبان أنّ جميع هذه القوى الإقليمية تحتلّ أراضيَ عربية: فلسطين المحتلّة، الجولان السوريّ المحتلّ، لواء اسكندرون وعفرين وإدلب، وعربستان.. إلخ.

وفي الوقت ذاته فإنّ "أردوغان" يُدرك أنّ في الشرق الأوسط لاعبين دوليين كروسيا والولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوربي، ولذا يحاول أن يكون صاحب الأوراق الأقوى في المنطقة ليس فقط على حساب اللاعب الإيراني بل وأيضا على حساب روسيا والصين والاتحاد الأوربي. ولأنّ أردوغان يعتقد نفسه اللاعب الأذكى والأمهر فإنّه يتوقّع بخلفيّته البراغماتيّة الإخوانية الداعرة التي لا تضبطها حدود أخلاقية أنّ بإمكانه أن يبني جسوراً فوق الدم السوري الذي سفكه وفوق التراب الوطني السوري الذي يدنّسه، مع القيادة السورية التي غدر بها، على وهم أنّه قد ينسّق مع دمشق للتخلص مِن "قسد" (وأردوغان واثق تماما مِن أنّ الولايات المتحدة ستتخلى عن "قسد" مقابل الحفاظ على مصالحها في منطقة الجزيرة السورية كما أنّ واشنطن واثقة تماما من أنّ أردوغان سيغدر ثانية بدمشق لو وَثقت به هذه المرّة أيضا، وَيُبقي منطقة الجزيرة السورية تحت سيطرته وسيطرة القوات الأمريكية ويجعل من اللاجئين السوريين الذين استخدمهم ورقة للضغط على الاتحاد الأوربي ورقة ضغط على الداخل السوري). هذه المناورة لا يمكن التصدي لها إلا بتنسيق بين دمشق وموسكو تقوم "قسد" بموجبه بتصدّر عمل وطني عاجل لإجلاء القوات الأمريكية حتى آخر جندي عن الأراضي السورية، وإيجاد تسوية سورية – سورية بإشراف روسي يحصل بموجبها الأكراد السوريون على جميع حقوقهم الوطنية أسوة بالسوريين العرب.

وخطر مناورات الرئيس التركي لا ينحصر في الشأن السوري، فإضافة إلى دعم النظام الأوكراني سياسيا وعسكريا (النظام الذي يتلقى دعما علنيا من تل أبيب والحلف الأطلسي ضدّ موسكو)، فإنّ "طيّب رجب أردوغان" يسعى إلى تنفيذ استراتيجية عدوانية تشمل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الهدف منها السيطرة على الملاحة والتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط. وهو بعد أن خسر حلفاءه وأعضاده في تطلعاته إلى بعث الخلافة العثمانية من جديد، نظامَ مرسي ونظامَ البشير اللذين أسقطهما الشعبان المصري والسوداني وحركة النهضة في تونس التي انحسر نفوذها وصار ظهرها إلى الحائط، الأمر الذي انعكس سلبا على الاقتصاد التركي والليرة التركية، بات يراهن على اللعب بورقة نفوذه العسكري في سورية وشمالي قبرص وليبيا.

إنّ أردوغان ينتهز فرصة الاهتمام الدولي بالصراع بين الغرب وروسيا عبر الساحة الأوكرانية خاصة ليوسّع من دائرة نفوذه اقتصاديا وسياسيا باستخدام القوات العسكرية التركية والميليشيات المحلية التابعة لها في شمال قبرص وغرب ليبيا وشمال غرب سورية، فالتنسيق الأمني جار على قدم وساق بإشراف أنقرة بين الجيب الموالي لتركيا في طرابلس الليبية وبين شمالي قبرص الموالية لتركيا أيضا. ويريد أردوغان تحويل هذه الميليشيات القبرصية والليبية إلى قراصنة مسلحين ومدعومين من الجيش التركي في محاولة للسيطرة على الملاحة في شرق البحر المتوسط، وفي الوقت نفسه يسعى إلى تحييد القيادة السورية للقيام بهجوم على الجزيرة السورية لقضم المزيد من الجغرافيا السورية تحت شعار "إنشاء منطقة آمنة بعمق 32كيلومترا شمالي سورية (داخل الأراضي السورية) وتطهير منطقتيّ تلّ رفعت ومنبج من الإرهابيين". و"الإرهابيون" في منطق أردوغان ليسوا جبهة النصرة وتنظيم داعش اللذين كانا يقومان بالهجوم على الأراضي السورية(وخاصة عين العرب/كوباني) من الأراضي التركية، بل هم وحدات حماية الشعب YPG التي تصدت مقاتلاتها ومقاتلوها ببسالة لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" قبل أن تنفد ذخيرتهم ومؤونتهم ويستغل الأمريكان ذلك عبر عميلهم "قبّاد الطالباني" للحؤول بينهم وبين "داعش" مقابل جعلهم "حصان طروادة" لإقامة قواعد عسكرية على الأراضي السورية التي تسيطر عليها "قسد" الآن.

إنّ أردوغان يناور الآن بخبث شيطاني لإخضاع منطقة شرق المتوسط لنفوذه، فيكون "القرصان الأعظم " على حساب مصالح شعوبها الاقتصادية والسياسية والثقافية، بل هو لأجل ذلك لا يتردد في إضرام المعارك مجددا في هذه المنطقة لإسالة المزيد من الدم وإشعال المزيد من الحرائق والتسبب بدمار أشمل إلى أن يستتب الأمر لإرادته العدوانية التوسّعيّة وتطلعاته العثمانية التي لم تكبحها بعد الخيبات التي انكسرت بها أذرعه "الإخوانية" في مصر والسودان وتونس وسورية ولبنان.

لا شكّ أنّ الإخونجي أردوغان في جبة السلطان أو زيّ القرصان، يتحالف مع إيران ضدّ أكراد المنطقة ومع أكراد العراق ضدّ أكراد تركيا ومع "إسرائيل" ضدّ الجميع، وقد قدّم بسياساته الداخلية والخارجية النموذج لمقولة أنّ "الإنسان هو الحيوان الأكثر ضراوة في توحُّشِهِ"، وهو بالتالي مهما أتقن مناوراته وألاعيبه البهلوانية الدامية لا يُمكن أن يكون إلّا رأس حربة لتنفيذ مخطط غربي صهيوني يهدف إلى إخراج شعوب المنطقة وخاصة العرب والأكراد والأمازيغ(بعد بثّ الفِتَن العرقيّة بينهم في سياق تدمير الدولة الوطنية التي يُفتَرض يكونوا جميعا مواطنيها أفرادا وجماعات على قدم المساواة في الحقوق والواجبات)، ليس من التاريخ فقط بل ومن الجغرافيا أيضاً.