كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

متلازمة كورونوكرانيا

سالم العوكلي- ليبيا

فجأةً كفَّ الحديث تماما عن فيروس كورونا ومشتقاته، بعد أن كان يأخذ من وقت وسائل الإعلام ثلاثة أرباعها، وكأنه لم يكن، وبدأ الحديث طوال النهار والليل عن حرب أوكرانيا، وكأن أوكرانيا متحور آخر لكورونا بعد أوميكرون، وتراجعت تجارة اللقاحات والأدوية لتزدهر تجارة السلاح. وانتقل الحديث عن عالم ما بعد كورونا إلى الحديث عن عالم ما بعد حرب أوكرانيا. ما علينا.

تتخذ هذه الحرب العالمية المصغرة؛ المحجوزة في حّجْر صحي داخل حدود أوكرانيا، عنوانا خادعا للترويج لطرف من أطراف هذه الحرب الساخنة، والعنوان: حرب بين العالم الحر والعالم الآخر الذي تصعب تسميته، أو بين الديمقراطية والاستبداد، باعتبار الغرب هو حدائق الديمقراطية الوارفة التي يتربص خريف الشرق، وهو شعار مابعد كولينالي بامتياز من شأنه أن يسمح لأساطيل أمريكيا بأن تتسكع في بحار وأجواء العالم، وأن يصبح البيت الأبيض مخرنا ضخما للعقوبات توزع حُزَمُها ضد كل من يخرج عن طقوس طاعتها أو يختلف معها.
الديمقراطيات الغربية واقع حقيقي يعمل داخل حدودها فقط، ولا يعنينا منها شيء لأننا لسنا مواطنين داخل هذه الحدود، وحين تخرج هذه الدول خارج حدودها تتخلى ليس عن الديمقراطية فقط ولكن عن الحد الأدنى من أخلاق العلاقات مع الأمم الأخرى، وتكمن خطورة تسريبات ويكيليكس في فضحها لهذا السلوك اللاأخلاقي في تعامل الإدارة الأمريكية مع الأصدقاء والأعداء. ورغم التبجح الأمريكي بنشر/ أو الدفاع عن الديمقراطية في أي مكان تجتاحه بترسانتها، فهي في الواقع لم تترك أي أثر للديمقراطية في أي مكان مرت به جنازيرها، وتركت ألغامها تتفجر حتى الآن في فيتنام وكمبوديا ولاوس، وإشعاعاتها النووية في العراق، وتركت 97% من الشعب الأفغاني تحت خط الفقر يبيعون أبناءهم من أجل أن يأكلوا أو يتدفؤوا. وكأن العالم خارج حدود أمريكيا سجنُ جوانتانامو، بمثل ما تتحول ربيبتها (إسرائيل) الديمقراطية إلى نازية خارج حيزها بمتر واحد (وأقول حيز لأن حدود هذا الكيان لم تُرسّم حتى الآن). ومازلت لا أفهم كيف يمكن للأخلاق أن تكون شأنا محليا سياديا وتتعطل بمجرد الخروج عن نطاقها الدستوري.

هذه النسخ من الديمقراطيات المحلية التي تطبق بضجيجيها على العالم لا تناسبنا، وهذا الضجيج ما جعلنا نشيح بوعينا عن ديمقراطيات هادئة تعمل بصمت في دول تشبهنا في أرجاء العالم ولا تدين للتبشير االأمريكي بشيء: سنغافورا، نيوزيلندا، جنوب أفريقيا ، ماليزيا، أندونيسيا أورغواي، والدول الاسكندنافية التي مازالت تتربع على عرش المراتب الأولى في كل ما يتعلق بالقيم الديمقراطية (مرتبة الولايات المتحدة 26 في مؤشر الديمقراطية للعام 2021 والنرويج في المرتبة الأولى).

