(النقد الذاتي بعد الهزيمة) يطبع في دمشق للمرة الأولى بعد مضي أربعين حزيراناً على الهزيمة

أُبيّ حسن- صحيفة النور- 18 حزيران- 2007- العدد 298   

للمرة الأولى يرى كتاب (النقد الذاتي بعد الهزيمة)، للمفكر المعروف صادق جلال العظم، النور طباعةً داخل سورية, وذلك بمقدمة جديدة لمؤلفه وتقديم مطوّل للمفكر والأكاديمي الدكتور فيصل درّاج. وما يميز هذه الطبعة كذلك هو احتضانها لمقالات قيلت عن الكتاب بعد صدور طبعته الأولى في بيروت عام 1968, ومن ذلك ما كتبه إلياس شاكر عنه في مجلة (الطريق) عدد حزيران 1969, وما كتبه الأديب الراحل غسان كنفاني في مجلة الصياد في 24 تشرين الأول 1968، وقد كان سنتذاك ناطقاً غير رسمياً عن وجهة النظر الناصرية, في حين اكتفى المصري جمال الشرقاوي في العدد 94 من مجلة (الكاتب) بإجراء عرض للكتاب, وعند سؤالي الدكتور العظم عن اقتصار الشرقاوي على العرض فقط, أفادني أن الكتاب كان ممنوعاً في مصر كما في سورية, فكانت الغاية وضع القارئ المصري في موجز موسّع عن الكتاب.
يضاف إلى ما قيل عنه في حينه, رؤية بعض الكتّاب الشباب إلى الكتاب والهزيمة في آن بعد مرور أربعين عاماً على وقوعها, وذلك في مقالة للكاتبة ديمة ونوس بعنوان (النقد الذاتي بعد الهزيمة: دعوة إلى التأمل بين جيلين), وثانية للشاب عمر أبو سعدة بعنوان (عن الهزيمة والحياة).
لم تقف دار ممدوح عدوان كثيراً للإجابة عن السؤال الذي وُجّه إليها مراراً, ومفاده: لماذا طباعة (النقد الذاتي بعد الهزيمة) الآن, لاسيما أن قرابة الأربعين عاماً تفصل بين صدوره الأوّل وزماننا هذا؟. ويمكننا أن نضيف هنا أنه ليس من قبيل المصادفة أن يُعاد الاحتفاء به بعد مرور أربعين عاماً على الهزيمة, ففي هذا الكتاب يتناول الدكتور العظم, تحليلاً ونقداً, البنية التحتية المنتجة للبنية الفوقية, وهما, بطبيعة الحال, بنيتان تتقاسمان مسؤولية هزائمنا وتخلفنا الذي قذف بنا خارج التاريخ. ولعل في ما يجري في العراق, بعيد احتلاله أمريكياً, ما يؤكد أن العلّة كامنة في بنيتنا المهترئة (مرة أخرى) معرفياً وثقافياً بالحد الأدنى, والتي نخشى القول, إنها ازدادت تفسخاً واهتراءً!.
فضلاً عن أن هذا الكتاب, من وجهة نظر ما, شأنه شأن كتاب (تحرير المرأة) لقاسم أمين, وكتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) لعبد الرحمن الكواكبي, من حيث راهنيته واستمراريته, إذ يعتقد القارئ أنه كُتب بالأمس القريب وليس قبل أربعين عاماً مضت, مثله مثل الكتابين سابقي الذكر وسواهما من كتب نقدية ما تزال تحتفظ بقيمتها النقدية والفكرية لأسباب عدة, قد يكون في مقدمتها ركود المجتمع العربي الذي, على ما يبدو, ألف ركوده وأنسه!.
فحقاً إن ما تنطوي عليه دفتا الكتاب من أجوبة و أفكار نقدية ما تزال تحتفظ براهنيتها وعمقها وشموليتها, ليس للهزيمة فحسب - كما تبين لاحقاً, وإنما لما تلاها من هزائم لم تقتصر على جبهات القتال, وهنا تأتي أهمية الكتاب الذي لم ينظر إليها من منظورها العسكري فقط أو من زاوية إحالتها إلى مؤامرة (خارجية)، كما درجت العادة لدى المهزومين واليائسين والمأزومين, فهاهو ذا الدكتور العظم يقول: (يصعب علينا أن نجد تقصيراً أو عجزاً أو خطأ كشفته حرب حزيران، في التنظيم والاستعداد والتخطيط العربي، لم ينسبه بعض العرب إلى الاستعمار والإمبريالية الدولية, وكثيرون هم الذين أزاحوا المسؤولية في الهزيمة عن أنفسهم، بإسقاطها جملة وتفصيلاً على الاستعمار)!.
وعلى الرغم من قول الدكتور العظم في مقدمته الجديدة للكتاب: (بهذه المناسبة, عدت إلى الكتاب وقرأته فوجدت أنه شاخ بلاشك, ولكن ليس إلى الحد الذي كنت أظن وأتوقع), إلا أنه يترك الحكم الأخير للقارئ ولظروفه وقناعاته واهتماماته, وبخاصة بالنسبة للأجيال التي لم تتعرّف على الهزيمة إلا سماعاً أو قراءة أو غير ذلك من ذاكرة الطفولة.
