من سمح لمحمد الماغوط أن يقتل محمد الماغوط؟
بمناسبة منحه جائزة سلطان العويس
دمشق ـ أُبيّ حسن
بكثير من الدفء مازلت أتذكر ذلك اليوم الذي توجهت فيه إلى مقهى الشام بغية التعرف على محمد الماغوط...
منذ قرابة العشر سنوات دخلت المقهى لأسأل عنه للمرة الأولى، وكانت تتراءى في الذهن صور "غربة" و"ضيعة تشرين" و"كاسك يا وطن" والقليل من "العصفور الأحدب"، والكثير من "المهرج" الذي سيطر على وعيي واحتل جزءا كبيرا من ذاكرتي في ما أنا أصافحه.
صافحني الماغوط ببرودة صفعتني، في الصوت وفي الاستقبال. ومن دون مقدمات أو توابل أثناء الترحيب قال لي وهو يمج دخان لفافته التي كما بدا أنها خير أنيس له في صخب ضجيج صمته وانطوائه: "مشغول، عم اكتب مسرحية، لا تلهيني". بفضول أسأله: "ما اسمها؟"، يجيب: "أضع العنوان في نهاية المسرحية". أزيد من فضولي: "من سيمثلها"، يجيبني بقليل من الصبر: "محمود جبر".
كانت تلك المسرحية هي "خارج السرب"، التي مثلها وأخرجها الممثل المعروف جهاد سعد، وفعلاً كان من المفترض أن يخرجها محمود جبر غير أن الاتفاق النهائي لم يكن في صالحه.
تتالت لقاءاتي الودية بـ"فارس الشاعرة" التي ترجلت مبكراً عن فرسها تاركة خلفها الماغوط نهباً لجنون الريح ولأرصفة دمشق التي لم تتعب من وقع قدميه وطرق عصاه، وأيضاً تركته لامتحان كان صعباً عليه، ألا وهو امتحان الأصدقاء الذين خلّف غدر بعضهم بصمته الواضحة في أعماقه المثقلة أصلاً بسحابات من هموم الوطن الذي متح الماغوط الكثير منها، لينسج رداءه المسرحي من تلك المآسي والأوجاع، إلى درجة تماهت معها أوجاع الاثنين، فغدا من الصعب الفصل بين الوجعين.
في البدايات حاولت جاهداً أن أفلح في فهم سر انطوائه وانكفائه إلى أن صرت أرى أنهما يشكلان حالة خاصة في حياته، ربما تصل حد القداسة، نظراً لتماهيهما بشخصيته المتفردة في كل شيء في زمن طغت فيه موضة "النعجة دوللي". كالعادة لم أتمكن في البدايات من دخول فردوس مملكته، التي حالت أسوار صمته وعزلته بيني وبينها. وعلى الرغم من هذه الإنطوائية، التي كنت أحسب أنها رهن بحضوري (الذي ربما كان ثقيلاً معظم الأحيان)، وعدم رغبته في الأخذ والرد معي، إلا أني لم أتوان عن طرق بابه طالباً العون عندما ألحت الحاجة بأنيابها عليّ حائلة بيني وبين مستقبلي. فلبّى النداء وساعدني بالقدر الذي أسعفه به مزاجه الذي يجمع الفصول الأربعة في آن واحد، وبالقدر الذي كان فيه مخلصاً لفنه (لن أستفيض في هذا الجانب كي لا أفسد حرمة المعروف، الذي قد أكون ملزماً بالكتابة عنه في غير مقام نظراً للأثر الكبير الذي تركه نبل الماغوط في أعماقي).
بعد أن أدركت بعضاً من أسباب مزاجه (أو هكذا توهمت)، صرت أقدس (طوعاً) كهوف العزلة التي ولجها مخبئاً على رفوف عتمتها، بعيداً عن أعين المخابرات وعن "ضمائر" محترفي سرقة أفكاره وأوجاعه، الكثير من ألمه وقهره وغضبه وعدم رضاه عما آل إليه الحال، أي حال.