مأزقنا الأساسي أننا نغازل ديمقراطية إقطاعية تحافظ على وجودها عبر الأساطيل التي تجتاح العالم، والترسانة النووية الكافية لتدمير الكوكب، وحزم العقوبات التي تُجوِّع بها أمما وشعوبا كاملة، وتعتبر كل من يخالف وجهة نظرها في الحياة والسياسة والاقتصاد محور شر، وتنشر مختبراتها البيولوجية والكيميائية التي تسعى لتصنيع فيروسات فتاكة تصيب أجناسا محددة من البشر، وتعتبر العقاب الجماعي اللاأخلاقي عقيدتها في ترويض أي عصيان، فتعاقب الرياضيين والموسيقيين وحتى التراث الأدبي كما يحصل الآن مع روسيا.

لا تعنيني نظم هذه الدول الداخلية التي تعني مواطنيها، لكن ما يعنيني كمواطن خارج حدودها ماذا قدمت هذه الدول من أجلي ومن أجل الإنسانية، وماذا فعلت بشأن نزع السلاح النووي وتدمير أسلحة الدمار الشامل الكيميائية والبيولوجية، وبشأن اتفاقيات التغير المناخي والبيئة. وما حدث حقيقة أن الدول أو الأمم المتهمة بكونها نظما استبدادية، أو التي وضعت تحت عنوان محور الشر مثل الصين وروسيا، هي التي بادرت تجاه هذه المخاطر التي تهددنا جميعا، فمبادرات نزع أسلحة الدمار الشامل انبثقت من الاتحاد السوفياتي (جورباتشوف) عبر اتفاقيات وقعت عليها أمريكيا ريغان ثم بوش الأب، لكنها، رغم تغنيها بالديمقراطية وحقوق الإنسان وبالسلام، لم تحترم كل هذه الاتفاقيات، وانسحبت رسميا من بعضها لأن طبيعة اقتصادها، ومن ثم هيمنتها على العالم، تتعارض مع هذه الاتفاقيات، وهي تنتصر للاقتصاد والسوق على حساب الإنسان أينما كان وعلى حساب مستقبل الأرض.

يظهر الآن للعلن ما كان يُحكى عنه في الهوامش، وهي خارطة الحرب الجرثومية للمختبرات الأمريكية المنتشرة في العالم، ليس الأمر جديدا لكن حرب أوكرانيا تعريه وتدعمه بالوثائق. لقد اجتاحت أمريكيا العراق بحجة احتيازها على أسلحة دمار شامل وهي في الوقت نفسه تملأ محيط روسيا الاتحادية بمعامل أسلحة الدمار الشامل.

هذا أمر خطير يجب أن يقف العالم كله ضده وأن يتبين حقيقة ما يحدث، خصوصا وأن التقارير العلمية توضح أن الاختبارات تتعلق بجراثيم وفيروسات فتاكة تصيب أجناسا بشرية محددة، وأن مرضا خطيرا مثل الجدري تم تحويره إلى فيروس شبيه في السلوك بفيروس كورونا، وهذا التلاعب الذي ربما سيكشف غموض انتشار كيوفيد 19 هو ما يجعل الصين تطلب أكثر من مرة من الولايات المتحدة توضيح نشاطاتها البيولوجية في أوكرانيا، لأن التفكير في كيوفيد 19 بعد سيطرة روسيا على بعض المختبرات في أوكرانيا بدأ يأخذ منحىً آخرَ، غير أن أمريكيا أو أي دولة تملك مثل هذه الهيمنة على العالم، وتبرر الغاية الوسيلة لديها، قادرة دائما على تنظيف مسرح الجريمة، وقادرة على إيقاف التحقيقات عند حد معين لا يمكن تجاوزه، من جريمة اغتيال الرئيس كينيدي، إلى جريمة اجتياحها للعراق، إلى جريمة احتلالها لأفغانستان، مدةً عشرين سنة، من أجل القضاء على إرهاب طالبان ثم تسليمها بالكامل في أسبوع واحد لطالبان بكل ما فيها من ترسانة حلف الناتو.

