كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

روسيا والغرب.. هل تُغيّر العالَم؟

عبد الله منيني- فينكس
منذُ نهايةِ الحرب الباردة، ومُرور حوالي ثلاثة عُقود على ذلك شكّلَ العام /2014/ - تاريخَ ضمِّ "جزيرة القرم" الى روسيا الاتحاديّة - نقطةَ تحوّلٍ استراتيجيّة في التاريخ الحديث لِـ"روسيا" ولجمهوريّات الاتحاد السوفياتي السّابقة التي تفكّكت بعدَ انهيار واحدةٍ منَ الدول العُظمى في العالم في (25) ديسمبر/ كانون الأول من عام /1991م/ عُقبَ استقالة "ميخائيل غورباتشوف" آخر الزُّعَماء السوفييت رسميّاً من مَنصِب رئيس الاتحاد السوفياتي.
وقد اعترفَ برلُمان البلاد حينَها (مجلس السوفيات الأعلى)، في اليوم التالي في /26/ ديسمبر رسميّاً باستقلال (15) دولةً مُستقلّة جديدة، هيَ "روسيا، وأوكرانيا، وجورجيا، وأذربيجان، وأوزباكستان، وتركمانستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، ولاتفيا، وليتوانيا، وأستونيا، ومولدوفا، وروسيا البيضاء، وأرمينيا"، وبالتالي إنهاء وجود الاتّحاد السوفياتي وحقبته الأكثر جدلاً في العالمِ الحديث.
روسيا أكبرُ هذهِ الدول، والقائدة المؤسّسة لهذا الاتحاد المُترامي الأطراف، الذي توسَّعَ إلى أن امتدّت مساحتهُ على نحو /22/ مليون ونصف المليون كيلومتر مربّع؛ أي نحو (15) بالمئة من مساحةِ كوكب الأرض، والتي غدت بعدَ تفكُّكهِ الفضاءَ الأكبر الذي تبقّى بعدَ انهيارِ الدولة العُظمى مساحةَ وسُكّاناً وقوّةً عسكريّة.
أصبحت "روسيا" الوريثَ القانوني والوحيد للقوّة العُظمى السابقة، مُحتفظةَ لنفسها ليسَ فقط بأكبرِ مساحة فحسب، والتي تبلغ (6,612,000ميل)، ولكن أيضاً بقاعدةِ مواردَ مُتعدّدة، كما قاعدة إنتاج متنوّعة وقويّة، وبقيَت هذهِ الامتيازات رهينةً لتداعياتِ الانهيار الكبير، وصولاً لِحقبة الرئيس "بوتين" التي بدأت في العام /1999/م، فقد استثمرَ هذهِ الإمكانيّات المَوروثة في خدمةِ رؤيتهِ الخاصّة لموقع "روسيا" ودورها الإقليميّ والدوليّ، وهوَ الذي ركّزَ على عناوينَ أساسيّة انطلقت منها سياستهُ العابرة للحُدود.
وقد تجلّت تلكَ الرؤية الاستراتيجيّة بالتأكيد على وحدةِ "روسيا" وقوّتها، كما عودة دورها التاريخيّ كدولةٍ عُظمى، لها كلمتُها النافذة في المُجتمع الدوليّ، ووضع الحُدود اللازمة لتمدُّد الغرب شرقاً، معَ إعادةِ التوازن للنظام الدوليّ بكسرِ أُحادية القطب التي تمثّلها الولايات المتحدة الأمريكيّة.
وهذا بالطبع ما تحقّقَ في عهدِ الرئيس "بوتين" الذي يقودُ اليوم دولةً مُستقلّة تتمتّع بالقوة والحضور والتأثير، واستعادت ألقَها ومكانتَها كدولةٍ عُظمى في العالم، مُتجاوزةً تداعياتِ الفوضى التي نتجت في تسعينيّاتِ القرن الماضي، مُذلّلةً كلَّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة، ناهضةً بقوّة واقتدار وإرادة، مُحقّقةً التفوّق في مجالاتٍ عديدة تتجاوز المجالَ العسكريّ، وصولاً إلى إنجازاتٍ اقتصاديّة وسياسيّة وعلميّة.
تلكَ الاستعادة للدّور الروسيّ والقوّة الروسيّة قابلَها الغرب بقيادةِ الولايات المتحدة الأمريكيّة بعدائيّةٍ شديدة، ومُحاولةِ تحييدٍ للدور الروسيّ، أو الأصحّ تحجيم ذلكَ الدور، وهذا ما كانَ واضِحاً في حربِ الخليج الأولى، وفي حُروبِ البلقان، أو في حُروب "بوش الابن" المُتعدّدة في الشرق الأوسط.
