حول العروبة: وجهة نظر
2022.06.29
بشار عباس- فينكس:
كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن مسألة العروبة في بلاد الشام والعراق والشمال الأفريقي، وأكثر ما قيل كان يركز على التنصل من العروبة لأنها جاءت مفروضة بالقوة بفضل الغزو الخارجي، في حين يصر آخرون على تجاهل أي تاريخ لهذه المنطقة قبل انتشار اللغة العربية، ونظراً لأهمية هذا الموضوع وحساسيته وارتباطه بمسألة الهوية، وجدت من المناسب طرح عدة نقاط للنقاش حول هذا الموضوع.
1- شكلت هذه المنطقة بأكملها إضافة إلى الجزيرة العربية، منذ فجر التاريخ، منطقة متكاملة حضارياً واقتصادياً، وإن أية محاولة للفصل القسري بين تاريخ بلدان هذه المنطقة ككل هي محاولة فاشلة لا تقوم على أسس علمية. وقد مرت بهذه المنطقة حضارات عديدة، وكانت كل حضارة جديدة تبني على القديمة، حتى وإن حلت لغة الحضارة الجديدة محل القديمة فالحقيقة ان جميعها كانت متقاربة حتى يمكن اعتبار ذلك انتقالاً من لهجة إلى اخرى.
2- يقال إن اللغة العربية كانت محصورة بالحجاز وهذا غير صحيح فالعرب قبل الإسلام كانوا في الجزيرة العربية وجنوب بلاد الشام والعراق وفي سيناء وكانوا موجودين بنسب أقل في باقي بلدان المنطقة، وهنا نستطيع أن نذكر حادثة تاريخية أوردها المتروبوليت جورج خضر في عظته يوم الجمعة 29 حزيران 2012 حول هروب الرسول بولس في القرن الأول الميلادي: "بولس الرسول عندما أراد أن ينجو من اضطهاد الرومان هرب من دمشق إلى بلاد العرب. بلاد العرب يعني حوران. هذا كان اسمها في الادارة الرومانية". وهذه الواقعة التاريخية تعود إلى سبعة قرون قبل ظهور الإسلام.
3 - يذكر التاريخ الملكة ماوية العربية التي كانت تقود قبيلة تنوخ العربية وهي التي سيطرت على منطقة واسعة جدا من سيناء وحتى آسيا الصغرى، وكانت عاصمة هذه المملكة في خناصر بمنطقة حلب. حتى أنها نافست الإمبراطورية الرومانية واضطر الرومان إلى التفاوض معها والقبول بشروطها، وقد حدث ذلك في القرن الرابع اي قبل ظهور الإسلام بثلاثة قرون على الاقل.
4 - لم يدمر العرب الحضارات القديمة فهي كانت مندثرة أصلاً، فلم يكن هنالك من يعرف اللغات البابلية والآكادية، فضلاً عن السومرية ولا الكنعانية الفينيقية ولا المصرية القديمة، كما أن إنجازات هذه الحضارات القديمة كانت مجهولة، وكانت سورية وبلاد الرافدين ومصر خاضعة لبيزنطة من جهة، وللفرس من جهة أخرى، أي أن قدوم العرب تحت راية الإسلام لم يقوض أي حكم وطني، بل على العكس فتح الباب امام أبناء هذه المناطق ليعيشوا بحرية أكبر، ولا بد من الإشارة إلى أن سكان هذه المنطقة كانوا في الأغلب الأعم من متبعي العقيدة المسيحية ولكنهم كانوا من اليعاقبة والنساطرة والمونوفيزية وهي طوائف مسيحية تختلف عن العقيدة الرسمية لبيزنطة والتي كانوا يدعون أتباعها في ذلك الوقت بالروم الملكيين. أما في مصر وشمال أفريقيا فقد كان المذهب القبطي هو السائد وهو أقرب إلى المذاهب المذكورة اعلاه من مذهب الكنيسة الرومية الملكية. وبسبب اختلاف العقائد والمذاهب كان سكان هذه المناطق خاضعين لرقابة وربما اضطهاد السلطات الحاكمة في هذه المناطق.
