نبيل صالح.. ما أصعب أن أكون محباً لسوريّا
أُبيّ حسن- دمشق
نعم ما أصعب أن أكون سورياً بالمعنى الذي يريده الصديق الكاتب نبيل صالح الذي يرتأي: "إن من يحب سوريا، يجب عليه أن يحب سبعة عشر مليون سوري"، كما جاء في كتابه الصادر حديثاً بعنوان "شغب" وكما قال على مسمعي ذات مرة.
مذ أن كتب نبيل جملته تلك وأنا أتساءل أسئلة بقدر ماهي افتراضية هي مشروعة: بدايةً ما المقصود بسوريا حتى قرنها صديقنا بالملايين السبعة عشر؟ من ثمّ هل تكوّنت سوريا تكويناً نهائياً وأبدياً سواء من وجهة نظر بعض أبنائها (أعني بعض غلاة البعثيين والقوميين) أم من وجهة نظر النظام الحاكم المفترض أنه لا يؤمن بالقطرية؟!
نبيل صالح، مرة أخرى: ماذا تقصد بسوريا؟ هل هي سوريا الطبيعية بما فيها الجزيرة العليا ولواء اسكندرون والأردن ولبنان وفلسطين؟ أم هي سوريا بحدودها الجغرافية الكائنة الآن مع الجولان دون اللواء (المنسي)؟ وفي حال كان المقصود الرأي الثاني، ترى ألا يحق لنا أن نعلن من وجهة نظر قومية سورية اجتماعية (نسبة إلى حزبها): إن من يحب سوريا يجب عليه أن يحب أكثر من أربعين مليون سوري (إذا ما أخذنا عدد سكان لبنان والأردن وفلسطين ولواء اسكندرون مع الجزيرة العليا، ولن ننسى قبرص!). لكن هنا قد يأتينا احد الأصدقاء البعثيين أو الناصريين، ليعلن أن من يحب سوريا يجب عليه محبة ثلاثمئة مليون عربي! انطلاقاً من كون سوريا هي مولد البعث فضلاً عن أنها قلب العروبة النابض(؟!). ولن نستغرب والحال هذه أن يصاب الإخوان المسلمون بالعدوى والغيرة، فيعلنون: إن من يحب سوريا، فعليه أن يحب مليار مسلم! ولان "ماحدا أحسن من حدا"، سيحق عندئذ للشيوعيين أن يقولوا: إن من يحب سوريا تجب عليه محبة العالم أجمع، فقلب الشيوعي يتسع لجميع البشر عدا الرأسمالية والإمبريالية.. ليتني كنت السيد المسيح ليتسع قلبي لمحبة الجميع!
خارج تلك الأطر والافتراضات سابقة الذكر، وبالعودة إلى محبة سوريا كما يراها نبيل، اكرر ما أصعب أن تكون (أو أكون) محباً لسوريا. دون أدنى شك لا تنطوي وجهة نظر صديقنا على إنسانية قدر ما تنطوي على تعجيز إنساني، فهو لم يستثن من عدد سكان سوريا ولو مئتي شخص! لم يستثن المجرمين ومهربي الحشيشة والمخدرات ولا حتى المتاجرين بالوطن والإنسان على حد سواء! حتى انه لم يعف المواطن البسيط من محبة جلاده وناهب رزقه ورزق عياله أياً كان ذلك الجلاد. لا اعتقد أن نبيل صالح يظن أن الناس في بلادنا ـ كما في غيرها من بلاد الله ـ جميعهم على شاكلة الأم تيريزا.
