"الجزيرة".. سوق النخاسة
2022.05.12
باسل الخطيب- فينكس:
لايمكن إنكار أن "الجزيرة" شكّلت حالة فريدة في الفضاء الإعلامي العربي، الوصول إلى (الحالة الفريدة) لم يكن غاية إنما وسيلة لاختراق الوعي العربي، وفرض رأي عام جمعي يوافق مصالح من يقف خلف "الجزيرة"، أي أن هذه القناة لم تصل إلى (الحالة الفريدة) نتيجة الجهد الإعلامي الاستثنائي المبذول، إنما بدأت كحالة فريدة نتيجة الدعم المالي واللوجستي والمعلوماتي الهائل الذي حظيت به.
دعونا نتذكر كيف بدأت "الجزيرة"، كانت بداية القناة بتوظيف الكادر المؤهل من الفرع العربي لقناة BBC في الإخبارية البريطانية في لندن بعد إلغائها عام 1996، إذاً لا غرابة أن تكون بريطانيا خلف "الجزيرة"، هذا مؤشر معياري مهم، فبريطانيا كانت وراء كل الكيانات والحركات التي عاثت وتعيث فساداً في مشرقنا، كانت وراء إنشاء الكيانين الوهابي والصهيوني، كانت وراء انشاء تنظيم الاخوان المسلمين، كانت وراء كل الحدود التي رسمت وترسم جغرافيا الدم في منطقتنا.
رفعت "الجزيرة" شعار (الرأي والرأي الآخر)، هذا الشعار استهوى كل البيئات العربية المحرومة أساساً من الرأي والرأي الأخر، ولكن هذا الشعار كان بمثابة السم في الدسم، أرادت "الجزيرة" بهذا الشعار أن تفتح المجال لكل الآراء والأفكار الطائفية والمذهبية والتقسيمية والخلافية لكي تظهر للعلن، وأن يكون لها جمهورها والذي سعت لتوسيعه، فاستضافت الساسة والمحللين والاعلاميين الصهاينة باعتبارهم رأياً آخر، محيلةً الصراع العربي الصهيوني إلى قضية رأي ورأي آخر، فكسرت "الجزيرة" بذلك أولى محرمات التطبيع مع الكيان الصهيوني، نعم، يمكن القول أنها هي من وضعت هذه الأمة بشعوبها على سكة التطبيع الفكري والثقافي مع الصهاينة.
نالت "الجزيرة" شهرتها وانتشارها من تغطيتها للحرب على أفغانستان عام 2001، حيث كانت تعرض كلمات بن لادن وتغطي أخبار معارك وعمليات طالبان والقاعدة بشكل حصري، كان هذا إشارة للمهمة الموكلة إليها، أي أن تكون الناطقة باسم كل التنظيمات الارهابية وصولاً إلى الإخوان المسلمين، فهي القناة الرسمية للإخوان المسلمين، ويدل على ذلك أن أغلب كادرها من الاخوان المسلمين وصولاً إلى كل مديريها. قد يقول قائل كيف أن بريطانيا هي من تقف خلف اطلاق الجزيرة لتحقيق مصالح معينة، و"الجزيرة" هي في الوقت نفسه الناطق الرسمي باسم القاعدة وطالبان اللتين يدعي الغرب محاربتهما؟ هنا مربط الفرس، الغرب والناتو، وتحديداً الولايات المتحدة، يحتاجون وجود (العدو)، هذا أمر حيوي لثقافة الكاوبوي التي تحكم العقلية الأمريكية، ولتبرير الانفاق العسكري الهائل، الحرب مع كل مدخلاتها ومخرجاتها هي عنصر أساسي في الاقتصاد الامريكي، فمهمة "الجزيرة" كانت وضع هذا العدو تحت الضوء، اظهار بطشه وقوته ووحشيته، تضخيم هذا العدو، وهذا ماقامت به القناة المذكورة على أكمل وجه.
