تعقيب على مذكّرات الضابط الفرنسي جان دو لاروش حول بداية الاحتلال الفرنسي للساحل السوري

سيمون خالد علي

الوثيقة والرواية
المصادر تفضح التلفيق
أحيانًا تكفي العودة إلى الوثائق الأصلية لكشف مقدار الخلط أو التلاعب الذي يقع في بعض المنشورات التي تُقدَّم على أنها “صفحات من التاريخ”.
في الأيام الماضية انتشر منشور طويل يزعم أنه يعتمد على مذكّرات الضابط الفرنسي جان دو لاروش حول بداية الاحتلال الفرنسي للساحل السوري. وبما أن النص الأصلي متوفر ومنشور منذ سنة 1931 في مجلة L’Asie Française، فقد كان من السهل الرجوع إليه وقراءته حرفيًا.
المفارقة أن قراءة الوثيقة نفسها تُظهر بوضوح أن كثيرًا من التفاصيل التي قُدمت على أنها “اقتباس من دو لاروش” ليست موجودة في النص أصلًا.
الوثيقة تذكر بالفعل أن دو لاروش مرّ في قرية عرامو وأنه نزل ضيفًا عند علي آغا بدور ثلاثة أيام بسبب عاصفة، وهناك تعرّف إلى الشيخ يوسف غزال. هذه هي الواقعة الواضحة التي يذكرها النص.
لكن ما يلفت الانتباه أن:
الوصف الطويل المنسوب إلى دو لاروش لشخصية علي بدور لا يظهر في النص.
القصص المطوّلة عن قيادته عمليات عسكرية مع الفرنسيين ليست واردة في هذا المصدر.
الأحداث التفصيلية التي نُسبت إلى مذكرات دو لاروش لا نجد لها أثرًا في الوثيقة نفسها.
بل إن النص يركّز في مواضع أخرى على زعماء جبليين آخرين ويتحدث عن علاقاتهم بالسلطة الفرنسية ووضع الجبل في تلك المرحلة.
وهنا تظهر مشكلة منهجية متكررة في التعامل مع التاريخ:
يُؤخذ اسم مصدر معروف لإضفاء المصداقية، ثم تُضاف إليه روايات أو استنتاجات أو حتى اقتباسات غير موجودة فيه، فيتحول الأمر من توثيق إلى إعادة صياغة للتاريخ وفق رواية مسبقة.
وفي المقابل، عندما نقرأ الروايات المحلية المتعددة حول علي آغا بدور نجد أنه كان أحد أبرز زعماء الجبل في تلك المرحلة الانتقالية المضطربة بعد انهيار الحكم العثماني. كان يمثل نموذج الزعامة الجبلية التقليدية التي تعتمد على القوة الشخصية والتحالفات العشائرية والقدرة على ضبط الأمن في القرى والطرق في زمن كانت فيه الدولة شبه غائبة. وتشير كثير من الروايات المحلية إلى أنه لعب دورًا مهمًا في حماية القرى وتنظيم العلاقات بين الجماعات المحلية في الجبل، وأن حضوره كان جزءًا من منظومة التوازن الاجتماعي التي حكمت تلك المناطق لسنوات طويلة.
ولهذا فإن اختزال شخصية تاريخية معقّدة عاشت في زمن مليء بالاضطرابات في صورة دعائية بسيطة لا يخدم الحقيقة التاريخية. فمثل هذه الشخصيات لا يمكن فهمها إلا ضمن سياقها: زعامات محلية ظهرت في لحظة فراغ سياسي وأمني، وملأت هذا الفراغ بطرق مختلفة.
التاريخ ليس ساحة للمزايدات ولا لتصفية الحسابات .
والقاعدة البسيطة في البحث التاريخي هي: النص يقول ما يقوله فعلًا، لا ما نحب أن يقوله.
لذلك، قبل تداول أي “صفحة من التاريخ”، ربما يكون من المفيد أن نفتح الوثيقة الأصلية ونقرأها بأنفسنا. أحيانًا يكون الفرق كبيرًا بين ما تقوله المصادر وما يُنسب إليها.
----------------------------------------
لمن يرغب في الاطلاع على النص الأصلي لمقال الضابط الفرنسي Jean de La Roche بعنوان:
Notes sur les débuts de notre occupation du territoire des Alaouites (1931)
الوثيقة الكاملة متاحة هنا:
وهي منشورة في مجلة
L’Asie Française – décembre 1931
العودة إلى النص الأصلي تتيح للقارئ التحقق بنفسه مما يذكره المصدر فعلاً، وما يُنسب إليه دون أن يكون وارداً فيه.