كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العمليّة العسكريّة الروسيّة في أوكرانيا: تغييبُ الجوهريّ والتضليل بفبركة التفاصيل

هادي دانيال- فينكس- تونس:

عوّدَتْنا الولايات المتحدة الأمريكيّة على أن تفرض سياساتها الخارجيّة ومصالحها عبْر العالَم بأن تُرهِبَ الدوَل والشعوب المُستهدَفة بالحصار الجائر والانقلابات العسكرية والاغتيالات وشنّ الحروب بالوكالة كما فعلت في أفغانستان مستخدمة جماعات الإسلام السياسي المسلحة في حرب استنزاف القوات الروسية التي استدعاها نظام كابول الاشتراكي لحمايته آنذاك (هذه الحرب التي كانت مقدّمة لكسْر هيبة الاتحاد السوفياتي الدولية ورفْدها بحرب استخباريّة طاحنة أفضت إلى انهيار المعسكر الاشتراكي في أوربا الشرقية بأسرها تلاه تفكك الاتحاد السوفياتي وإعلان واشنطن أنّ ساكن البيت الأبيض هو سيّد العالَم المعاصر الذي خضع قرابة الثلاثة عقود لهذا "الأمر الواقع")، وتلجأ الولايات المتحدة لفرض سياستها ومصالحها إلى غزو الدول المستهدَفَة واحتلالها عسكريا بعد فرْض حصار دوليّ شديد عليها لسنوات غير آبهة بضحايا جريمتها الإنسانيّة هذه من الأطفال والمدنيين (بلغ ضحايا الحصار الوحشيّ على العراق أكثر من مليون طفل، وعدّت مادلين أولبرايت هذا الكمّ الهائل من الضحايا ثمنا معقولاً لهدف بلادها من هذا الحصار الذي تبيّن أنّه لم يكن تخليص الشعب العراقي من "الدكتاتورية" وتعويضها بنظام "ديمقراطي" ولا إنقاذ العالم من سلاح دمار شامل مزعوم في قبضة نظام الرئيس صدام حسين، كما اعترف كولن باول لاحقاً، إنما كان الهدف حسب تصريح "جورج دبليو بوش" هو "الحفاظ على نمط حياة المواطن الأمريكي" الذي يتطلّب هيمنة الولايات المتحدة الأمريكيّة ليس على الطاقة فقط بل على ثروات البشرية كافة تحت الأرض وفوقها، وهذا ما حصل بعد غزو واحتلال العراق ودخول دبابات واشنطن وحليفاتها في الحلف الأطلسي أو المرشحين للانضمام إليه كأوكرانيا التي شاركت جنازير دباباتها بدَوْسِ سيادة العراق الدولة المؤسسة للأمم المتحدة)، وهذه القوّة العسكريّة الأمريكيّة الغاشمة هي العمود الفقري للحلف الأطلسي الذي شنّ حربا على دولة مستقلة أخرى هي "الجماهيريّة الليبية" هدفها اقتسام ثروات الشعب الليبي بين دوَل حلف الناتو كغنيمة حرْب، لكنّ الاختلاف على حصص المعتدين مِن هذه الغنيمة جعل ليبيا في حالة حرب يهدأ أوارها تارة ويضطرم تارات. وتجرّ واشنطن دوَل هذا الحلف العسكري مِن حَربٍ إلى أخرى خارج القانون الدولي وخروجاً عليْه لِتَفْرضَ أمْراً واقِعاً آخَر هُوَ أنّ "حلف الناتو" هو القوّة الوحيدة التي يجب أن تُذعِنَ لها دُوَل العالَم كافّة، خاصّةً بَعْدَ أنْ أفضت "ثورات الربيع العربي" التي كان يُرادُ منها زجّ منطقتنا في "فوضى خلّاقة" يُولَدُ مِن الدمار والقتل والدم واللهب والدخان والتجويع والتفقير والتجهيل الذي ينجم عنها "الشرقُ الأوسط الجديد" الذي كان مرسوماً له أن يكون عماد النظام العالميّ الجديد، نظام القطب الواحد.

