هكذا قصفت أمريكا سد الفرات
شوكت أبو فخر– فينيكس
ليس تحليلاً، أو تأويلاً، بل حقائق سنضعها برسم من لازال يتوهم، أو يعول على أن أمريكا كانت، أو ستكون يوماً، نصيرة للشعوب، أو حتى ملتزمة بمبادئ القانون الدولي.
"هكذا قصفت أمريكا سد الفرات" العنوان أعلاه نستعيره كما هو من صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، وعليه فإن ما سيتم الحديث عنه، ليس من وحي الخيال، إنها قصة موثقة عن الوحشية والحقد الأمريكيين، والشهود، والمشاركون في الجريمة، لازالوا حتى الساعة، فجميع الأطراف التي كانت في تلك المنطقة علمت بما حصل.
قصة نرويها، كما حدثت من دون زيادة أو نقصان، وكما نشر الإعلام الأمريكي نفسه (طبعاً النشر من جانب الإعلام المذكور يأتي في سياق التعمية، ولكي يحاول أن يصطاد بعض مشوشي النظر، ويستثمر في الموضوع ليس إلا، والزعم أنه "موضوعي") وهو في الحقيقة أبعد ما يكون عن الموضوعية والصدق والمبادئ المهنية والأخلاقية.
القصة باختصار حدثت في 26 آذار عام 2017 عندما أمرت قوة خاصة أميركية، (كانت تنسق العلاقة بين الولايات المتحدة وقوات "قسد" مع اقتراب الأخيرة من الرقة) " بتنفيذ اعتداءات جوية على سد الفرات، وتم استدعاء قاذفة بي 52 لتنفيذ العدوان.
وحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، فإن "ثلاث قنابل كل واحدة تزن ألفي رطل، بما في ذلك واحدة على الأقل خارقة للتحصينات، تم استخدامها في القصف".
وحسب ما كشفت الصحيفة، قام أفراد من وحدة العمليات الأمريكية السرية للغاية، باستخدام أكبر القنابل التقليدية لضرب السد، بما في ذلك قنبلة خارقة للتحصينات، وأقرت القيادة المركزية الأمريكية، بإسقاط ثلاثة قنابل تزن كل منها 2000 رطل، لكنها "نفت استهداف السد أو تجاوز الإجراءات".
وزعم العقيد بيل أوربان، المتحدث الرسمي باسم القيادة المركزية الأمريكية في تبريره: "أن السد لم ينهر وأن هذا التحليل ثبتت دقته".
لكن مسؤولين سابقين، كانا مشاركين بشكل مباشر في الحرب الجوية آنذاك، وشهوداً سوريين حاورتهم "نيويورك تايمز"، قالوا: إن الوضع كان أكثر قتامة مما تحدث عنه الجيش الأمريكي علانية؛ حيث دُمرت معدات أساسية وتوقف السد عن العمل بالكامل، وارتفع منسوب مياه الخزان 50 قدماً وتسربت تقريباً من الجسر، وهو ما كان ينذر بوقوع كارثة.
وقال مدير سابق: لو انهار السد "لكان الدمار لا يمكن تصوره، وتجاوز عدد الضحايا عدد السوريين الذين قتلوا طوال فترة الحرب".
وكانت الفرقة الأمريكية الخاصة تبرر أغلبية الغارات الجوية التي تشنها "بإجراءات الدفاع عن النفس" حتى عندما لا تكون معرضة للخطر، ما أتاح لها سرعة ضرب الأهداف؛ بما فيها الأهداف التي يمنع ضربها.
ووفقاً لجنود سابقين ووثائق عسكرية حصلت عليها "نيويورك تايمز" وتقارير مواقع الغارات الجوية التي شنها التحالف الدولي في سورية، أسفرت الغارات على مواقع مثل: المدارس، والمساجد، والأسواق عن مقتل عدد كبير من النساء والأطفال.
لم يتم اتخاذ أي إجراء تأديبي ضد الفرقة التي قامت بالعدوان أو كما تسميه الصحيفة الأمريكية "القصف"، وواصلت الوحدة السرية ضرب أهداف باستخدام نفس مبررات الدفاع عن النفس التي استخدمتها في حالة السد.
وهكذا دمر القصف الآلات التي كانت تدير السد، وارتفعت مستويات المياه بسرعة 50 قدماً.