5 - إضافة إلى أن العرب لم يدمروا الحضارات القديمة، يمكن القول إنهم أنقذوا إنجازات الحضارة اليونانية من الفناء الذي كان سيحل بها، بسبب إزدراء الكنيسة الرسمية للفكر الإغريقي على أساس أنه فكر وثني. ويعترف الأوربيون جميعاً أنه لولا العرب لما استطاعت أوربا الاطلاع على إرث أثينا والإغريق.
6 - يقال إن الإسلام انتشر بحد السيف وهو قول يروجه الباحثون الغربيون، وللمفارقة الغريبة أن هؤلاء الباحثين لم ينتبهوا إلى أنهم ينتمون إلى دول تبلغ درجة الصفاء الديني المذهبي الضيق فيها أكثر من 90%، وحتماً لم يتم ذلك بفضل الإقناع والهداية، بل كنا نشاهد تحول دول بأكملها من مذهب إلى مذهب آخر بقرار ملكي واحد وربما لأسباب شخصية كما حدث في إنكلترا، التي انتقلت الى البروتستانتية بقرار ملكي، في حين أن بلدان منطقتنا تضم عشرات الاعراق والأديان والمذاهب الدينية. وقد بقيت أغلبية السكان في سورية ومصر والعراق على الدين المسيحي حتى القرن الرابع الهجري أي أن أحداً لم يرغم هذا الجمع الغفير على اعتناق الديانة الجديدة.
7- أما بالنسبة للغة العربية فقد استمر سكان شمال سورية والعراق بالتحدث بالآرامية (وهي لغة قريبة جداً من العربية حتى يمكن اعتبارهما لهجتان للغة واحدة), ولم يشكل التحدث بالآرامية أية مشكلة مع السلطات التي كانت تقرب السريان وتستخدم إمكاناتهم العلمية والاقتصادية في إدارة الدولة، ويقال إنه تم فرض اللغة العربية لأنها لغة القرآن ولكني اعتقد أن السبب الرئيس للانتقال إلى اللغة العربية هو المكانة التي اكتسبتها هذه اللغة في القرن العاشر الميلادي حيث أنها أصبحت لغة العلم والتجارة العالمية. وصار كل من يريد أن يمارس التجارة أو تحصيل العلم مضطراً أن يتقن العربية، وهذا الأمر لم يقتصر على بلاد الشام والعراق ومصر بل شمل أيضاَ دولاً أخرى عديدة في آسيا الوسطى وبلاد الفرس، وبالطبع لم يكن التأثير متماثلاً: ففي سورية والعراق وشمال أفريقيا حيث كانت تسود لغات سامية قريبة من اللغة العربية، تم الانتقال إلى اللغة العربية، في حين أن الفرس الذين كانوا ينتمون إلى عائلة اللغات الهندو-أوربية لم ينتقلوا إلى العربية، على الرغم من أن بغداد أقرب إلى بلاد الفرس من شمال أفريقيا.
8 - يقال إن العروبة جاءت من الحجاز وفرضت نفسها فرضاً على المنطقة ككل، والحقيقة ان أصل العروبة هو هذا التفاعل المستمر بين بلدان المنطقة من شمال سورية والعراق وحتى اليمن ومن الخليج العربي حتى أقصى شمال افريقيا، وهو تفاعل قديم جداُ يعود إلى الهجرات اليمنية ودولة قرطاجة وإلى العلاقات التجارية المستمرة التي كانت تشكل أساس الحياة الاقتصادية في منطقتنا.
9 - اللغة العربية والعروبة اللتين نعرفهما اليوم نضجت وازدهرت وأخذت شكلها النهائي في دمشق وبغداد والقاهرة والأندلس، وهي حضارة راقية قدمت للإنسانية كثيراً من العلم والمعرفة، ويكفي أن أقول في نهاية هذه الخاطرة أن أساتذتي في اليونان في مادتي الكيمياء والرياضيات خصصوا الدرس الأول من العام الدراسي في السنة الأولى من كلية الهندسة في أثينا للحديث عن فضل العرب على الكيمياء والجبر وعلم فيزياء الضوء فهي علوم أنشأها العرب من الصفر.