بلى... رجال العمائم هم الأكثر حضوراً
أُبيّ حسن
السفير- 2004/09/10
كنت أتمنى لو أن العقل الإسلامي، بوضعه الراهن على الأقل، قد ساهم في إنتاج بعض المعرفة التي تخولنا، بالحد الأدنى، امتلاك ذواتنا ثقافياً وحضارياً، وبالتالي إمكانية ذلك العقل من انتاج وسائل التكنولوجيا التي يبدعها بالنيابة عنا عقل الغرب <<الكافر>> ومن ضمنها عناصر الاتصال الحديثة كتلك (الإنترنت) التي استخدمها الباحث الإسلامي محمد أنور وردة في رده على مقالة الزميل شعبان عبود المعنونة ب<<رجال العمائم في سوريا أكثر حضوراً من المثقفين السوريين>> كي أنحاز إلى أتباع التيار الإسلامي ولو عاطفياً! رغم أن مقالة عبود المشار إليها لم تنتقص من قيمة مفتي سوريا الراحل الشيخ أحمد كفتارو (رحمه الله)، كما أنها لم تتطرق إلى صفاته الشخصية، بل لعلنا قد نشارك الباحث بأن <<مسيرة الشيخ كفتارو زرعت التلاحم الوطني والتقارب الديني والمذهبي>>. وحقيقة هذه مأثرة لشيخنا الجليل نفخر بها كعلمانيين، وهذا الأمر ليس غريباً عن الراحل فقد سبق له أن تضامن مع العلمانيين السوريين، بافتراض أنهم شريحة من شرائح المجتمع السوري، تحديداً مع البعث إبان الانتخابات النيابية أواسط خمسينيات القرن الماضي، إذ صوتت جماعة الشيخ كفتارو بإيعاز منه لصالح مرشح حزب البعث رياض المالكي ضد مصطفى السباعي مرشح الإخوان والمرشد العام لهم في سوريا سنتذاك. بكلمة أخرى، لن نختلف حول السيرة الحميدة للشيخ الراحل, لكن المسألة ليست مسألة شخصية أو حتى أخلاقا شخصية، هي ببساطة قضية أو ظاهرة (سمها ما شئت) قابلة للطرح والنقاش لدى الرأي العام ونخبه من زاوية <<الفكر>> الإسلامي المهيمن على حياة الشباب بحكم واقع لا أعتقد أن ثمة من يجهله، ولأسباب أيضاً ليس ثمة من يجهلها، ولئن كان لهذه الأسباب امتدادها التاريخي فقهياً وسياسيا.غير أن الباحث، لغاية في نفسه، وظف قراءته لمقالة عبود بطريقة يفهم منها أن للزميل عبود ثأراً شخصياً لدى مجمع <<أبو النور>>؛ مجمع <<الشيخ أحمد كفتارو>> حاليا، والقائمين عليه، وذلك من خلال قوله: <<ولقد مال بعض من قرأ المقال إلى اتهام الكاتب شعبان عبود بأنه مأجور أو عدو أو سفيه أو حاقد أو غير ذلك...>>.
السفير- 2004/09/10
كنت أتمنى لو أن العقل الإسلامي، بوضعه الراهن على الأقل، قد ساهم في إنتاج بعض المعرفة التي تخولنا، بالحد الأدنى، امتلاك ذواتنا ثقافياً وحضارياً، وبالتالي إمكانية ذلك العقل من انتاج وسائل التكنولوجيا التي يبدعها بالنيابة عنا عقل الغرب <<الكافر>> ومن ضمنها عناصر الاتصال الحديثة كتلك (الإنترنت) التي استخدمها الباحث الإسلامي محمد أنور وردة في رده على مقالة الزميل شعبان عبود المعنونة ب<<رجال العمائم في سوريا أكثر حضوراً من المثقفين السوريين>> كي أنحاز إلى أتباع التيار الإسلامي ولو عاطفياً! رغم أن مقالة عبود المشار إليها لم تنتقص من قيمة مفتي سوريا الراحل الشيخ أحمد كفتارو (رحمه الله)، كما أنها لم تتطرق إلى صفاته الشخصية، بل لعلنا قد نشارك الباحث بأن <<مسيرة الشيخ كفتارو زرعت التلاحم الوطني والتقارب الديني والمذهبي>>. وحقيقة هذه مأثرة لشيخنا الجليل نفخر بها كعلمانيين، وهذا الأمر ليس غريباً عن الراحل فقد سبق له أن تضامن مع العلمانيين السوريين، بافتراض أنهم شريحة من شرائح المجتمع السوري، تحديداً مع البعث إبان الانتخابات النيابية أواسط خمسينيات القرن الماضي، إذ صوتت