عن جوزيف سماحة
2020.02.06
أُبيّ حسن- النور- العدد 284- تاريخ 7/3/2007
| |
قرأت عن جوزيف سماحة, رثاء, أكثر ماقرأت له مقالاً. وفي كل مقالة أقرأها عن جوزيف, أتساءل: هل هناك صحفي عربي شغل الناس بغيابه مثلما فعل غياب جوزيف سماحة؟ يكتسب السؤال وجاهته إذا ما أدركنا أن معظم ماقيل في رثائه أتى عفو الخاطر, من أناس وكتاب نعرفهم كلاً أو بعضاً.. ولعل الخيط الجامع لكل هاتيك الرثاءات هو عنصر الصدق الذي عادة مايغيب في مناسبات كهذه لصالح طغيان التزلف والاصطناع وحب الظهور.. إلخ. من قبيل أناس امتهنوا صنعة الرثاء. غير أن الحال في غياب جوزيف كان مختلفاً, فقد كان طعم الرثاء شبيهاً بطعم الغياب الذي لايعوضه سوى حضور جوزيف سماحة حياً بـ (الآن هنا) و (خط أحمر). هناك طعنه قدر أحمق في الصميم, فلم يمهله كي ينهي رسم خطه الذي كان يقشع بعضاً من عتمة الدرب.. وأي درب؟. سيكون السؤال, الآنف الذكر, أكثر وجاهة إذا ماقارنا رحيله المفجع بهدوئه مع صخب المقالات التي كتبت عنه على اتساع مساحة العالم العربي وبعض العالم الغربي. ولعمري إن دل هذا على شيء فإنه يدل على أن صاحب القلب الذي خانته قواه كان يفيض حباً وإيماناً بعروبته على قدر المساحة التي رثته فقيداً. *** لم أعرف جوزيف سماحة شخصياً, وطوال زياراتي لجريدة (السفير) لم يخطر في بالي أن أطرق بابه محاولاً التعرف عليه.. إذ كنت أعتقد (صادقاً) أن الوقت مازال مبكراً لشخص مغمور, مثلي, أن يصافح قامة مثل جوزيف, لكن ما كان يواسيني آنذاك أني بدأت أنشر في جريدة كان يرأس تحريرها جوزيف سماحة وينشرها طلال سلمان. عندما علمت بانتقاله إلى جريدة (الأخبار) شعرت بالغصة لأنه غادر (السفير), أحسست أني فقدت عزيزاً لم أعرف كيف أحافظ عليه. وتعزز هذا الإحساس عندما كنت أتابع طفله الجديد (الأخبار), كيف ينمو, وكم من ندى الجبين وسهر الليل الشبيه بالليالي المطبقة علينا من جهات الريح كلها سيحتاج جوزيف وطاقمه كي يشب ويقوى هذا المولود الذي غدا يتيماً ولم يبلغ فطامه بعد؟ كان الليل الحالك أقوى من حمرة خطك ياجوزيف, تلك الحمرة التي كانت إحدى أدواتنا لمقارعة آتي الأيام ومخبوءاتها, فعسى بمعونتها يكون المستقبل أقل إظلاماً.. ولأن الغلبة كانت لحلكة الليل رحلتَ بهدوء على نقيض ماتفيض به افتتاحياتك من غزارة في المعلومات وعمق في التحليل وجرأة في الموقف, وهذا الأخير كان من شأنه وحده أن يجعل منك مشروع شهيد في حادثة تفجير على أقل تقدير. كنا بشغف ننتظر (الخط الأحمر), لكننا (الآن هنا) لن ننتظر شيئاً ياجوزيف سوى تعويد الذاكرة وتمرينها على غياب الكبار, لكن ربما سنلتقي ذات يوم (هناك). كان الله في عون زملائك ورفاقك وأسرتك, ورحمك الله حياً وميتاً، ويوم تبعث حياً.
|