من أشهر مديري "الجزيرة" المدعو وضاح خنفر، الذي كان يدير تنمية الموارد البشرية للاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية (إيفسو) في إفريقيا، وهي المنظمة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وإحدى اذرعه في القارة السمراء، لاحقاً قام خنفر بتغطية الحرب الأمريكية على أفغانستان عام 2001 لمدة خمسة أشهر، خلال هذه الفترة استطاعت "الجزيرة" من خلاله عمل لقاءات حصرية مع قادة تنظيم القاعدة، عام 2006 أصبح مديراً عاماً لشبكات "الجزيرة"....
في هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه في عام 2003 كان أكثر من 50% من العاملين في "الجزيرة" من الإخوان المسلمين، احتضنت قطر الجماعة بشكل كامل، حتى أن الجماعة كادت أن تعقد مؤتمرها العام والذي يحظى بقدر كبير من السرية في قطر عام 2005 والذي يُعقد عادة في إحدى العواصم الأوروبية.
أفرزت القناة المساحة الأكبر من شاشتها لرموز الإخوان المسلمين كالقرضاوي وغيره، كما دأبت على تقديم وثائقيات عن الإخوان المسلمين، مصورةً إياهم في وثائقياتها أنهم منقذون أو أصحاب حق دون سواهم، في هذا السياق انتهجت "الجزيرة" رؤية إعلامية تتدخل بإنتاج الحدث، إذ تصرف النظر عن موضوعه و تركز على فاعله سواء كان شخصاً أو جهة أو حركة أو دولة، بحيث تسقط عليه صفة الحق أو الباطل وفق ما يخدم سياسات القناة و بالتالي الإخوان.
تبنت "الجزيرة" الأيدلوجية الاخوانية، وعملت على تقديس حاملها سواء كان على حق أم على باطل، تلك الأيدلوجية التي تعتمد على الإيحاء بوجود جاهلية معاصرة مقابل وجود أبطال جدد في الإسلام السياسي يدافعون عن الدين و يمثلون السلف الصالح، وبمعزل عما أنتجت هذه الثنائية من عنف و صراعات.
أبرزت القناة منظري الإخوان سيد قطب ويوسف القرضاوي، سيد قطب هو المنظر والمرجع الأساس للإخوان المسلمين، وضح قطب رؤيته في كتابه "معالم على الطريق" – هذا الكتاب تحوّل إلى (قرآن المجاهدين) على مستوى العالم، تلخصت منطلقات سيد قطب النظرية في أن الناس اليوم يعيشون في جاهلية تشبه الجاهلية التي عاصرها الإسلام في عهد النبوة، وأن مهمة الإسلاميين الأولى هي تغيير هذا المجتمع الجاهلي من أساسه، وعلى الدعاة أن يدعو الناس إلى (اعتناق عقيدتنا) حتى لو كانوا (يعتقدون) أنهم مسلمون، فالحاكمية لله وهي تلغي حاكمية البشر في كل صورها وأنظمتها وأوضاعها، وانه يجب التمرد على كل وضع في الأرض يكون فيه الحكم للبشر بأي صورة من الصور، لهذا فإن الجهاد ضرورة للدعوة سواء كان دار الإسلام آمناً أم مهدداً من جيرانه. سيد قطب كان يحضر دائماً في وثائقيات الجزيرة بصورة البطل المطلق المنقذ صاحب الرؤية الحق...
أمّنت "الجزيرة" الحضور القوي للقرضاوي من خلال برنامجه "الشريعة و الحياة"، عبر سيل من الفتاوى التعبوية الواحدة تلو الأخرى في المواضيع السياسية و الاجتماعية و الثقافية ضمن ثنائية واحدة هي الحلال و الحرام، وخاصة خلال فترة ماسمي الربيع العربي، وصلت فتاوي القرضاوي إلى حدود الإفتاء بقتل رؤساء دول وشخصيات اعتبارية، بل وصلت إلى حدود الإفتاء بقتل شعوب كاملة وكل من يوالي السلطة ويعادي الإخوان، مع التركيز على تكفير الجيوش في البلدان العربية، والإفتاء بقتل أفرادها، كل ذلك في سبيل ترسيخ فكرة أن السلطة مجرد آلية لتحقيق إرادة الله، مما يعني أن الاسلام السياسي الممثل بالإخوان هو صاحب الشرعية الوحيدة للحكم كممثل لإرادة الله مهما كلف ذلك من عنف.
