سوريا والعراق والرياضة السياسية
علاء الدين تلجبيني
يصف اللاعب العراقي كريم صدام، أحد مسجّلي أهداف منتخب العراق الحاسمة في التصفيات عن تلك المباراة، كيف كان الأمر مصيرياً بكل معنى الكلمة، فعدي صدام حسين كان رئيس اتحاد كرة القدم، وكان التخوف يسيطر على اللاعبين من إرسالهم إلى الوحدات العسكرية وجبهات القتال أثناء الحرب العراقية-الإيرانية، وإلغاء تفرغهم الرياضي، الأمر الذي جعل الضغط النفسي مضاعفاً. وكان يُنظر إلى مسؤول منظومة كرة القدم على أنه صاحب مزاجية قاسية، لا يتردد في اتخاذ أي إجراء تعسفي.
في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1985 خاض منتخب سوريا مباراة الإياب الفاصلة أمام المنتخب العراقي على المقعد الثاني المؤهل إلى كأس العالم عن قارة آسيا، في واحدة من أكثر المواجهات إثارة للجدل والتوتر في تاريخ كرة القدم بين البلدين. لم تُلعب المباراة في بغداد بسبب الحظر الذي فرضه الفيفا على الملاعب العراقية آنذاك نتيجة الحرب العراقية-الإيرانية، فانتقلت المواجهة إلى ملعب مدينة الملك فهد الرياضية في الطائف بالمملكة العربية السعودية والتي حضرها الملك فهد شخصيا، لتتحول المدينة الهادئة إلى ساحة تستقبل ثقل صراعين، رياضي وسياسي، يتجاوزان حدود المباراة ذاتها.
حشد البلدان كل طاقتيهما الإعلامية والرياضية والشعبية والسياسية لجعل المباراة أشبه بمعركة مصير، فالعراق أرسل بعثة المنتخب بطائرة خاصة من بغداد إلى الطائف، وسوريا فعلت الأمر نفسه، وحرّضت جاليتها في السعودية على التوجه بكثافة إلى الملعب. في العراق اتجه أهالي كربلاء والنجف وسامراء والأعظمية والكاظمية إلى المراقد لأداء صلاة الخوف قبل المباراة بيوم، تعبيراً عن حجم القلق المرتبط بنتيجتها. وإذاعة بغداد وتلفزيونها كانا على اتصال دائم بأهالي اللاعبين، فيما نشرت جريدة البعث الرياضي مقالاً افتتاحياً غريباً هدّد فيه لاعبي المنتخب العراقي في حال الخسارة أمام فريق أسماه بـ«النظام السوري»، محرضاً إياهم في الوقت ذاته بالوعود والمكافآت إذا ما نجحوا في الفوز والتأهل. خمس دول طلبت نقل المباراة مباشرة على الهواء: الاتحاد السوفيتي والبرازيل والمكسيك إضافة إلى السعودية ومصر، إلى جانب العراق وسوريا، في صورة تعكس حجم الاهتمام الاستثنائي بها.
انتهت مباراة الإياب بفوز المنتخب العراقي 3–1 ليحجز بطاقته إلى مونديال المكسيك، بعد أن كانت مباراة الذهاب قد انتهت بالتعادل السلبي من دون أهداف في دمشق في الخامس عشر من تشرين الثاني على أرض ملعب العباسيين ذي الأرضية التارتان غير العشبية. حضر تلك المباراة وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس، إلى جانب رئيس الفيفا آنذاك جواو هافيلانج، فيما كانت العلاقات السياسية بين البلدين تعيش ذروة التوتر، الأمر الذي منح المواجهة بُعداً سياسياً طغى على الجانب الرياضي. فمنذ لحظة الإعلان عن أن المنتخبين سيلتقيان على البطاقة الفاصلة، انطلقت تصريحات نارية في صحافة الطرفين، مبتعدة تماماً عن الطابع الرياضي للمباراة. بل إن الصحافة العراقية نشرت رسوماً كاريكاتيرية مهينة بحق المنتخب السوري وسوريا عموماً.
استُقبل المنتخب العراقي في دمشق بوفد رسمي يقوده وزير الدفاع مصطفى طلاس نفسه، وتُوّج الاستقبال بدعوة عشاء حضرها الفنان دريد لحّام. ولم يُنقل اللقاء تلفزيونياً في العراق لأن الملعب امتلأ بصور حافظ الأسد وشعارات ضد نظام صدام حسين، فاضطر الجمهور العراقي لمتابعة المباراة عبر الإذاعة السورية. والطريف أن الفرقة الموسيقية عزفت نشيداً قديماً للعراق لم يكن هو النشيد الوطني الرسمي في ذلك الوقت وسط صظمة كبيرة للاعبين والكادر الاداري والجمهور العراقي الذي كان يتابع عبر الإذاعة. وشهد اللقاء حادثة ذات بُعد سياسي من قبل المنظمين قبل انطلاق صافرة البداية، إذ تم إلقاء ديك قيل إنه سوري ليصارع دجاجة قيل إنها عراقية في منتصف الملعب، في مشهد غريب ومشحون بالرمزية السياسية. قاد تلك المباراة الحكم الفرنسي ميشيل فوترو، وهو نفسه الذي أدار لاحقاً نهائي بطولة يورو 1988 بين الاتحاد السوفييتي وهولندا.
انتشرت بعد المباراة روايات عراقية عن ظلم تحكيمي تعرّض له المنتخب، أبرزها إلغاء الحكم هدفاً صحيحاً لأحمد راضي و ركلة جزاء ، وقيل إن الفريق واجه ضغوطاً كبيرة من طاقم التحكيم، ومع ذلك اعتُبر التعادل في دمشق يومها بمثابة انتصار من وجهة نظر الإعلام العراقي.
في الطائف، ظهر المنتخب العراقي أكثر تنظيماً وانضباطاً ولعب بأريحية واضحة بفضل التشكيلة القوية التي امتلكها حينها بقيادة المدرب البرازيلي جورج فييرا.
خاض المنتخب العراقي معسكراً تدريبياً في الأردن قبل المباراتين، بينما تكفلت قطر بمصاريف معسكر المنتخب السوري الذي جرى في الدوحة. ولم يكن أداء المنتخب السوري مقنعاً في مباراة الإياب، ما دفع المعلق السوري عدنان بوظو إلى قول جملته الشهيرة عند انتهاء المبارة يومها: «حدودنا الطائف»، في إشارة إلى نهاية آمال سوريا في بلوغ المونديال. اطلقت في تلك التصفيات اغنية شهيرة ل عصمت رشيد بعنوان (دقوا عالخشب) بقيت تستخدم في كل انتصارات المنتخب السوري لاحقا حتى 2010.
وهكذا بقيت تلك المباراة، بما حملته من توتر سياسي وضغط شعبي وإعلامي، واحدة من أكثر المواجهات استحضاراً في ذاكرة الكرة العربية، لا بسبب نتيجتها فحسب، بل بسبب كل ما أحاط بها من أحداث ظل صداها ممتداً عبر السنين.