جماعة الشيخ كفتارو بإيعاز منه لصالح مرشح حزب البعث رياض المالكي ضد مصطفى السباعي مرشح الإخوان والمرشد العام لهم في سوريا سنتذاك. بكلمة أخرى، لن نختلف حول السيرة الحميدة للشيخ الراحل, لكن المسألة ليست مسألة شخصية أو حتى أخلاقا شخصية، هي ببساطة قضية أو ظاهرة (سمها ما شئت) قابلة للطرح والنقاش لدى الرأي العام ونخبه من زاوية <<الفكر>> الإسلامي المهيمن على حياة الشباب بحكم واقع لا أعتقد أن ثمة من يجهله، ولأسباب أيضاً ليس ثمة من يجهلها، ولئن كان لهذه الأسباب امتدادها التاريخي فقهياً وسياسيا.غير أن الباحث، لغاية في نفسه، وظف قراءته لمقالة عبود بطريقة يفهم منها أن للزميل عبود ثأراً شخصياً لدى مجمع <<أبو النور>>؛ مجمع <<الشيخ أحمد كفتارو>> حاليا، والقائمين عليه، وذلك من خلال قوله: <<ولقد مال بعض من قرأ المقال إلى اتهام الكاتب شعبان عبود بأنه مأجور أو عدو أو سفيه أو حاقد أو غير ذلك...>>.
لا يعنيني إن كانت عبارات كهذه عادة ما يستخدمها أتباع الأيديولوجيات التي تعاني من فوات تاريخي على صعيد بناها الفكرية بسبب من رهانها على زمن ولى ومضى، ومن ضمنها، من دون شك، الأيديولوجيات الدينية الإسلامية التي تعيش على وهم الماضي من خلال استحضار التراث ثقافة وسلوكاً ورجالاً (الرجال من التراث حصراً) بغية تحويلهم إلى ميثيولوجيا وأساطير.
لكن الباحث وردة يدّعي أنه فضّل الاحتكام إلى الحوار الذي علّمه إياه المجمع لا إلى القضاء الذي دعا إليه البعض، ومع ذلك لم يتوان عن استخدام عبارات جارحة تأبى على البحث العلمي الجاد, إذ المفترض أن يترفع من تعلّم أصول الحوار عن التهكم والتجريح اللذين وقع فيهما <<باحثنا>>، مثل ذلك أثناء تساؤله عن مصادر معلومات الكاتب الأمنية كقوله: <<هل هو سكرتيرة هذا الضابط أو عشيقته أي الكاتب التي يبوح لها بأسراره تحت تأثير الشراب المسكر؟!>>، وعبارات أخرى يحار معها الشخص منا في ما إذا كان الباحث فعلاً قد اقتدى هنا بمجمع <<أبو النور>> الذي علّمهم الحوار كما ادعى أم تراه تأثر بأسلوب د. محمد سعيد رمضان البوطي وما ورد في بعض كتبه ك<<كبرى اليقينيات الكونية>> و<<عائشة أم المؤمنين>> وغيرهما من كتب مثقلة بكلمات وعبارات لا تليق بالمكانة التي يحتلها قائلها في مخيال ووعي أنصاره وتلامذته؟ أم ترى أعجب الباحث وهو ينفث سموم اتهامه الكاتب بما ليس فيه، وبما لا يليق بالباحث، بمقالات عميد كلية الشريعة (سابقاً) في جامعة دمشق (أعني د. البوطي مجدداً) الذي لم يمنعه <<علمه>> كما <<غزارة إنتاجه>> من اتهام المفكر الإسلامي محمد شحرور (عقب صدور كتابه <<الكتاب والقرآن>> 1991) بالعمل لحساب جمعية صهيونية مقرها النمسا وتشبيهه له مرة أخرى ب<<سلمان رشدي>>.
ومن نافل القول أن التشبيه هنا ليس بقصد المدح؛ أيضاً هذا لا يهم، لكن الباحث ذاته استنكر على عبود ما ذكره بخصوص الجمود والتحجر... والتشدد في طريقة ارتداء الحجاب الذي فرضه بعض طلبة المجمع على زوجاتهن، محاولاً بجهد شديد الدفاع، وهذا حقه. لكن أليس المجمع ذاته، أسوة بغيره من المعاهد والكليات التي تدرّس الشريعة، يدرّس طلبته ويغذيهم بكتب الفقه التراثي وما جاء فيها من <<علوم>> هي نتاج القرون الوسطى وما قبلها. هل ثمة حاجة للتذكير بما يورده <<حجة>> الإسلام أبي حامد الغزالي (450¬505ه) أن <<للمرأة عشر عورات، فإذا تزوجت ستر الزوج عورة واحدة، فإذا ماتت ستر القبر العشر عورات>>.
