كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

لا تفقدوا البوصلة.. الوطن الذي افتداه الآباء والأجداد

عبد الرحيم أحمد- فينكس:

في تاريخ سورية القريب الذي صنعه أجدادنا الكثير مما يجب أن نتذكره ونعتبر منه، ففي ساعات الخطر المحدق بالبلاد تجتمع القلوب والعقول ويوضع الكتف بالكتف لدرء الخطر وصد العدوان، وهذا ما حصل خلال تصدي السوريين جميعاً للاستعمار الفرنسي مع بداية عشرينيات القرن الماضي حيث تنادت أصوات السوريين من الساحل إلى جبل العرب ودمشق وحلب ودير الزور وحمص وحماه، وكان الموقف أشد تأثيراً من الرصاص الموجه إلى صدور المحتل بالرغم من ضيق الحال الذي تركهم عليه الاستعمار التركي.
واليوم لاشك أن مستوى الخطر والتهديد الميداني لكيان الدولة قد تراجع بنسبة كبيرة بفضل تضحيات الجيش والشعب، لكن الوطن ما يزال يتعرض لحرب عدوانية معقدة تستخدم فيها مختلف أنواع الحروب التقليدية والحديثة ويشكل الإرهاب والحصار والإعلام فيها رافعة العدوان الذي مايزال يستنزف قدرات البلاد سعياً لتدميرها وتفكيكها وتفتيت سكانها وتقسيمها إلى كانتونات متناحرة ترتهن للدول الغربية.
وفي مواجهة هذه الحرب سطر السوريون جيشاً وشعباً ملاحم في البطولة والتضحية ووحدة الموقف والصف كما في مواجهة المحتل الفرنسي، وكان شعبنا العربي السوري من جنوب البلاد إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها خزان الأبطال، يمد جيشنا البطل بالمقاتلين الشجعان الذين احتار العالم كيف استطاع هذا الجيش أن يصمد ويقاتل الكم الهائل من الإرهابيين المدربين والمدارين من الاستخبارات الغربية والمدعومين بالطيران الإسرائيلي والأمريكي.
فهل فشل مخطط الغرب بتدمير سورية وتفكيكها؟ يمكن الجواب نعم، واقعاً وليس أملاً، إيماناً وليس تمنياً. لكن الضريبة والثمن كبير جداً، فلا بيت إلا وضحّى وقاوم واستبسل في الدفاع عن الدولة التي تمثل له وطناً يسكنه ويحميه، والدولة لم تصمد إلا بصمود الشعب والجيش وبمعادلة الشعب والدولة في مواجهة الإرهاب والعدوان رداً على معادلة "الشعب في مواجهة الدولة" التي حاول محور العدوان والإرهاب تكريسها منذ البداية عبر التحريض والضخ الإعلامي والحصار والضغط الاقتصادي.
لكن، هل استكان محور العدوان لفشل مخططه؟ بالتأكيد لا.. فهو لايريد أن يقبل بالهزيمة المدوية بعد كل الأموال التي دفعت والعناوين التي أُطلقت.. وهو كان يخطط لأسابيع قليلة أو شهور لسقوط دمشق، وصلاة أردوغان في الجامع الأموي، ومباركة الدول الغربية للمجالس التي صنّعوها بالاستيلاء على السلطة ومصافحة كيان الاحتلال الإسرائيلي الذي يحتل جولاننا وفلسطيننا وقدسنا.
إذاً ماذا يجري الآن؟ لاشك أن كل المحاولات الغربية والأممية اليوم تهدف إلى تثبيت الحالة الراهنة من سيطرة الإرهاب على إدلب وميليشيا "قسد" على الجزيرة، تحت عنوان وقف إطلاق النار والمفاوضات مع ما يطلق عليهم الغرب المعارضة.. وإن كانوا إرهابيين وآكلي الأكباد ومفجري المشافي والمدارس وخاطفي الأطفال في إدلب وإن كانوا سارقي نفطنا وقمحنا ومشاركين في حصار أشقائهم في لقمة عيشهم كميليشيا "قسد".
ليس هذا فحسب بل إن محور العدوان والإرهاب يعتقد أنه يمكن إعادة إنتاج معادلة "الشعب في مواجهة الدولة"، فالحصار وحرب التجويع ضد السوريين الذين يئنون تحت وقع الضغوط الاقتصادية اليومية والمصاعب المعيشية المتزايدة وارتفاع أسعار المواد، بحسب هؤلاء، سوف تؤتي ثمارها ويمكن أن تدفع السوريين للتخلي عن دولتهم وأن يبحث كل منهم عن خلاصه الفردي بعيداً عن خلاص الدولة.
لكن التاريخ يشهد أن أجداد السوريين فهموا اللعبة الاستعمارية في عام 1919 مع دخول أول جندي للاحتلال الفرنسي في الساحل السوري، فلم تنفع المستعمر لا الترغيب بالزعامات المناطقية ولا حرب التجويع والقمع... فكانوا يداً واحدة حتى تحقق الاستقلال، ويبدو أن دول العدوان تتعامى اليوم عن دروس 11 عاماً من حرب لم يشهد التاريخ مثلها، كيف أثبت السوريون من السويداء وطرطوس إلى حلب ودير الزور ودمشق واللاذقية وحماه ودرعا وفي كل المدن والمناطق السورية أن أوهام اللعب على وتر التفكيك والتفتيت تحت أي عنوان أمر لا حياة له في سورية، وأن ساعة السوريين تدق على توقيت دمشق وليس على توقيت أي عاصمة أخرى.
ولن تستطيع أي أصوات نشاز سواء في السويداء أم في الجزيرة السورية أم في أي منطقة سورية أخرى أن تتحدث باسم السوريين عامة أو باسم تلك المحافظات والمناطق، فالسوريين اليوم عبروا عن أنفسهم بقوة عندما حرروا مساحات واسعة من الإرهاب وتحملوا الحصار سنوات وهبوا لنجدة جيشهم عندما باغتته قطعان الإرهاب المدعوم بطيران الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي والتركي في اللجاة وتدمر وحلب ودير الزور وغيرها.
فالمطلوب منا جميعاً أن نعي حقيقة ما يجري اليوم مع اقتراب دخول الحرب على بلدنا سنتها الثانية عشرة، وما يخطط له الأعداء من جديد لإنهاك السوريين إلى أبعد حد ممكن في لقمة عيشهم، ومحاولة تضليلهم عن سبب ما هم فيه من معاناة، وحرف بوصلتهم الوطنية عن مواجهة الأسباب الحقيقية والجهات التي تقف وراء معاناتهم الاقتصادية اليومية.. فإن ضلّت البوصلة تحقق للأعداء ما يريدون.
لن ينفع السوريين اليوم تقاذف الاتهامات ولا التنظير بالوطنية والانتماء.. فالانتماء الحقيقي والموقف الذي ينفع، أن نقف صفاً واحداً مع جيشنا لدحر الإرهاب والقضاء عليه وطرد المحتلين من التنف والجزيرة السورية وإدلب وشمال حلب، وعندها فقط لن يكون للحصار الغربي أي تأثير وتكون مواردنا كافية لنا دون منّة من أحد.