والمفارقة أو كما يقال -ربَّ ضارة نافعة- أن النظام التركي أغلق السدود على نهر الفرات عند المنبع لإبطاء التدفق، وفي النهاية تم طلب وقف إطلاق النار ليوم واحد بوساطة روسية للسماح لـ16 مهندساً بالعمل للحصول على رافعة لفتح بوابات الفيضان.
ليس هذا فحسب، بل بعد هذا القصف الذي تم عن سبق الإصرار، أرسلت الفرقة الأمريكية السرية، طائرة مسيرة فوق المنطقة أثناء محاولة الطواقم الفنية السورية إجراء إصلاح السد، حيث حلقت فوقهم، وبعد أن أنهوا عملهم وركب ثلاثة منهم شاحنة متجهين إلى منازلهم، وعلى بعد أكثر من ميل من السد، استهدفت غارة للتحالف الأمريكي شاحنة هؤلاء، ما أدى لاستشهاد الثلاثة.
هذا غيض من فيض، وبعده تدعي الولايات المتحدة محاربتها للإرهاب وهي نفسها من تدعم الإرهاب وتعتدي على سيادة الدول وتنتهك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
بعد كل هذا، كيف يمكن فهم الوقاحة والصفاقة الأمريكية بأن قصف سد الفرات وقتل المدنيين،"دفاع عن النفس" وكيف كانت الحال لولا انفجرت القنبلة المصممة لتدمير التحصينات الخرسانية حيث عثر عمال السد على قنبلة مضادة للتحصينات، وقد اخترقت خمسة طوابق من برج المراقبة في السد ولم تنفجر، وكانت القنبلة محترقة ولكنها سليمة، وحسب الخبراء فإنها لو انفجرت ربما كان السد بأكمله قد انهار.
وتنقل "نيويورك تايمز" عن مدير سابق في السد قوله: "لو انهار السد لكان الدمار لا يمكن تصوره.. كان عدد الضحايا كبير جداً".
وكي تكتمل فصول المفارقة التي لا تعفي أحداً من المسؤولية عما حصل، فإن الأمم المتحدة كانت حذرت في كانون الثاني 2017، من أن الهجمات التي تحصل وعمليات القصف يمكن أن تتسبب بانهيار السد والمجتمعات المحلية التي تمتد لأكثر من 100 ميل (160 كم) على جانبي النهر ستتعرض للغرق.
وتؤكد المصادر العسكرية أن التقرير أو التحذير الأممي أرسل قبل العملية بأسابيع لـ"الوحدة التاسعة"، وبدل احترامه قررت الوحدة ضرب السد، وباستخدام بعض أكبر القنابل التقليدية المتاحة.
وتكشف الصحيفة أن القيادة الأمريكية عندما شاهدت الصور التي نشرها تنظيم "داعش" للأضرار التي ألحقها القصف "أصيبت بالذهول"، وساد نوع من الغضب إزاء كيفية طلب تنفيذ ضربة كهذه من "الوحدة التاسعة" من دون المرور عبر التسلسل الهرمي للقيادة.
وحسب مسؤولين التقتهم الصحيفة، فإنه لم يتم اتخاذ أي إجراء تأديبي بحق الوحدة، بل واصلت ضرب الأهداف باستخدام مبررات الدفاع عن النفس ذاتها، التي استخدمتها في ضرب السد.
هذه هي أمريكا، على حقيقتها، بإعلامها، ومرتزقتها، وغطرستها، وإرهابييها، تاريخ حافل بالإجرام والتفلت من العقاب، فهي من قتلت 48 مليوناً من الهنود الحمر، وألقت قنابل نووية عام 1945 على هيروشيما وناغازاكي، وراح ضحيتها في يوم واحد 140 ألف شخص في هيروشيما، و40 ألفاً في ناغازاكي.
هي من قتلت في حرب فيتنام ما بين 1.5 إلى 3 ملايين شخص.
وهي من قتلت آلاف الصوماليين، والأفغانيين، واليمنيين، والعراقيين، وأشعلت نار الحرب الأهلية في اليونان وحاولت غزو كوبا.
وبعد، أمريكا هي من صنعت تنظيم "القاعدة" وجيله الثالث "داعش".. هذا التنظيم الاستخباراتي الإرهابي الذي تسبب بارتكاب أبشع المجازر بين قتل وتفجير وذبح الأبرياء ويتم استثماره اليوم في سورية والعراق، فهل بعد كل هذا من مبرر لسؤال جورج دبليو بوش لماذا يكره العالم أمريكا ويحاربها..؟