كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قراءة أوليّة في المشهد الروسي– الأوكراني

شوكت ابوفخر– فينكس

معركة إرادات و قوة تدور رحاها على نحو معلن، بين روسيا والغرب حول وضع أوكرانيا ومستقبلها، الولايات المتحدة وأوروبا تمعن النظر جيداً، الزحف الروسي داخل القارة العجوز، لسان حال الطرفين عكسته مجلة نيوزويك الأميركية "بقولها" الحقيقة الأساسية التي يجب وضعها في الاعتبار هي أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يخسر أي حرب أبداً، متوقعةً أن يحقق أهدافه هذه المرة أيضاً".

وتشير نيوزويك إلى أنه خلال الصراعات السابقة في الشيشان وجورجيا وسورية والقرم، وعلى مدى عقدين من حكم بوتين نجح في إعطاء قواته المسلحة أهدافاً عسكرية واضحة وقابلة للتحقيق، ومن شأنها أن تسمح له بإعلان النصر، بمصداقية، في نظر الشعب الروسي، والعالم الذي يراقب بحذر، ومن غير المرجح أن تكون مبادرته الأخيرة في أوكرانيا مختلفة".

بالعودة إلى الحرب في أوكرانيا، صحيح أننا بالمبدأ ضد كل الحروب ومآسيها، ونحن في سورية أكثر من تعرض لها، وتأذى منها، لكن أميركا لم تترك خياراً لروسيا التي يتهدد أمنها المباشر بجيرانها الأعداء.. وتعتزم أميركا حصارها بصواريخ "ناتو".

أمام هذا الواقع الذي فرض على روسيا، ماذا كان العالم ينتظر من موسكو، بعد أن بات اللعب على المكشوف على حدودها المباشرة؟ كيف يستطيع أن يدرك ذلك من يجهل الإستراتيجيا، حتى إنّه يقرأ السياسات الكبرى في ضوء معطيات السياسات الصغرى؟

العملية الروسية مكلفة بلا شك، واستفزاز الدّب الروسي ليس لعبة حميدة، هل روسيا بلد ضعيف حتى نستنكر عليها التحرك في ضوء مصالحها الإستراتيجية الحساسة لأمنها القومي، بوصفها دولة عظمى وليست دويلة في متاهة جيوسياسية؟

لقد عمل الغرب طويلاً على محاولة لي ذراع روسيا، لكي تسلّم لـ"ناتو" بأنّه بالفعل القوة الضاربة في العالم، وإذا ما تم هذا وجب التسليم بأنّ مستقبل العالم سيكون تحت هيمنة القطب الوحيد، وتحت مظلته أوروبا.

ثمّة لعبة ليّ ذراع سرعان ما باءت بالفشل، وهنا وجب التذكير بأن الرئيس بوتين عمل بشكل استباقي لمنع الإطباق على روسيا بشكل هائل، كما لعب دوراً هذه المرة استثنائياً في إرساء قواعد الاشتباك لعالم متعدد الأقطاب، وهو عمل في قلب مستقبل السلام العالمي وتوازن النظام الدّولي.

لقد عادت روسيا الآن إلى دائرة الضوء، وهي دولة تُظهر، باستعراض قوتها العسكرية، أنها لا تزال قوة عظمى، وهو بالضبط المكان الذي يريد بوتين أن تكون فيه أمته، هذا درس لمنظومة الهامش كي تعرف أن ما حصل في أوكرانيا قد حال دون الاستعباد المفرط لمصالح الدول من القطب الواحد الذي تنكّر لحلفائه، والمثال الأبرز هو أوكرانيا التي أنزلتها قيادتها إلى مستوى متدنٍّ من المغامرة الإستراتيجية، فـ"ناتو" لا يحمي، قالها الرئيس أوكراني فلاديمير زيلينسكي الذي عاد إرسال رسالة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك لجميع المتغطين بالغطاء الأمريكي، بعد أن اكتشف هذا الاحتيال بعد فوات الأوان: "المُتغطي بالأمريكان عريان".

وحده الغطاء الوطني الشعبي العسكري يؤمن الدفء والأمن بشرطه وشروطه، والباقي سند.

ما يحصل في أوكرانيا جاء نتيجة، لأن ما حدث خلال السنوات الأخيرة هو خطر محدق بالنظام الدولي، وبأنّ لا سلام مع قطب وحيد لم يعد يشعر بأنه ملزم حتى باحترام حلفائه وتقدير اختياراتهم واصطفافهم، وأوكرانيا مؤشر أساسي على مستقبل النظام العالمي الجديد، لا أحد يجازف في تغيير قواعد الاشتباك في مستوى الحرب الباردة، ففي نهاية المطاف، استطاعت موسكو أن تؤكد أنّ لا شيء تغير.

بوتين بخلاف غورباتشوف ويلتسين، هو ابن الحرب الباردة، ولا يريد أن يمتد حلف "ناتو" إلى حدوده.

باختصار النظام العالمي يتغير بشكل لا رجعة فيه، وحتماً أوّل الخاسرين هم حلفاء "ناتو"، لأنّ التحدي الذي ينتظرهم هو في أوراسيا، ومصير قواعد الاشتباك هناك، هي من سيحدد مستقبل الشرق الأوسط.

حلفاء أمريكا في العالم وأعداؤها ينظرون لهذه المأساة بعين التدقيق، الحلفاء تأكدوا أن "المتغطي بأمريكا عريان"، هذا حقيقة أزلية فالأمريكيون ليس لهم صديق أو صاحب سوى مصالحهم التي تحركهم تجاه تلك البلدان على مر الأزمان.

والتاريخ يعيد نفسه من شاه إيران إلى أفغانستان، بينما الأقوياء ينظرون بعين الشهية لتحدي أمريكا.