مجرد أن تجرَى بحوث عن إمكانية تخليق أوبئة تصيب أجناسا معينة من البشر فهذا هو لب النازية، والأمر لا يختلف عن أفران حرق البشر غير المرغوب فيهم، ولا غرابة في أن تُنقل هذه المختبرات إلى دولة معتمة تحكمها ميليشيات نازية.

قد يكون من المفارق أن يقول شخص لا لحرب صغيرة تقوم في إقليم منسي من العالم، ولا يقف في وجه نظام اسمه نظام التفاهة (Mediocracy ) يحكم العالم وهذه الحروب مجرد شعرات زغب صغيرة تنمو على ذراع النظام الضخمة التي تحيط بالكوكب، ومن المفارق أن يطالب أحد ما بإصلاح في جزيرته الصغيرة بينما كل ما يحدث فيها تفرع طفيف من نظام عالمي يشبه التطبيق الرقمي الذي يحمله كل فرد في جيبه. نظام لا تكشفه إلا أحداث كبرى مثل انتشار وباء، أو ارتفاع درجة حرارة الأرض، أو حرب مخيفة تقع في الحد الفاصل بين قوتين نووييتين في أوكرانيا، ومثلما عرت جائحة كورونا جزءا من هذا النظام الذي يحكم العالم، تعري حرب أوكرانيا بقيته، ونحن نرى الشعارات البراقة تتفسخ عند أي محك حقيقي.

ودور المثقف خارج سياقه الاجتماعي أن يعي اللعبة الكونية في كون تحول إلى قرية، وأن يعرف أن ما يحدث لجزئه من العالم مجرد رذاذ أخير من موجات تسونامي هائلة مركز زلزالها يقع كل مرة في قلب أزمة اقتصادية تضرب أسواق المال. ثمة خوف كوني من المخزون الهائل من الترسانة النووية بجانبيها العسكري والسلمي، وهو مخزون خرج عن السيطرة وما عاد يمكن التخلص منه بأي طريقة مثل المارد الذي خرج من القمقم ، لكن ثمة خوف لا يقل رعبا من النظام المصرفي العالمي الذي يتحول في أي لحظة لأداة عقاب وتجويع للملايين من البشر، ومن العملات الرقمية التي تكسب في اليوم مليارات أو تخسر وتنتقل من مكان إلى مكان دون أن توفر حبة قمح. هذا الاقتصاد الأثيري الهائل في العالم لا يختلف عن المخزون النووي، كلاهما قابل للانفجار، وكلاهما قد يفضي إلى موتين: الموت انتحاراً أو الموت جوعاً.
هذا العالم الذي يتظاهر بالجمال ليس جميلا البتة. قد يقول ذلك موظف في وولستريت يعمل 12 ساعة يوميا كي يسدد فواتيره، أو يُفصل من العمل بفعل أي أزمة طارئة ليجد نفسه مع 70 ألف متشرد يعيشون في مدينة الملائكة لوس أنجلوس بعضهم فقدوا وظائفهم وأرصدتهم في الأزمة المالية، تطاردهم الشرطة من رصيف إلى رصيف. وقد يقول ذلك عاطل في عشوائية ما لا تصله أي فواتير لأنه لا يملك شيئا يسدد مقابله.

نبهت الكاتبة روزا لوكسمبورج في بداية القرن العشرين لخطورة هذا النظام الذي بدأ يتبلور، قائلة نيابة عن المثقفين وأصحاب الضمائر: "يمكننا أن نتصرف كما لو أن أفعالنا ستطيح بالضرورة بنظام يتسبب في خراب كبير في ذات الوقت الذي يؤكد فيه على حقه في أن يطعمنا بالملاعق، يمكننا أن نتطلع إلى اليوم الذي ستتداعى فيه ثقة الأغلبية بخطاب هذا النظام. يمكننا أن نعوّل على الوضوح المبهرج لتدليسه؛ يمكننا المضي إلى الأمام، واثقين من أن النقد الذاتي والحرص العميق سيكونان جزءاً من أسلوبنا في التفكير".