ليس ثمة جديد في القول أن الماغوط كان مغموساً حتى العظم في مآسي العالم العربي، محاولاً فهم سرّ كل هذا التخلف الذي "ينعم" به الشرق، من خلال لغته اللاذعة في سخريتها، والتي كان لها الفضل الأكبر في ولادة مسرح جديد عرفته سوريا والعالم العربي طوال عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. ذلك المسرح الذي يكفينا القول إنه مسرح الماغوط حتى يعرف المتلقي ماذا نعني. وليس سراً القول إن الماغوط أنجب مسرحه دون الاستعانة بقابلة "قانونية" عدّتها "عقد" النظريات وتنظيرات النقّاد (قبل التجربة لا بعدها، في الحد الأدنى)، وبهذا المعنى كان محمد الماغوط القادم من حيث الشرق المقفر من كل شيء سوى الفقر والفكر وسحابات الصيف وليالي السهر والحب، مع مسرحه شاهداً ومعبّراً عن مرحلة من مراحل تاريخنا المثقل بالخيبات والهزائم.
يقول الراحل سعد الله ونوس في "بيانات لمسرح عربي جديد": "من يدرس، ويتتبع بعناية أخبار الرواد الأوائل في المسرح العربي بين أواخر القرن التاسع وبداية القرن العشرين، يدهشه دون ريب حسّهم العميق بالجمهور، وجرأتهم على وضع الحلول لما كان يعترض تجربتهم الوليدة. حلول لم تكن نابعة من تأمل نظري متعال بقدر ماهي انعكاس لارتباطهم الوثيق بالجمهور، وتفاعلهم اليومي معه"... كأن سعد الله ونوس كان يتنبأ بمسرح سيكون صانعه الماغوط الذي ينطبق عليه الرأي السابق الذكر أكثر من أي مسرحي آخر أنجبته سوريا. وكأننا بالماغوط، بحسّه الفطري، أدرك أن أهمية المسرحية تكمن بمدى التصاقها بالبيئة (بمعنييها السياسي والاجتماعي الواسعين والمتماهيين مع الجمهور)، لذلك نجده نسج خيوط جلّ مسرحياته من تلك البيئة التي عايشها وعايشته، وعاركها وعاركته، حتى أنهكته.
دون ملل كنت أستمع مرارا إلى "غربة" و "ضيعة تشرين" و"كاسك يا وطن" على أشرطة الكاسيت. فقد كانت بداية معرفتي بالمسرح على وقع سطوة "البك" وطغيانه الذي يذكرنا بالأمس الهارب واليوم المليء باللا أمل و(ربما) بالغد ذي الرحم الذي لن يعرف الرحمة كما في "غربة". وعلى أجراس انكسارات الأحلام التي "خفف" عقله وحلم بها الماغوط في "كاسك يا وطن" قرأنا الواقع الذي عشناه، إلى أن بتنا نخشى من الحلم في مساحة أضيق من السجن اسمها الوطن. فرضينا بـ"الكاس" وسامحنا الغير مرغمين بـ"الوطن"، اللهم لالشيء، سوى خشية أن نكون نحن كفناً ـ لا الغير ـ لأحلامنا... تماماً كما دفنت "أحلام" الماغوط في "كاسك يا وطن" والمسرحية لم تنته بعد(؟!). فالأحلام تموت ليس حباً بالموت، وليس لأن متطلبات النص المسرحي فرضت ذلك، لا، إن لموت أحلام (في "كاسك يا وطن") وقعاً أبعد من ذلك بكثير. إن لها صوت النبوءة على أفول العرب كأمة وكذات مهزومة، قبل أفولهم كحضارة نجدها في المتاحف والكتب الصفراء وعلى شرفات التاريخ.
بهذا الزاد المعرفي البدائي أشعر أنني شخصياً ممتن للماغوط بالكثير. ففضلاً عن أني عرفت المسرح على يديه، كذلك كان هو من أوائل من قرأوا لي نصا أبدى إعجابه به لا لجودته إنما كي لا يحبطني (والعلم عند الله)، ووافق عليه إبان وجوده عضوا في لجنة قراءة النصوص في مديرية المسارح والموسيقى منذ قرابة التسع سنوات.