من ثم ماذا يا نبيل لو تكالب الغرب على بلادنا كما فعل غير مرة في وعد بلفور وسايكس بيكو وسان ريمو الخ... وارتأى أن يقسمها ـ لاقدر الله ـ إلى دويلات وطوائف. آنئذ كيف سأوزع محبتي لسوريا؟ وهل المطلوب مني حينها أن أحب هذه الدويلة أكثر من تلك؟ أم تراني أميل بمشاعري وعواطفي إلى هذه الفئة المجتمعية دون سواها كي أثبت محبتي لسوريا؟ لاشك انه سؤال يدعو للاشمئزاز، لكنه مشروع طالما أنه يبقى في حدود الأسئلة الافتراضية. من ثم هل سوريا جغرافيا سياسية فقط، كي تكون محبتي لها محكومة بحدود سياسية قابلة للتغيير ما دام هناك قوي وضعيف في عالم محكوم بشريعة الغاب؟ ماذا عن سوريا الإنسان المكافح والنبيل والشريف؟ ماذا عن سوريا التي كانت تشع بنورها على الآخرين؟ وماذا عن سوريا الصحافة التي كانت؟ والسياسة التي كانت؟ والمثقف الذي كان؟
لا أبالغ، كما لا أخشى عتب أحد، إذا قلت: إن لديّ المقدرة على محبة سوريا الأربعينات بصحافتها وسياستها ومناخها الثقافي وبملايينها الأربعة أكثر من استطاعتي محبة سوريا راهناً مهما بلغ عديدها وملايينها! إذ، وببساطة، كيف باستطاعتي محبة فئة من أبناء قريتي الصغيرة (المتجانسة لوناً وعرقاً ولساناً وديناً) الذين يمتهنون أذى الآخرين، وقد أصابتني سهام أذاهم أكثر من مرة!؟ نعم كيف تريدني أن أحب هذه الفئة وأمثالها من البشر التي اتقنت فن إيذاء الإنسان، وربما كان حبّ الأذى هو سرّ وجودها ومبرّره؟
من ثمّ ألا تعفيني يانبيل من محبة عبد القادر قدورة وعماد فوزي الشعيبي (فقط لاغير) كي أستحق شرف محبة سوريا؟
كثيراً ما تساءلت ما الذي دفع بالصحفي النبيل الذي لا أشك لا بسوريته ولا إنسانيته الطاغية، ولا بمحبته لبني جنسه بمعزل عن لون أو عرق، إلى تحديده محبة سوريا بعدد سكانها (دعونا نتغافل عن الولادات الجديدة والزيادة التي تطرأ على عدد السكان)، ما يعني أن رؤية نبيل للوطن هي أقرب ما تكون إلى النظرة المادية المجسمة أكثر من كونها رؤية تنظر للوطن انطلاقاً من كونه معنى وعلاقات بين البشر القاطنين في هذه المساحة الجغرافية، ينطوون تحت قانون عادل ينظم لهم شؤون دنياهم ويحفظ لهم حقوقهم وكراماتهم الإنسانية روحاً ومعنى. و إلا كيف يطالبني بمحبة كل هذا الكمّ من البشر بمن فيهم من ذكرت ومن لم أجرؤ على ذكره!
من جهة أخرى هل يعقل أن أكون مرغماً على محبة أعضاء القيادتين وأعضاء الجبهة ورؤساء الأجهزة ... (مع احترامي لهم كأشخاص) كي أكون محباً لسوريا؟ إن كان الأمر كذلك فحقاً من الصعب عليّ أن أكون محباً لسوريا..
مجدداً، كم كنت أتمنى لو كنت المسيح ليتسع قلبي لمحبة الجميع، ولأصفح عمن أساء إليّ بصفتي مواطناً وإنساناً، معطياً خدي الأيمن لمن صفعني على خدي الأيسر، لكن كما ترانا يا عزيزي نحن بشر نحب ونكره، لهذا السبب، لا لغيره، من الصعب أن اقرن محبتي لسوريا بعدد سكانها واتساع قضيضها.
وكما أحببت سوريا شكري القوتلي وفارس الخوري وصالح العلي ويوسف العظمة وإبراهيم هنانو وسلطان باشا الأطرش وبدوي الجبل وعمر أبي ريشة وممدوح عدوان وسواهم، أحب سوريا اليوم في أشباههم من الرجال. وكما بغضت سوريا حقي العظم والشيخ تاج الدين الحسيني وعبد الحميد السراج، أبغض سوريا في أشباههم اليوم.
لا أغالي إذا قلت إن نظرة صديقنا الصالح لاتختلف كثيراً عن نظرة النظام من زاوية قسريتها وفرضها كحقيقة يقينية سكونية جامدة، وشتان مابينها وبين الوطن الذي عناه الروائي حليم بركات في رائعته "طائر الحوم" ذلك عندما مارس الوطن ومحبته مع الآخرين بأكل الكبة والتبولة والحمص والفول وبرقص الدبكة.
وانطلاقاً مما انتهى اليه الروائي بركات أجد وطني كذلك في لبنان الذي حضنني بقوة مع صحافته وكتابه ومثقفيه.. وطني هو مقاهي بيروت وصورة الأحبة التي أصادفها فيها.. وطني هو أرصفة دمشق التي ضمتني ومنحتني الدفء والحنان في ليالي الغربة والحرمان.. وطني الذي أحب هو ما أورثني إياه أجدادي من مجد أثيل به أفاخر، هو تراث آليسار وهانيبعل وأسطورة اشمون ذاك الإله الجميل الذي أرى وجهه كلما يممت وجهي شطر البحر قبالة انترادوس.. فليست سوريا (التي أحب) جغرافية سياسية وطبيعية مجردة فقط، كي احدد مشاعري وأؤطرها على مقاس الجغرافية التي ورثتني إياها معاهدات الثقافات المنتصرة.. وطني الذي أحب هو القرى التي طاف بها أجدادي وهم يحملون "الكشة" في جبال البرازيل وسهول الباراغواي والأرجنتين.. هو ما أمدتني به عصبتي هناك (خلف الأطلنطي) من حب لم يقف دونه اتساع المحيط وبعد الجغرافية.
ختاماً: صديقي نبيل صالح، أرجوك، اعذرني لأنني لا استطيع أن أكون سورياً بالمعنى الذي تريده.
المستقبل - الاحد 19 تشرين الثاني 2006 - العدد 2450 - نوافذ - صفحة 13