|
الأصدقاء البعثيون في سوريا تحية طيبة،
سبق أن رددت معكم طوال اثنتي عشرة سنة (هي مجموع سنوات دراستي الابتدائية والإعدادية والثانوية) أهداف حزبكم "العملاق" في الوحدة والحرية والاشتراكية من غير أن أعيها في حينها. كما كنت صادقا أثناء قولي بأني مستعد دائما لبناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد والدفاع عنه، كغيري من الرفاق "الطلائعيين" الصغار، نزولاً عند رغبتكم في تنشئتنا تنشئة بعثية قومية. وبافتراض أنكم باقون في قيادة الدولة والمجتمع إلى أن تشاءوا، ومن ثم إلى أن يشاء الباري، وباعتبار أنكم جعلتم البعث طريقـ"نا"، ليس لأنه كذلك بل لأنكم قضيتم على الخيارات والإمكانات الأخرى في سوريا فاني أبيح لنفسي حق هذه الدردشة.
حقيقة أصدقائي يحضرني تساؤل بريء ألا وهو كيف طاوعكم ضميركم الأخلاقي وحتى "البعثي" إن شئتم على تثقيل طفولتنا الغضة نحن التلامذة الصغار، آنذاك، بأهداف من عيار الوحدة وحجم الحرية والاشتراكية في سن كنا نحلم فيها بالحصول على لعبة في يوم العيد أو بارتداء ثوب جديد أكثر مما نفكر بالظفر بالوحدة، التي لم نكن نعني معناها ومبناها، أو بالحرية التي كان لكم شرف تحقيقها عكسيا بعد أن حققتها، أيضا عكسيا، وحدتنا مع عبد الناصر، أو حتى الاشتراكية التي تمثلت في عهدكم الميمون ترفا وقصورا واستغلالا ونهبا من قبل بعضكم، إلى درجة قال معها احد الإقطاعيين البارزين في الساحل السوري لأحد رموز العهد السابق: "لو كنا نعلم أن هذه هي الاشتراكية لكنا سبقناكم إليها".
حقا من ذاك الذي فوضكم أن ترهقوا طفولتنا وموانئ ذاكرتنا بالاستعداد الدائم لبناء المجتمع العربي "الاشتراكي الموحد" والدفاع عنه؟ ومع أننا كنا نستعد دائما لبناء ذلك المجتمع (أكرر نزولا عند رغبتكم) فإننا لم نظفر إلا بلباس "البالة". ورغم إننا عاصرنا زمنا كان فيه سعر صرف الدولار ثلاث ليرات سورية وأحيانا خمسا إلا أن "اشتراكيتكم" أبت إلا أن تقف دون إمكان أهلينا وذوينا بإسعادنا صباح يوم العيد. أما الآن وقد ثبت منذ سنوات سعر صرف الدولار على الخمسين ليرة سورية، وبفعل التضخم "الاشتراكي" أو الاقتصادي الذي تعانيه سوريا إضافة إلى عوامل عدة انتم أدرى بها، لا اعرف ما هو الحلم الذي ينتاب "طلائع بعث" اليوم وهم يرددون الاستعداد الدائم لبناء المجتمع العربي "الاشتراكي الموحد" والدفاع عنه.
أصدقائي البعثيين سبق أن نظمتموني طفلا (كغيري من آلاف وربما ملايين الأطفال السوريين) في منظمتكم المسماة "طلائع البعث" من غير أن تأخذوا رأيي أو حتى رأي أولي أمري، والأمر نفسه تكرر عندما جعلتموني عضوا في اتحاد شبيبة "ثورتكم". وبحكم آلية التنسيب الحزبي البعثي التي تعرفونها جيدا، تلك الآلية القائمة على ثقافَتَي الترغيب والترهيب، فضلا عن مخافة الطعن في وطنيتي صرت عضوا في حزبكم وبقيت فيه ردحا من الزمن. لا أنكر بأني قد آمنت وبكل جوارحي به وبأفكاره بعدما وعيت وملكت بعضا من أسباب المعرفة ووسائلها من غير أن أقف أمام التمايز الفاضح بين المشرق العربي ومغربه، لكن المفارقة الشاسعة التي كنت المسها بين النظرية (نظريتكم) والتطبيق (تطبيقكم) أمداني بأسباب طلب الفصل الإرادي وقوة التمرد. وهذه هي المرة الوحيدة التي شعرت فيها بأني أمارس حريتي منذ لحظة رعايتكم الكريمة لي في "منظمة طلائع البعث" وأنا طفل حتى لحظة انتسابي "الآلي" إلى الحزب.