بنت "الجزيرة" شعبيتها من خلال تبني سياسة هجومية ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وهذا يندرج في سياق ذر الرماد في العيون، هذا لم يمنع حصول لقاء في نيسان 2008 بين تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الصهيونية آنذاك وكبار موظفي "الجزيرة" وعلى رأسهم وضاح خنفر في فندق شيراتون الدوحة، وذلك على هامش مشاركتها في مؤتمر الديمقراطية والتنمية والتجارة الحرة، وكانت ليفني قد استبقت ذلك اللقاء باجتماع مع حمد بن خليفة آل ثاني الأمير القطري السابق وحمد بن جاسم رئيس الوزراء السابق، بهدف الاتفاق على عدد من الترتيبات السياسية و الأمنية و الاقتصادية بين تل أبيب و الدوحة، بعد ذلك الاجتماع بدأ ظهور المتحدث باسم جيش الكيان الصهيوني بشكل مستمر على قناة الجزيرة في مداخلات للتعليق على الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة و كان قد سبقه إلى ذلك بعدة سنوات الكثير من الساسة و المحللين الصهاينة كما أسلفنا.دأبت "الجزيرة" على تصوير الصراع العربي الصهيوني على أنه ليس صراعاً وجودياً إنما هو خلاف عقاري، فصورت أن هذا العدو هو شرّ لابدّ منه وعلينا القبول به، ونحن نختلف وإياه على متر هنا أو (وجيبة) هناك، أي أن هذا العدو ليس عدواً بالمعنى الحرفي للكلمة إنما هو جار لدود وعلينا أن نداري سفاهته، نعم هذا هو عنوان سياسة "الجزيرة" الاعلامية، (الجار اللدود المخيف) الذي لابد من قبوله، وهذا ماظهر جلياً خلال كل الاعتداءات الصهيونية على غزة، حيث روّجت "الجزيرة" لثقافة الهزيمة من خلال تركيزها الحثيث والمقصود على كلفة المقاومة من خلال الإضاءة بطريقة فجة على الدمار في قطاع غزة، ولم يكن القصد الاضاءة على جرائم الصهاينة، عدا عن ذلك ركزت القناة إياها على استعمال تعابير ومصطلحات مقصودة بذاتها لإعادة تدوير الوعي، من قبيل أن مايحصل هو أعمال عنف متبادلة متوازنة بين دولتين وليس احتلالاً وعدواناً.
تستقبل "الجزيرة" المحللين والساسة الصهاينة، هذا كيٌّ للوعي دأبت عليه القناة المقصودة، و هي من أخرجت الصهاينة في وعي الجموع من حالة الوجود القهري العرضي إلى حالة الوجود الطبيعي الدائم، فالسياسة الإعلامية لـ"الجزيرة" هي من حوّلت "إسرائيل" من حالة الكيان إلى حالة الدولة في الوجدان العربي.
ينتشر مراسلو "الجزيرة" على طول الأراضي الفلسطينية المحتلة، هذه خدمة كبرى تقدمها الجزيرة للكيان الصهيوني، أنه دولة ديمقراطية تقبل الرأي الآخر.. فتصوّر الصراع على أنه صراع بين الجامع والكنيس، و تصر "الجزيرة" على الطابع الديني للصراع، وفي هذا خدمة كبرى لفكرة بهودية الدولة التي يسعى إليها الصهاينة..
"الجزيرة" ترسّخ فكرة الظاهرة الصوتية للصراع عندما تعتبر مواقف أردوغان الكلامية هي قمة الدفاع عن فلسطين.. السياسة الإعلامية لـ"الجزيرة" هي دس السم في العسل، وبعض الصراخ على الكيان الصهيوني لايكلفها شيئاً، فهذا من عدة الشغل، و جموع الهمج الرعاع أتباع كل ناعق على طول هذه الصحراء الأعرابية تنقاد خلف "الجزيرة" دون تبصر، إلى جولة جديدة من الخراب ستحمل عنوان الربيع العربي2.