ولئن كان الماغوط المعبّر الرئيس والأول (مسرحياً طبعاً) عن ضمير جيلين من العرب، وعما كان يعتمل في نفوس الجماهير على صعيد الهمين الوطني والسياسي في فترة من الفترات، إلا ان من الإجحاف بحقه الادعاء أن نصوصه المسرحية على سوية واحدة، أو أن مسرحه يضاهي شعره أو نثره، ولهذا الجانب من الحديث مكان آخر.
منحت مؤسسة سلطان العويس جائزتها السنوية لهذا العام إلى الشاعر والأديب محمد الماغوط، تقديراً منها لجهوده الإبداعية والأدبية. وبهذه المناسبة اقترح عليّ أحد الأصدقاء إجراء حوار معه، عسانا بذلك نشارك في تكريمه على طريقتنا وفي حدود إمكاناتنا المتواضعة والخجولة. هاتفت الماغوط ثاني يوم (وأنا أدرك حالته النفسية)، فوعدني خيراً.. هاتفته ثاني يوم، فقبل زيارتي لكن دون حوار.. وفي ثالث يوم هاتفته فيه كي اعلمه بقدومي سألني ببراءة طفل: "من انت؟ شو بدك مني؟ انت بتعرفني شي؟". عندئذ أغلقت سماعة الهاتف وصرت أفكر مجدداً بعزلة الماغوط التي غدا لها لون وطعم ورائحة بامتياز، إذ صارت كثافتها في الأفق تقف حائلة بين صاحبها والحياة (أو ما تبقى منها)، وصرت أردد في نفسي ما سبق أن قاله له ذات مرة الأديب وليد إخلاصي معاتباً: "من ذاك الذي سمح لمحمد الماغوط أن يقتل محمد الماغوط المبدع والفنان؟".. نعم محمد الماغوط، من سمح لك أن تقتل محمد الماغوط؟
المستقبل - الاحد 19 شباط 2006 - العدد 2185 - - صفحة 13
دمشق ـ أُبيّ حسن
بكثير من الدفء مازلت أتذكر ذلك اليوم الذي توجهت فيه إلى مقهى الشام بغية التعرف على محمد الماغوط...
منذ قرابة العشر سنوات دخلت المقهى لأسأل عنه للمرة الأولى، وكانت تتراءى في الذهن صور "غربة" و"ضيعة تشرين" و"كاسك يا وطن" والقليل من "العصفور الأحدب"، والكثير من "المهرج" الذي سيطر على وعيي واحتل جزءا كبيرا من ذاكرتي في ما أنا أصافحه.
صافحني الماغوط ببرودة صفعتني، في الصوت وفي الاستقبال. ومن دون مقدمات أو توابل أثناء الترحيب قال لي وهو يمج دخان لفافته التي كما بدا أنها خير أنيس له في صخب ضجيج صمته وانطوائه: "مشغول، عم اكتب مسرحية، لا تلهيني". بفضول أسأله: "ما اسمها؟"، يجيب: "أضع العنوان في نهاية المسرحية". أزيد من فضولي: "من سيمثلها"، يجيبني بقليل من الصبر: "محمود جبر".
كانت تلك المسرحية هي "خارج السرب"، التي مثلها وأخرجها الممثل المعروف جهاد سعد، وفعلاً كان من المفترض أن يخرجها محمود جبر غير أن الاتفاق النهائي لم يكن في صالحه.
تتالت لقاءاتي الودية بـ"فارس الشاعرة" التي ترجلت مبكراً عن فرسها تاركة خلفها الماغوط نهباً لجنون الريح ولأرصفة دمشق التي لم تتعب من وقع قدميه وطرق عصاه، وأيضاً تركته لامتحان كان صعباً عليه، ألا وهو امتحان الأصدقاء الذين خلّف غدر بعضهم بصمته الواضحة في أعماقه المثقلة أصلاً بسحابات من هموم الوطن الذي متح الماغوط الكثير منها، لينسج رداءه المسرحي من تلك المآسي والأوجاع، إلى درجة تماهت معها أوجاع الاثنين، فغدا من الصعب الفصل بين الوجعين.