لكنّ صمود الجيش العربي السوري وقيادته السياسية والعسكريّة واستثمارهما العلاقات والصداقات التي بنتها سورية في تاريخها المعاصر، هذا كله أفضى إلى لجم اندفاع "ثورات الفوضى الخلّاقة" بل اندحارها نسبيّاً على صخرة الصمود السوري الذي غذّته ودعمته الدول الصديقة، وخاصة روسيا والصين وإيران وكوريا الديمقراطية، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وقد مثلت هذه اللحظة التاريخيّة التي عبّرتُ عنها في حينه بلحظة "سورية التي غَيَّرت وجه العالم"، مثّلتْ انعطافة في مشهد السياسة الدولية عنوانها "العودة إلى سياسة دوليّة متعددة الأقطاب"، هذه الحقيقة الموضوعية الواقعية الملموسة التي ما فتئت الولايات المتحدة الأمريكية تكابِرُ وترفض تكييف سياستها الخارجيّة معها على الرغم من اعتراف الدوائر المعنية بأنّ بكين تبوّأت المركز الأوّل عالميا على المستوى الاقتصادي بعْدَ أن أزاحت واشنطن إلى مرتبة القوة الاقتصادية الثانية، بينما يعي المعنيون في البنتاغون جميعاً أنّ ميزان القوى العسكري العالمي لا يمكن أن يكون في صالح الولايات المتحدة وحلف الناتو عندما يكون في الطرف المُقابِل تحالفٌ سياسي/اقتصادي/عسكري موضوعيّ باتَ أمرا شبه مُعلَن بين الدُوَل الرئيسة في حلف شرقيّ جديد قوامه روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية وفي اللحظة الحاسمة قد تنضم إليهِ دُوَلٌ اختارت مؤقتا حالة الحياد.

أصحاب القرار في واشنطن والحلف الأطلسي يدركون ذلك جيّدا، ويدركون أنّ الإسلام السياسي الذي استولدوا منه التنظيمات التكفيرية الإرهابية المسلحة مثل "القاعدة" و"داعش" و"جبهة النصرة" و "بوكو حرام" و"أنصار الشريعة" وغيرها، إن كان لايزال جاهزا لتوظيفه في حروب الوكالة التي تشنها الاستخبارات الأمريكية عبْر العالم، فإنّه لم يَعُدْ قادرا على أن يكون لها حصان طروادة لأنّه على مدى عقْد ونيّف فقد الحاضنات الاجتماعية له التي تمكنه مِن خَلق بؤر إرهابية واسعة في الدول المستهدَفة، تكون ذريعة واشنطن وتعلّتها للتدخُّل في الشؤون الداخليّة لتلك الدوَل.

هذا يعني بعبارات أخرى أنّ سياسة الحلف الأطلسي وضمنه القوات الأمريكيّة انكشفت أمام الرأي العام في المنطقة والعالم بأنّها السبب الرئيس في انبعاث ظاهرة الإرهاب وانتشارها عبر العالم وبالتالي لا مصداقية لمزاعمها أنها موجودة في المنطقة لمقاومة التهديدات الإرهابية، كما أنّ عدَم استقرار المنطقة له سبب يعود إلى أربعينات القرن الماضي عندما نفّذ الغرب مشروعه الاستعماري بإقامة الكيان الصهيوني الذي مِن أبرز وظائفه إبقاء المنطقة مضطربة وعصيّة على التقدّم والازدهار وحديقة خلفية للأطماع الغربية الأمريكية والأوربيّة، وبالتالي يَحُول هذا الغرب نفسه دون إيجاد حلّ سياسي عادل لما يُسمى "الصراع العربي- الإسرائيلي" يُعيد الجولان المحتل إلى سورية ويُمكِّن الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة والشتات من حقوقه المشروعة في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، لأنّ هذا الحل العادل وحده يضع المنطقة فعليّاً على سكة الاستقرار.

