كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن الدين و التديّن.. و عبثية واضحة(؟!)

خالد فهد حيدر- فينكس:

أجزم و بقوة بأن شن الحرب على الدين و التديّن لن يخدم أبداً مجمل القضايا و العناوين ذات الصلة بقضايا العلمانية و الدولة المدنية، بل أكثر من ذلك هو استعداء مجاني للغالبية الساحقة من الناس لا في سورية فحسب بل و في مجمل دول العالم.
الإنسان كائن اجتماعي، و هو أيضا كائن ديني فمعه وُلدت التصورات الدينية الأولى، و لا تزال تلازمه مع ما وصلت إليه من تطور و كذلك من تشوه. و لعل إحدى الإشكاليات الكبرى التي تواجه القضية الدينية هو حجم الانحرافات التي حصلت في مختلف أنحاء العالم، فالبوذية التي تحرّم العنف لم تستطع أن تمنع الحروب حتى بين البوذيين أنفسهم! أكثر من ذلك ليس بوسع أحد أن يزعم بأن المسلمين بمختلف (تكثراتهم) يمثلون الإسلام، و لا أن يدعي أن المسيحيين يمثلون المسيحية. و لا بأس من التذكير بما دونّه محمد عبده حين قال عن الفرنسيين: "رأيتُ إسلاماً بلا مسلمين" و عن أهل مصر: "رأيتُ مسلمين بلا إسلام" لبيان أن المجتمع الفرنسي كما أورد أكثر نظافة و صدقاً و وفاء الخ..
نعم هناك تباينات حدّ التناقض بين المتدينيين أتباع الديانة الواحدة، و هذا أمر طبيعي و هو حاصل نتيجة الظروف و السياسة و نتيجة التخلف خاصة في الوعي لاسيما في فترات الانحطاط و التقهقر، و ربما التذكير بما كان يجيب أغلب الهنود المسلمين حين يُسألون: هل أنتم مسلمون؟ فيجيبون: "نعم، الحمد لله نأكل لحم البقر"، فمعرفتهم بإسلامهم لا تتعدى بكثير بأنهم يأكلون لحم البقر خلافاً لإيمان و عقيدة مواطنيهم الآخرين.
نعم المجتمع السياسي المعاصر هو مجتمع علماني مدني، لكنه يقيناً لا يتضمن فكراً و لا ممارسة أي سلوك ضد الدين و التدين، و لكن لا يعتقدن أحد بأن ذلك ينسحب ميكانيكياً على كل المجتمعات و بذات الصيغ، و أن استعداء المتدينين و مجاناً هو عمل غير ذكي إن لم نقل غير ذلك، و نعتقد بأن تجربة الحزب الشيوعي السوداني الناجحة إلى حد كبير في ستينات و سبعينات القرن الماضي حين كانت المساجد أماكن تواجدهم، حتى أمينه العام (محجوب) كان في المقدمة و غير ذلك من التجارب في بلدان كثيرة.. نقول: نعتقد أنها خطوة كانت موفقة و حضارية و أخلاقية.
في سورية ثمة حقيقة يجب أن نعرفها جميعاً، و ربما تصح في بلدان عديدة في منطقتنا، فاي استعداء أو علاقات غير جيدة هي مساس بأمن المجتمع، و بالتالي بمصلحة المجتمع بمختلف توجهاته، و نعيد التذكير بأن الغالبية الساحقة متدينة و مؤمنة رغم التباينات، و بالتالي لتكن الأولوية لتصويب العلاقات، ولتصحيح الفهم المشوه بين مختلف مجموعات المجتمع، و تحذير ثقافة قبول الآخر على ما هو عليه، و الإقصاء المقبول هو حذف ثقافة التكفير أولاً و الإشتغال على كل ما يعزز الوحدة الوطنية و لحمة المجتمع.
إن ما يطلقه البعض من عبارات و مفردات تمسّ الدين و التديّن و حتى المؤسسة (الحكومية) المختصة بإدارة الشأن الديني (وزارة الأوقاف) تصرف ليس فيه مصلحة وطنية، خاصة أن هذه المؤسسة استطاعت أن تحقق إنجازات هامة و مفصلية على صعيد الوطن في أحلك الظروف، و كانت رائدة في تنقية الكثير من الشوائب، و أجرت المراجعات الهامة بكل جرأة على المستوى المرتبط بالعقيدة و فهمها و العمل بموجبها و الانتقال إلى قواعد قانونية تضبط الكثير من حالات التفلت التي كانت سائدة، و شكلت جزراً لا تخضع فقط بل و غالباً كانت تبتز المجتمع و مؤسساته، و شكّلت نوافذ دخل منها من أراد تدمير هذا الوطن.
الموضوعية تقتضي أن لا نقفز فوق الواقع، لأن القفز فوقه قد يقودنا إلى مربعات و دوائر و حلقات مفرغة ليست في مصلحة الوطن.