في البدايات حاولت جاهداً أن أفلح في فهم سر انطوائه وانكفائه إلى أن صرت أرى أنهما يشكلان حالة خاصة في حياته، ربما تصل حد القداسة، نظراً لتماهيهما بشخصيته المتفردة في كل شيء في زمن طغت فيه موضة "النعجة دوللي". كالعادة لم أتمكن في البدايات من دخول فردوس مملكته، التي حالت أسوار صمته وعزلته بيني وبينها. وعلى الرغم من هذه الإنطوائية، التي كنت أحسب أنها رهن بحضوري (الذي ربما كان ثقيلاً معظم الأحيان)، وعدم رغبته في الأخذ والرد معي، إلا أني لم أتوان عن طرق بابه طالباً العون عندما ألحت الحاجة بأنيابها عليّ حائلة بيني وبين مستقبلي. فلبّى النداء وساعدني بالقدر الذي أسعفه به مزاجه الذي يجمع الفصول الأربعة في آن واحد، وبالقدر الذي كان فيه مخلصاً لفنه (لن أستفيض في هذا الجانب كي لا أفسد حرمة المعروف، الذي قد أكون ملزماً بالكتابة عنه في غير مقام نظراً للأثر الكبير الذي تركه نبل الماغوط في أعماقي).
بعد أن أدركت بعضاً من أسباب مزاجه (أو هكذا توهمت)، صرت أقدس (طوعاً) كهوف العزلة التي ولجها مخبئاً على رفوف عتمتها، بعيداً عن أعين المخابرات وعن "ضمائر" محترفي سرقة أفكاره وأوجاعه، الكثير من ألمه وقهره وغضبه وعدم رضاه عما آل إليه الحال، أي حال.
ليس ثمة جديد في القول أن الماغوط كان مغموساً حتى العظم في مآسي العالم العربي، محاولاً فهم سرّ كل هذا التخلف الذي "ينعم" به الشرق، من خلال لغته اللاذعة في سخريتها، والتي كان لها الفضل الأكبر في ولادة مسرح جديد عرفته سوريا والعالم العربي طوال عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. ذلك المسرح الذي يكفينا القول إنه مسرح الماغوط حتى يعرف المتلقي ماذا نعني. وليس سراً القول إن الماغوط أنجب مسرحه دون الاستعانة بقابلة "قانونية" عدّتها "عقد" النظريات وتنظيرات النقّاد (قبل التجربة لا بعدها، في الحد الأدنى)، وبهذا المعنى كان محمد الماغوط القادم من حيث الشرق المقفر من كل شيء سوى الفقر والفكر وسحابات الصيف وليالي السهر والحب، مع مسرحه شاهداً ومعبّراً عن مرحلة من مراحل تاريخنا المثقل بالخيبات والهزائم.
يقول الراحل سعد الله ونوس في "بيانات لمسرح عربي جديد": "من يدرس، ويتتبع بعناية أخبار الرواد الأوائل في المسرح العربي بين أواخر القرن التاسع وبداية القرن العشرين، يدهشه دون ريب حسّهم العميق بالجمهور، وجرأتهم على وضع الحلول لما كان يعترض تجربتهم الوليدة. حلول لم تكن نابعة من تأمل نظري متعال بقدر ماهي انعكاس لارتباطهم الوثيق بالجمهور، وتفاعلهم اليومي معه"... كأن سعد الله ونوس كان يتنبأ بمسرح سيكون صانعه الماغوط الذي ينطبق عليه الرأي السابق الذكر أكثر من أي مسرحي آخر أنجبته سوريا. وكأننا بالماغوط، بحسّه الفطري، أدرك أن أهمية المسرحية تكمن بمدى التصاقها بالبيئة (بمعنييها السياسي والاجتماعي الواسعين والمتماهيين مع الجمهور)، لذلك نجده نسج خيوط جلّ مسرحياته من تلك البيئة التي عايشها وعايشته، وعاركها وعاركته، حتى أنهكته.