ولأنّ واشنطن انهزمت اقتصاديا أمام بكين وعاجزة عن إعلان حرب عسكرية على الصين بالرغم مِن قواعدها العسكرية المنتشرة حولها، فإنها اختارت أن تبدأ حربها على الصين مِن روسيا، أي بتفكيك الاتحاد الروسي أوّلاً لتحييد قوّته العسكرية وخاصة النووية في أيّ حرب عالميّة هدفها الرئيس كسْر الصين، وثانياً للسيطرة على ثروات روسيا بدءاً من النفط والغاز والفحم والقمح والحديد والألمنيوم والنحاس وصولا إلى الذهب والبلاتين والماس، هذه الموارد الطبيعية الروسية التي ستكون في حال نجحت واشنطن لا سمح الله في إسقاط نظام فلاديمير بوتين أو في "زعزعة النظام الروسي" حسب توصيف بعض مراكز الأبحاث الأمريكية، ستكون موارد حرب أطلسية تريدها واشنطن حاسمة على الصين التي لأجْل الحدّ من تمدد استثماراتها وتجارتها عبْر العالم وخاصّة في القارة الأفريقيّة تفعّل الولايات المتحدة تفعيلا مَسعوراً كل قدراتها السياسية والإعلامية والاقتصادية والأمنية والعسكرية. ولتحقيق هذا الهدف لم تكتف واشنطن بدعم الإرهابيين في القوقاز والانسحاب من معاهدة الصواريخ المضادة البالستيّة، فبادرت إلى تَوسُّع الناتو الصفيق شرقا باتجاه روسيا مستخفّةً بطلب موسكو ضمانات أمنيّة بأنْ لا يقترب الناتو من حدودها ولا ينشر منظومات عسكريّة قرْبَ هذه الحدود وتنكفئ البُنيْة التحتيّة العسكريّة للحلف الأطلسي إلى ما كانت عليه فبل توقيع الاتفاقيات مع روسيا سنة 1997، أي في عهد دمية الغرب الروسية بوريس يلتسين. كما أنّ واشنطن لم تكتفِ بالتلويح بضمّ أوكرانيا إلى حلف الناتو بل بدأت في إعداد حرب استنزاف ضدّ روسيا بدءاً من إقليم الدونباس لا تقتصر على دور مقاتلي "أزوف"/ميليشيات الحزب النازي(أبطال أوكرانيا) بل ترفدهم بمرتزقة الإسلام السياسي الذين أصبحوا ورقة محترقة أو انتهت مدة صلاحيّتها في مجتمعات الدول العربية الآسيويّة والأفريقيّة، وحرّكت دميتها المهرّج "زيلينسكي" الذي سبق أن أوصلته إلى سدّة الحكم في كييف كي يستفزّ موسكو ليس فقط بالتهديد بارتكاب جرائم إبادة ضد حلفاء موسكو في إقليم الدونباس إنّما أيضا بحثّ الحلف الأطلسي إلى قبول عضويّة أوكرانيا فيه. أي جلْب قواعد الناتو العسكرية إلى الحدود الروسيّة. وفي هذه الحالة لم يبق أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غير أن يتصرّف كزعيم وطنيّ يرى بأمّ عينيه مرّة أخرى أنّ "وطن بطرس الأكبر في خطَر"، وهذا الخطر يأتي من الغرب دائماً، فبادر إلى العمليّة العسكريّة الروسيّة الخاصّة التي تهدف إلى تعقيم الأراضي الأوكرانيّة بجعلها عاجزة مستقبلاً عن أن تكون رحما أرنبيّاً خصبا لاحتضان أجنة الأخطار وولادتها بالجملة لتهدد الأمن الوطني الروسي. لهذه الأسباب جرّد الرئيس بوتين جزءاً مِن جيشه العرمرم لكبْح جماح الغرْب الموبوء بالنزعة الكولونياليّة أفقيّاً وعموديّاً بحيث أنّ حَمْلَ هذه اللوثة لا يقتصر على النيوليبراليّة الغربية المتوحشة بل يشمل اليمين واليسار المتطرّفين مَعاً.

ولا شكّ أنّ الرئيس بوتين فاجأ الغرْبَ عندما اعتمد الهجومَ الميداني كخطة دفاعيّة يحاول الغرْبُ شيطنتها بما أوتي مِن أساليب ووسائل التضليل، محاولا إغراق الجوهريّ الذي أوردناه أعلاه بسفاسف التفاصيل المبتذلة والمفبركة غالباً. وقد وصلت حدّة الهستيريا عند قادة الغرب السياسيين والإعلاميين والثقافيين والعسكريين أنّهم أباحوا كلّ ما كانوا يزعمون أنه من المحظورات، كالعقوبات الاقتصادية والثقافية والرياضية التي كانوا يَصِمُون باللاسامية كلّ مَن يستخدمها أو يقترح استخدامها لمعاقبة الاحتلال الإسرائيلي على جرائمه التي يرتكبها يوميا منذ سبعة عقود ضدّ الشعب الفلسطيني.