لست معنياً في ما إذا كان ما أثاره الزميل عبود من تشدد في الحجاب ينطبق على مجمع <<أبو النور>> أو سواه من معاهد الشريعة أم لا (مع معرفتي بأنه ينطبق على بعض شرائح المجتمع السوري وغير السوري)، فالحجاب، من وجهة نظر شخصية، زي كغيره من الأزياء ويبقى في حدود المسائل الشخصية للمعني به، لكن القضية أبعد من ذلك بكثير, إذ هي حجاب عقل وتغييب لآليات وطرائق تفكير، ولنا في الإمام الغزالي أيضاً خير مثال إذ هو القائل في كتابه ذي الأجزاء المتعددة <<إحياء علوم الدين>>: <<والقول الجامع في آداب المرأة من غير تطويل أن تكون قاعدة في عقر بيتها لازمة لمغزلها، لا يكثر صعودها واطلاعها... فإذا خرجت من بيتها بإذنه فمتخفية في هيئة رثة، تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق، محترزة من أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها، لا تتعرف إلى صديق بعلها في حاجاتها، بل تتنكر على من تظن أنه يعرفها أو تعرفه...>>، إلى أن تكون قدوة النساء عند حجة الإسلام الإمام الغزالي هي من <<إذا تزوّج عليها ثلاثاً أطعمته الطيبات وقالت له: اذهب بنشاطك وقوتك إلى أزواجك>>. أما ما جاء عنده في ما يخصّ الرجل في هذا الجانب فمختلف تماماً ولسنا في وارد التطرق إليه.
ترى ما هي العلوم والمعارف المبتكرة والجديدة التي تقدمها هذه المعاهد إلى طلبتها سوى استحلابها لما أتى به التراثيون من خلال عملية استنساخ دؤوبة وشبه دائمة، ومن يخرج عن دائرة هذا الاستنساخ يجد من ينعته ب<<سلمان رشدي جديد>> أو ربما يلقى من يتهمه بالبدعة، وربما بالردة. ولمَ العجب أليس د. البوطي ذاته يعتبر كل من لا يؤمن بالجن والمعجزات و... مرتداً كما يذكر د. عبد الرزاق عيد في كتابه الأخير!! هنا سيخطر ببالي أن أسأل الباحث عن ماهية الإنجازات العظيمة التي قدمتها للمجتمع تلك <<العمائم البيضاء التي تزهو في مساجد سورية كالنجوم اللامعة>> حسب تعبيره، ترى هل ساهمت في إنتاج عقول جدلية تنتقد التاريخ، تاريخها، كي تعي الواقع لتتمكن من استشفاف المستقبل، على الأقل مستقبلها هي على خارطة الفكر العالمي المابعد حداثوي!؟ أم هل تقوم بدراسة وتدريس علم الأديان المقارن وهو واجب علمي وأخلاقي كما هو حق طلبتها عليها؟ هذا على الصعيد الفكري الآني، أما على صعيد الهمّ المعاشي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي السوري، فهل سبق لهذه <<النجوم اللامعة>> أن طالبت المعنيين بالأمر في سوريا، رغم العلاقات الجيدة لبعضها مع السلطة، بتخفيض ضريبة خدمة الخلوي، وربما احتكاره، في خطب الجمعة (المكرورة) رأفة بأبناء مجتمعهم المنتمين بغالبيتهم إلى الطبقات الدنيا، على سبيل المثال؟ أو هل سبق لأحد أولئك الذين يقصدهم باحثنا أن تحدث عن النسبة المروعة للبطالة في صفوف الشباب (نسبة البطالة في سوريا تقرب المليون شخص حسب ما سبق وذكرت صحيفة <<تشرين>> الرسمية)؟ أو هل كلّف أحدهم نفسه، ولو لمرة واحدة، وأشار في خطبة الجمعة إلى الفساد الذي ينخر معظم مؤسسات الدولة بدلا من إضاعته الوقت بالحديث عن الماضي الذي لا يغيب عن عقولهم، وهدره في تلاوة خطبة لا طائل من ورائها سوى تعبئة العقول وشحنها بميثيولوجيا لا تمت إلى واقع اليوم بصلة.
