الغاز الروسي أهم من أوكرانيا
فاضل المناصفة- فينكس:
قبل بداية الحرب الروسية الأوكرانية كنت قد كتبت مقالاً تحت عنوان ''الغاز الروسي أقوى سلاح في وجه أوروبا'' توقعت فيه أن بوتين سيمضي في حربه دون أن يكترث للعقوبات التي كان الغرب يلوح بها، و أن التضخم سيرتفع بمعدلات قياسية في أوروبا وأمريكا وهو تماما ما يجري الآن، بالرغم من أن الغرب يحاول أن يغطي على تبعات المعالجة الخاطئة للأزمة التي أرادها أن يغرق بوتين فغرق الجميع بمن فيهم بوتين، والأهم من كل هذا أن غباء بايدن قدم هدية من ذهب للصين التي تعزف منفردة وتحقق مكاسب اقتصادية هائلة في الوقت ذاته تنخفض شعبية الرجل الأول في البيت الأبيض الى الحضيض بفعل الأزمة الاقتصادية ومعدلات التضخم الكبيرة وغلاء المحروقات.
ربما أساء الغرب التقدير في عزم بوتن على اجتياح أوكرانيا بمجرد أن يتم تخويفه بالعقوبات الاقتصادية، ولكن ثعلب الكرملين صمم على اجتياح أوكرانيا وربما كان الغرب يرسم طريقاً لبوتين للسقوط في الفخ وينتظر أن يباشر الحرب، ولكن الغرب أدرك المنعطف الأخير قبل بداية الغزو أن بوتين كان يتوقع أن يتم التضييق عليه اقتصادياً حتى و اإن لم يقم بالدخول في مواجهة عسكرية، فكان القرار الدخول فيها بشجاعة واستعمال كارت ''الغاز مقابل الروبل الروسي'' للالتفاف على العقوبات الاقتصادية المفروضة.
بدأت المعالجة الخاطئة للحرب عندما أحرقت دول الناتو كل أوراقها في بداية المشوار مستعملة سلسلة من العقوبات التي كان هدفها تركيع بوتين وتقسيم روسيا مجدداً تماماً مثل ما فعلوا مع الاتحاد السوفياتي، وزعم الغرب بأن حماية أوكرانيا ودعم زيلنسكي في وجه بوتين أهم من الغاز ومن أي ابتزاز روسي وتوقع الغرب أن بوتين سيأتي ذليلاً يطلب إيجاد مخرج من الورطة و مقايضة الغاز بتخفيف وطأة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، ولكن الثعلب الماكر كان قد درس المسألة جيداً وهو على يقين من أنه في موقف قوة مادامت أوروبا هي من تحتاج غازه حتى و إن حاولت إنكار ذلك.
خدم الموقف الخليجي والموقف الصيني روسيا بشكل لم يتوقعه الغرب الذي كان يظن أن الصين ستمسك العصى من الوسط وتحاول الابتعاد عن بوتين، و أن دول الخليج ستربط موقفها من الأزمة بحاجتها إلى دعم غربي يكبح إيران ويعرقل ملفها النووي؛ هذه المواقف ساهمت بشكل كبير في اضطراب أسواق النفط والغاز وفتحت لروسيا ثغرة تمكنت من خلالها أن تستعيد الأنفاس و أن تجهز نفسها لحرب طويلة المدى عنوانها ‘‘أوروبا ستتجمد برداً في عز شتاء 2023''
أصبح من الصعب الآن معالجة الأزمة بدون تقديم تنازلات لبوتين، حتى وإن لزم الأمر قبول إحتلال شرق أوكرانيا واستبدال زيلنسكي بانقلاب عسكري يحسم المفاوضات مع روسيا، لتصبح أوكرانيا التي ذهب الغرب لمساعدتها دولة مارقة ولا تستحق المساعدة.
الغرب يحاول الآن استعراض عضلاته من خلال إعلان توسيع نفوذ القوة العسكرية الأمريكية في أوروبا، وسيتجه إلى البحث عن مفاوضات لعلها تحفظ ماء الوجه وتظهر بوتين في ثوب الخائف والغرب في ثوب المسيطر والقوي.