يخصّ الدكتور العظم لبنان وبيروت اللذين حضنا نتاجه هو وسواه من الأدباء والمفكرين السوريين بعبارة دافئة ومكثفة تنطوي على الكثير من الامتنان: (مع الاعتراف الفوري بفضل لبنان الكبير, وبيروت تحديداً,عليهم وعلى أمثالهم جميعاً).
كثر الحديث إبان الهزيمة وبعدها من قبيل لو أن مصر استبقت إسرائيل في الهجوم لكانت تغيرت نتائج المعركة, وهنا ينتقد د. العظم أصحاب هذه المدرسة بتهكم مر وواضح بقوله: (من أهم الأساليب الشائعة في تبرير الهزيمة وإزاحة المسؤولية وإسقاطها على الغير, الرأي الشائع بأنه لو اتخذت القاهرة زمام المبادرة في بدء المعركة وضربت سلاح الطيران الإسرائيلي، على نحو ما فعلته إسرائيل بالطيران المصري، لانعكست الآية وانتصر العرب), ليبين أن هذه الأساليب في تبرير الفشل العربي والتملص من مسؤولياته وتبعاته, قد كلفتنا غالياً في السابق والحاضر, ويمكننا أن نضيف: وربما في المستقبل كذلك.
يبدو جلياً للقارئ أن المؤلف يحيل الهزيمة وأسبابها بالدرجة الأولى إلى البنية المجتمعية المتخلفة معرفياً وثقافياً, والمفتقرة في جوهرها إلى العلم الحديث وأدواته, مثل ذلك قوله: (لقد قيل الكثير قبل الهزيمة وبعدها خاصة, عن أهمية العلم الحديث والبحث العلمي والتكنولوجي بالنسبة للمجتمع العربي, وبالنسبة للدول العربية الأكثر تقدماً وتقدمية على وجه التحديد. قيل ذلك باعتباره ضرورة حيوية في مواجهة التحدي الإسرائيلي بالتخصيص وتحديات الحضارة الصناعية الحديثة على وجه العموم), ويستشهد الدكتور العظم هنا بقول لمحمد حسنين هيكل الذي كان يتربع على عرش (الأهرام) سنتذاك: (بأنه ليس هناك حل آخر أمام الطرف العربي على خط المواجهة الشاملة غير أن يكون متعلماً وعصرياً), والمعنى ذاته عاد وأكده الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أثناء زيارته لإحدى التشكيلات العسكرية المصرية بقوله: (إن الحرب أصبحت حرباً علمية قبل أن تكون أي شيء آخر, ولايمكن أن نحقق هذا التفوق إلا على أساس استيعاب كامل للعلم والتكنولوجيا, وانتم كقيادات تحتاجون إلى العلم والتكنولوجيا), يعلق الدكتور العظم على الرأيين السابقين بقوله انه كان يفترض بالقادة العرب الثوريين أن يدركوا خطورة معانيه منذ أن طرحوا شعاراتهم الاشتراكية, فمن وجهة نظره أن الاشتراكية لا تبنى من دون التبني التام والاحتضان الكامل للعلم الحديث ومؤسساته وتطبيقاته ومناهجه.
وفي ما يتعلّق بوضع المرأة باعتبارها تشكل نصف المجتمع يجد صاحب كتاب (نقد الفكر الديني) أن المرأة بوضعها الحاضر في المجتمع العربي ليس لها قيمة إنسانية البتة, حتى في المجتمعات العربية الأكثر تقدماً وتقدمية. ويجري هنا مقارنة بين المرأة اليهودية في إسرائيل والمرأة العربية من خلال الاستشهاد بما خطته إحدى الفتيات اليهوديات اللواتي ذهبن إلى فلسطين: (لا أزال اذكر ما حدث في 19/12/1943, لقد مر عامان تقريباً على هذا التاريخ الذي أتينا فيه إلى أرض الوطن -تقصد إسرائيل طبعاً- .. خارجياً لانزال نحن الفتيات (السوريات) أنفسهن كما يدعوننا.. ولكن من الداخل فقد حدثت تغييرات كثيرة في طريقة تفكيرنا, في تطلعاتنا وآمالنا. أذكر جيداً في أيامنا الأولى هنا كيف كنا ننظر إلى العمل بتعال.. ولكن لما عدت إلى سورية لرؤية أهلي, لم أتمكن إلا أن ألاحظ أن صديقاتي هناك, لم يتغيرن مطلقاً واستمررن في الاهتمام بشكل رئيسي بأشياء مثل الثياب الجميلة, والجرابات الحريرية والحلي وغيرها..). ترى هل تغيرت اهتمامات المرأة العربية, بمجملها, كثيراً، بعد أربعين عاماً مضت؟ نأمل ذلك.

 سيبدو جلياً لقارئ هذا الكتاب أن الإنسان العربي لا يعيش الحاضر من خلال الماضي فحسب, بل إنه يستعد لمواجهة المستقبل بذلك الماضي كذلك! ولعلنا نضيف هنا كلمة الدكتور العظم الأثيرة: (ذاك الماضي الذي لا يمضي).