ومن جهةٍ أخرى، تمدّدت حُدود "حلف الناتو" إلى أقصى مدى مُمكن في أوروبا الشرقيّة والبلقان، وعملت الآلة الغربيّة الإعلامية و الاستخباراتيّة كذلك على تشجيعِ الثورات الملوّنة، وإطلاق مجموعاتٍ ليبراليّة التوجُّه ودعمِها في كلٍّ من "أوكرانيا" و"جورجيا"، وكذلك "وسط آسيا"، بل وفي "روسيا" نفسِها.
ولكن، معَ بُزوغِ مَعالمِ الأزمة الجورجيّة، وأزمة أوكرانيا - على وجهِ الخُصوص - بدأت روسيا تحتلُّ موقعاً بارزاً منَ السّجال الغربيّ حولَ مآلاتِ النظام الدوليّ، ليتعزّز ذلكَ الجدال بعد تدخُّلِ روسيا في الحرب السوريّة بناءً على طلبِ حكومتها الشرعيّة، وبعدَ ضمّ "جزيرة القرم"، وبروز ملامح الأزمة الأوكرانية بأبعادها المُتعدّدة.
كلُّ ذلك جعلَ الغرب - وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكيّة - يضعُ أهدافاً مُحدَّدة، وخطّطَ للحيلولة دونَ استعادةِ "روسيا" دورَها الطبيعيّ في العالم. وعلى سبيلِ المثال في عام /2014/ وضعَ الغرب "أوكرانيا" تحتَ وصايتِه من خلالِ إلزامِ "أوكرانيا" بتوقيعِ اتفاقيّةِ شراكةٍ مع الاتّحاد الأوروبي، والتي جعلتها تحتَ لواءِ القوانين والتوجُّهات الأوروبيّة، في تحدٍّ واضح للإرادة الروسيّة، ووسيلة مُباشرة للضّغط على الاتحاد الروسيّ، وصولاً إلى مرحلةِ الاستفزاز من خلال حضّ "كييف" للضّغط من أجلِ الحُصولِ على عضويّة الناتو، وتعزيز تعاوُنِها الدفاعيّ معَ أعضاءَ في الحلف، وصولاً للسيطرة السياسيّة على القرار الأوكرانيّ، والذي ظهرَ بتراجُع "زيلينسكي" عمّا قطعهُ من وعود في حملتهِ الانتخابيّة عام /2020/ بفتحِ قنواتِ اتّصالٍ مع "روسيا"، وتعزيز الحلول السياسيّة، وإيجادِ أمورٍ مشتركة تجعلُ العلاقة بينَ البلدين أكثرَ نُضجاً، فأغلقَ محطّات التلفزيون المُوالية لروسيا، واتّخذَ موقفاً مُتشدّداً بشأنِ المَطالب الروسيّة، وبدأَ سلسلةً منَ التحريضِ والاستفزاز، لتغدوَ "أوكرانيا" كما أرادَها الغرب على سكّةِ "التكامُل الأوروبيّ الأطلسيّ"، في تعبيرٍ عن الرغبة الأمريكيّة الغربيّة الاستراتيجيّة في إبعادِ "أوكرانيا" عن السكّة الروسيّة وجعلِها الخاصرة الرخوة لها.
إنَّ الناظرَ للأزمة الأوكرانيّة المُفتعلة يُدرك أنَّ هدفَ الولايات المتحدة والغرب هوَ خلقُ حالةِ اللا استقرار في المنطقة، وخلقُ ساحةٍ جديدة للصّراع الروسيّ الأمريكيّ لكبحِ جِماحِ النهوضِ الروسيّ العظيم، ومنعِ مشاريعهِ التي يراها الغرب تؤدّي للإخلالِ بالتوازن الذي يُمثّل مصالحَه. وتبقى الساحة الأوكرانية مجالاً حيوياً لاختباراتِ مآلاتِ المُستقبل التي لا تخصّ "روسيا" والولايات المتحدة والغرب وحسب، بل العالم أجمع. وأعتقد أنَّ أكثرَ المُهتمّينَ بقراءةِ هذهِ التداعيات هيَ "الصّين"، وعلى الغرب أن يُدركَ أنَّ العالمَ فعلاً قد تغيّر.