الغاز الروسي معادلة صعبة في حرب روسيا ضد الغرب، لا أسميها حرب روسيا ضد أوكرانيا لأن أوكرانيا مجرد حلبة صراع ولأن زيلنسكي مجرد بهلوان لا يقدم ولا يؤخر في الوضع شيئاً ولم يكن ليصل إلى حكم أوكرانيا لولا ضم شبه جزيرة القرم في مارس 2014 والذي جعل الأوكرانيين يخاصمون السياسيين ويختارون ممثلاً كوميدياً.
أوروبا اليوم أدركت أن الحرب ضد روسيا ستكون على المدى الطويل، و أن مسألة الغاز ستكون أكبر حاجز للاستمرار فيها لأن ذلك سيعود بالضرر على كل من يحتاج هذا المورد الاستراتيجي والذي لن تنفع معه بواخر أمريكا ولا إمدادات إسرائيل ولا زيادة ضخ الغاز الجزائري والقطري، إذ ستكون هذه الشحنات بمثابة مسكنات لأنها لن تستطيع اشباع السوق الأوروبية وخفض الأسعار.
لقد دقت ألمانيا جرس الإنذار مسبقاً وصارحت شعبها بأن شتاء 2023 سيكون الأقسى في تاريخ البلد، ثم تحدثت فرنسا عن إمكانية اعادة تشغيل محطات الفحم، وكأني بألمانيا وفرنسا تحاولان تهيئة الرأي العام لقبول التفاوض مع بوتين في حربه مقابل تجنب عودة أوروبا إلى القرن الثامن عشرة. حتى و إن كانت قمة السبع قد تعهدت بعدم السماح لبوتين بالانتصار إلا أنها لم تكشف بأن احتمالات البحث عن هدنة وتفاوض ممكنة، ولهذا خرج الكرملين بتصريح يتزامن مع انعقادها مفاده أن روسيا مستعدة لإنهاء الحرب بشرط واحد وهو استسلام كييف، ليوجه رسالة للغرب بأن روسيا لا تبحث عن حلول بل الغرب من يبحث عنها.
مسائل عديدة تدفع الغرب لقبول ''تأجيل الحرب ضد بوتين'' لأن تغول الصين اقتصادياً ونشأة فكرة التحرر من الأحادية القطبية وخسارة التحالفات في دول الخليج وتهديد إيران بضرب إسرائيل يستدعي خفض التوتر وعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل غزو أوكرانيا، وربما سيكون هناك جولة جديدة من المواجهة ضد بوتين عندما يتخلص الغرب من حاجتهم لغازه.
و كون روسيا تملك سلاح الغاز في يدها لا يعني أنها قد انتصرت، فأمام روسيا تحديات كبيرة خاصة في مسائلها الداخلية ووضعها الاقتصادي الذي سيكون له أثراً كبيراً على شعبية بوتين خاصة و إن العديد من الأصوات المعارضة نجحت في إقناع الأغلبية الصامتة في ان بوتين اتجه لأوكرانيا لمنعها من الانضمام للناتو، ولكنه لم ينجح في ردع السويد وفنلندا من الانضمام إليه و كما يقول المثل الشعبي ''وكأنك يا أبو زيد ماغزيت" وفي النهاية فإن تفكير الجيل الجديد من الروس سيكون براغماتياً، ولن يلفت لشعارات استعادة المجد واحياء الشيوعية ونهج لينين في العالم مقابل تقبل البطالة والتضخم وانهيار القدرة الشرائية.
في الختام: الأرجح أن تتم الاطاحة بزيلنسكي وتقديمه كبش فداء ليخرج الغرب من المستنقع الاوكراني الذي إذا لم يجف فسيستمر في ابتلاع ملايين الدولارات من خزائن أمريكا وأوروبا، وسيستمر في إنهاك أوروبا المحتاجة لغاز بوتين، وسيفتح الباب للصين في أن تتجاوز الولايات المتحدة اقتصادياً، وسيكون هذا الانقلاب ناعماً بحيث سيوحي للجميع بأن أوكرانيا لا تستحق المساعدة لأنها خرجت من الشرعية والديمقراطية.