لا شك في أن كلمة "اجتماع" التي كنت أسمعها ممن هم أكبر مني سنا كانت تفتنني وتحلّق بخيالي "الشبيبي" بعيدا إلى درجة كنت أعتقد معها أنهم في "الاجتماع" يفكون العالم والارتباط به ثم يعيدون تركيبه من جديد. ترى هل يحق لي الآن أن أخبركم ماذا كنا نفعل في الاجتماع الحزبي وما هي "القضايا" التي كان "يسمح" لنا طرحها على بساط البحث؟ حسنا سأخبركم: لقد كنا من بعد أن نفرغ من ترديد الشعار والأهداف بشفاهنا التي أوهنها الكبت، نتفرغ لتبادل النكات و"فصفصة البزر" فيما أمين الحلقة الحزبية يتلو على مسامعنا ما تيسر له من كلمات "جليدية" من كتيب صغير أمامه، علمت في ما بعد انه كان يحوي بعضا من أديبات البعث.
أما القضايا "المصيرية" التي كنا نناقشها في حلقتي الخاضعة لإحدى الفرق الحزبية في قضاء محافظة طرطوس فهي: قضية الكهرباء (لعل ذاكرة الكثير من السوريين ما زالت تحتفظ في طياتها بقصة انقطاع التيار الكهربائي لساعات جاوزت 15 في اليوم الواحد من عام ،1993 شخصيا اذكر أنه كان عندنا في المنزل أقارب من المهجر وقد عانوا ما عانوه من جراء انقطاع التيار الكهربائي، وطبعا حملوا صورة "حسنة" عن سوريا الحديثة). أما القضية "المصيرية" الثانية التي كنا نتجرأ على طرحها هي رداءة الخبز في مخبز البلدة. وبالانتقال إلى القضية الثالثة والتي كانت أكثر إلحاحا فهي مناشدتنا المسؤولين من الرفاق البعثيين العمل على تزويد مقسم منطقتنا بالهاتف الآلي بدلا من نصفه لا لكي ندخل العصر (إذ وقتذاك لم نكن نعرف معنى الدخول في العصر) بل فقط كي يرتاح المواطنون من مزاجية عاملة المقسم. وان اشتط هامش الحرية سمح لنا مناقشة قضية "مياه الشرب" وأسباب انقطاعها شبه الدائم.
ما ذكرته لكم أيها الأصدقاء كان في عام 1993 وكان قد مضى على مسيرة "الثورة" ثلاثون عاما وعلى عمر الحزب "العملاق" ما يزيد على الأربعين عاما. هذا وقد كان الحديث آنذاك عن الفساد والرشوة والأحكام العرفية والقمع والكبت... الخ ضربا من الخيال وربما الجنون وربما "الخيانة".
مهما يكن الأمر لقد حلت قضايانا "المصيرية" تلك تباعا إلى أن انتهت عام 2000 لكن للأمانة لم يكن حلها على أيدي البعثيين ولا بسبب من "اجتماعاتنا" و"نداءاتنا" فقضية الخبز الرديء حلت ببساطة لأن صاحب المخبز تعرض للإفلاس فاضطر لإغلاق مخبزه , وفيما يخص القضيتين الأخريين فحقيقة لا أجرؤ على ذكر كيفية حلهما مخافة الطعن في وطنيتي على الأقل.
بت الآن منقطعا قرابة عقد من الزمن عن حزب البعث مما يعني جهلي بطبيعة القضايا "المصيرية" التي يطرحها من آثر البقاء في صفوفه من "رفاق" الطفولة، لكني في زياراتي المتباعدة إلى القرية المس شكواهم وتذمرهم فضلاً عن أن حالة من الاشمئزاز قد اعترت بعض الكلاسيكيين من البعثيين القدامى جراء ما يجري من تعديل في أفكار حزبهم وبالتالي ذاكرتهم وأحلامهم التي عاشوا على أمل تحقيقها، وإن لم تكن أحلامهم تلك قائمة على أسس علمية أو واقعية. أما في ما يخص الجيل البعثي الجديد من الشباب فهو غير مبال ليس فقط بما يجري في حزبه من تغيير بل بما يجري في سوريا والمنطقة. إذ قصارى أمنية الشباب السوري اليوم وتماشياً مع الردة الأصولية أن يكون نصف "شيخ" كي يظفر بالآخرة ونصف متعلم كي يكون بمقدوره تأمين وظيفة تقيه شر العوز.
أصدقائي البعثيين لقد انتظرنا وعودكم طوال إحدى وأربعين سنة وشهدنا كما شهد الصادقون منا ومنكم كيف أمست حال البلد بفضل "عطاءاتكم" ونياتكم "الطيبة" وسمعنا كما سمع غيرنا عن عزمكم على إجراء تعديل في أدبيات حزبكم. وبصدق أرجو لكم التوفيق في مسعاكم هذا لكن جل ما ارجوه هو أن تخبرونا كم ستستهلكون من عمر سوريا ومن أعمارنا حتى تحققوا أهدافكم "النبيلة"، ودمتم.
(دمشق)
|