وَمِن المفارقات أنّ أوّل الدعوات الناضجة والصادقة إلى وحدة أوربا صدرت عن مفكري روسيا ونخبها الثقافية منذ أوائل القرن التاسع عشر، وعندما تتحد أوربا تتذيّل للولايات المتحدة الأمريكيّة ضدّ الاتحاد الروسي!.

إنّ روسيا فلاديمير بوتين عندما تضطر إلى عمليّة عسكريّة خاصة في أوكرانيا لا تنفّذ استراتيجيّة كولونياليّة قصْد الهيمنة و"الحفاظ على نمط حياة مواطنيها" كما برر جورج بوش الابن حربه على العراق واحتلاله، بل هي تدافع عن وجودها المهدَّد على خارطة السياسة الدولية. والذين يتباكون عن القيم الإنسانيّة المهدّدة من العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا كان عليهم أوّلاً أن يقتصدوا في دم الأوكرانيين ومعاناتهم بأن يحترموا مطالب موسكو الأمنية المشروعة فتبقى أرض أوكرانيا الشاسعة بيادر قمح ومسافة أمن وأمان، أي "خطّاً أحمر" بين أطماع الغرب التي يسعى إلى تحقيقها بالقوّة العسكريّة وبين حقّ موسكو في تحصين الوطن الروسي الذي يقدّم نفسه منافحا عن القانون الدولي الذي يضمن حقوق الشعوب في العيش الآمِن المستقر في دول وطنيّة مستقلّة ذات سيادة تقيم علاقات نديّة مع بقيّة دوَل العالَم بما يخدم مصالح شعبها ومصالح شعوب تلك الدُّوَل.

في شهر فيفري 1991 زرْتُ ملجأ العامريّة في بغداد بعد أيّام مِن قصفه بالتقنيات العسكريّة الغربيّة المتطوّرة التي تديرها تلك الإرادة السياسة الغربيّة التي تلوك "شوانغوم" حقوق الإنسان المزعومة حتى القرف. لقد شاهدت بعيني وعقلي وقلبي كيف تجلّت شعارات الغرب المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان على جدران ملجأ العامريّة بقايا شعر محترق على بقايا فروة رأس التصقت على تلك الجدران إلى جانب بؤبؤ عين هنا وإصبع مبتورة هناك وأذن لايزال يَقرع رمادَ طبلتِها قصْفُ الطائرات الغربيّة هنالك. روح الغرب "الإنسانيّة جدّاً" تجلّت في العامريّة ملجأ الأطفال والنساء والشيوخ العراقيين كما تجلّت في عجْن أشلاء أهالي الرقّة السوريين ودمائهم بركام بيوتها التي انطبقت عليهم من جرّاء قصف الطيران الأمريكي بذريعة مطاردة الإرهابيين، تماما كما تتجلّى ديمقراطيّة "إسرائيل" بنت الغرْب "الإنسانيّ" المُدَلّلة في ابتكار أشكال التنكيل بالفلسطينيين أصحاب الأرض التي عجزَ هذا الغرْب وكيانه الصهيوني عن تحويلهم إلى "هنود حُمْر" جدد على الرغم من تجريب أسلحة الغرب الخفيفة والمتوسطة والثقيلة ، الغبيّة والذكيّة، على أجسادهم وحقولهم وبيوتهم طوالَ أكثر من ثمانين عاماً.

إذَن، إنْ تعرَّضَ الشعبُ الأوكرانيّ لمعاناة فإنها مسؤوليّة دوَل حلف الناتو وعملائه المحليين بدءا من الرئيس الدمية "زيلينسكي" الذين جعلوا مِن الشعوب الأوكرانية متاريسَ ودروعاً بشريّة، يحاول الجيش الروسي الذي يدافع عن تماسُك ووجود دولته الوطنية (روسيا الاتحادية) أنْ لا يتقدّم على جماجم وأشلاء هذه المتاريس والدروع ، لذلك يحرص على محاصرة المدن وإقامة ممرات آمنة لتشجيع المواطنين الأوكرانيين مُستَلَبيّ الإرادة على أن يحرروا أنفسهم من مصائرهم المرسومة لهم غربيا كدروع ومتاريس بشرية، وهذا هو السبب الأساس في التقدّم الروسي البطيء إلى داخل العاصمة "كييف".