أفدت علماً من خلال طلب رسمي سبق أن قدمته إلى مديرية أوقاف دمشق، أن عدد المساجد في دمشق، دون ضواحيها، ستمئة مسجد (معلومات أمنية تخفض العدد إلى حوالى النصف)، ثلث ذلك العدد تم بناؤه في السنوات الخمسين الأخيرة، علماً بأن بعض المساجد تصل تكلفة بنائها إلى الستين مليون ليرة سورية مع إكسائها وزينتها حسب المصدر ذاته. قطعاً ليس من حقي، أو حق غيري، معارضة عدد هذه المساجد أو إنشائها بأي شكل من الأشكال، على الأقل من حيث المبدأ الأخلاقي والديني، رغم معرفتي بأنها لا تقوم بتخريج فلاسفة إسلاميين كالكندي وابن سينا، مثلا، ولا بإنجاب علماء من طراز الشيخ جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، لكن هل يعقل أن في <<حي تشرين>> أحد الأحياء الموجودة في أحزمة البؤس التي تطوق العاصمة، والذي يزيد عدد ساكنيه على الخمسين ألف بشري، يبنى مسجد رابع، ولا توجد في الحي حتى الآن مدرسة ابتدائية أو روضة رسمية للأطفال!؟ والرسول الأعظم (ص) حضنا على العلم وطلبه في أكثر من حديث نبوي شريف؟! ترى لماذا لا يطالب رجال الدين ببناء مدرسة في الحي المذكور. وإن لم يكن بمقدورهم هذا فلماذا لا ينشطون بجمع التبرعات لبناء مدرسة كنشاطهم في جمعها لبناء جامع مع معرفتنا بأن بإمكان أي منا الصلاة في المنزل أو في العراء لكن ليس بمقدور أحد الاكتفاء بالدراسة في المنزل أو المسجد، اللهم إلا إذا اعتبرنا أن علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات والطب... الخ، بدع (وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)، وأن العلم الحقيقي الوحيد هو علم الفقه كما قال أحد مرتدي تلك العمائم ذات مرة! بالعودة إلى بعض ما تطرق إليه الباحث نلاحظ أنه كثيراً ما كان يتلطى خلف السلطة السياسية القائمة، كأنه بذلك يؤكد لنا التحالف التاريخي بين الدين والسياسة.
ترى هل أراد من تأكيد حضور النظام السوري في مقالته استثمار العلاقة المتميزة والمتبادلة بين بعض التيار الديني والسلطة التي لها اعتباراتها وحساباتها وظروفها الموضوعية، كفزاعة يبرزها في وجه كل من تسوله نفسه الاقتراب من المؤسسات الدينية وسدنتها أو حتى الفكر الديني تحت طائلة المسؤولية؟! أم تراه أراد استغلال وضع المثقفين السوريين من يساريين وعلمانيين، وهم ليسوا بطبيعة الحال في وضع مريح بحكم المناخ السائد، ليستقوي عليهم ويجرّح بهم وبمعارضتهم للوضع المتردي على أكثر من صعيد، ليؤكد ويجدد ولاءه لجهة هي بالأساس لا تشك في ولائه؟! أعود وأعطف مؤكداً ما سبق وقاله الزميل شعبان عبود بأن رجال العمائم في سوريا أكثر حضوراً من المثقفين السوريين الذين هم، بالاحتكام إلى الواقع، أول من طالب ويطالب السلطة بالإصلاحات وإلغاء قانون الطوارئ وإطلاق سراح أسرى الرأي وإصدار بيانات تنطوي في معظمها لما فيه خير الوطن والمواطن، وهم من يسعى الى إدخال سوريا إلى رحاب القرن الحادي والعشرين، على نقيض رجال العمائم الذين وقف الزمن لدى غالبيتهم على تخوم القرن الرابع الهجري. هذا على الأقل ما يتبين لنا من خطب الجمعة التي تنقلها لنا مكبرات الصوت التي لا تزال، إلى حد ما، حكراً لهم.
ملاحظة لا بد منها: لم تسنح لي الظروف بقراءة رد الباحث الإسلامي محمد أنور وردة إلا مؤخرا، فضلاً عن أن أسباباً صحية أخرتني عن الكتابة، ومن ثم أتت وفاة الشيخ الجليل أحمد كفتارو، وقد كادت تجعلني أعدل عن الرد نهائيا، لكن ما شجعني على الإقدام في ما كتبت هو إيماني بأن فقيدنا الراحل الشيخ كفتارو كان من المؤمنين بالحوار قولاً وفعلا.
كاتب سوري