دون ملل كنت أستمع مرارا إلى "غربة" و "ضيعة تشرين" و"كاسك يا وطن" على أشرطة الكاسيت. فقد كانت بداية معرفتي بالمسرح على وقع سطوة "البك" وطغيانه الذي يذكرنا بالأمس الهارب واليوم المليء باللا أمل و(ربما) بالغد ذي الرحم الذي لن يعرف الرحمة كما في "غربة". وعلى أجراس انكسارات الأحلام التي "خفف" عقله وحلم بها الماغوط في "كاسك يا وطن" قرأنا الواقع الذي عشناه، إلى أن بتنا نخشى من الحلم في مساحة أضيق من السجن اسمها الوطن. فرضينا بـ"الكاس" وسامحنا الغير مرغمين بـ"الوطن"، اللهم لالشيء، سوى خشية أن نكون نحن كفناً ـ لا الغير ـ لأحلامنا... تماماً كما دفنت "أحلام" الماغوط في "كاسك يا وطن" والمسرحية لم تنته بعد(؟!). فالأحلام تموت ليس حباً بالموت، وليس لأن متطلبات النص المسرحي فرضت ذلك، لا، إن لموت أحلام (في "كاسك يا وطن") وقعاً أبعد من ذلك بكثير. إن لها صوت النبوءة على أفول العرب كأمة وكذات مهزومة، قبل أفولهم كحضارة نجدها في المتاحف والكتب الصفراء وعلى شرفات التاريخ.
بهذا الزاد المعرفي البدائي أشعر أنني شخصياً ممتن للماغوط بالكثير. ففضلاً عن أني عرفت المسرح على يديه، كذلك كان هو من أوائل من قرأوا لي نصا أبدى إعجابه به لا لجودته إنما كي لا يحبطني (والعلم عند الله)، ووافق عليه إبان وجوده عضوا في لجنة قراءة النصوص في مديرية المسارح والموسيقى منذ قرابة التسع سنوات.
ولئن كان الماغوط المعبّر الرئيس والأول (مسرحياً طبعاً) عن ضمير جيلين من العرب، وعما كان يعتمل في نفوس الجماهير على صعيد الهمين الوطني والسياسي في فترة من الفترات، إلا ان من الإجحاف بحقه الادعاء أن نصوصه المسرحية على سوية واحدة، أو أن مسرحه يضاهي شعره أو نثره، ولهذا الجانب من الحديث مكان آخر.
منحت مؤسسة سلطان العويس جائزتها السنوية لهذا العام إلى الشاعر والأديب محمد الماغوط، تقديراً منها لجهوده الإبداعية والأدبية. وبهذه المناسبة اقترح عليّ أحد الأصدقاء إجراء حوار معه، عسانا بذلك نشارك في تكريمه على طريقتنا وفي حدود إمكاناتنا المتواضعة والخجولة. هاتفت الماغوط ثاني يوم (وأنا أدرك حالته النفسية)، فوعدني خيراً.. هاتفته ثاني يوم، فقبل زيارتي لكن دون حوار.. وفي ثالث يوم هاتفته فيه كي اعلمه بقدومي سألني ببراءة طفل: "من انت؟ شو بدك مني؟ انت بتعرفني شي؟". عندئذ أغلقت سماعة الهاتف وصرت أفكر مجدداً بعزلة الماغوط التي غدا لها لون وطعم ورائحة بامتياز، إذ صارت كثافتها في الأفق تقف حائلة بين صاحبها والحياة (أو ما تبقى منها)، وصرت أردد في نفسي ما سبق أن قاله له ذات مرة الأديب وليد إخلاصي معاتباً: "من ذاك الذي سمح لمحمد الماغوط أن يقتل محمد الماغوط المبدع والفنان؟".. نعم محمد الماغوط، من سمح لك أن تقتل محمد الماغوط؟
المستقبل - الاحد 19 شباط 2006 - العدد 2185 - - صفحة 13