رسالة الأمير عبد الله آل سعود لرفعت الأسد
بمناسبة وفاة رفعت الأسد، نشر ابنه ريبال، رسالة مرسلة من الملك عبد الله آل سعود، كان حينها أميراً، إلى والده رفعت الأسد، وكان ذلك عام 1982م.
أدناه نص ما نشره ريبال رفعت الأسد:
أنشر اليوم جزءًا من رسالة أرسلها الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، حين كان وليًا للعهد، إلى الأب القائد الدكتور رفعت الأسد رحمه الله، والمؤرخة في 4/3/1982، أي بعد أحداث حماة بأسابيع قليلة، والتي تكشف طبيعة العلاقة الأخوية والتنسيق بين القيادتين في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المنطقة:
«أخي: لا شك أنكم تدركون كل الإدراك اهتمامي البالغ بكل ما يعينكم، غير أن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه. ولأني أعتبر مسؤوليتكم في سرايا الدفاع، وأبناؤكم فيها هم أبنائي، فقد قرر الحرس الوطني أن يهدي إلى إخوانه في سرايا الدفاع مائة سيارة لوري وعشرة واتيات محروقات.
آمل من الأخ قبولها من إخوة لإخوتهم. وما هو الطريق الذي يمكن أن نرسلها عليه؟ هل ترون أن نرسلها عن طريق الأردن؟ ما هو رأيكم حول ذلك؟ ولكم تحياتي.»
فهل كانت المملكة وملكها وولي عهدها يدعمون “جزّارًا”، كما يروّج بعض المنابر الإعلامية التابعة للمملكة العربية السعودية، بعد شهر واحد فقط من تلك الأحداث؟
وهل كانت المملكة قد دعمت بناء ضاحية السومرية في دمشق بين عامي 1979 و1983، بتمويل سعودي وتحت إشراف ولي العهد آنذاك (والملك لاحقًا) فهد بن عبد العزيز رحمه الله، وبدعم من الأمير عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، النائب الثاني لرئيس الوزراء وقائد الحرس الوطني السعودي آنذاك؟
مدينة كانت تتألف من خمسةٍ وستين مبنى، كل مبنى من أربعة طوابق، يضم شقتين في كل طابق، خُصِّصت لضباط وضباط صف الوحدة 569 (سرايا الدفاع)، التي ضمّت ضباطًا وجنودًا من مختلف طوائف وأديان وأعراق الشعب السوري، وكانت مهمتها الدفاع عن العاصمة دمشق.
وهل كانت علاقة الصداقة والأخوّة لتستمرَّ على مدى عقود مع قيادات المملكة - الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله، والملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله - حتى بعد خروجه من سوريا ومن منصبه؟
قبل إطلاق الأحكام، من الواجب العودة إلى الوقائع لا إلى الشعارات.
ما جرى في حماة في شباط/فبراير 1982 كان اقتحامًا واحتلالًا من قبل جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية لمدينة حماة، بدعمٍ من العراق، وذلك باعتراف زعيمها السابق عدنان سعد الدين في برنامج «الصندوق الأسود» على قناة الجزيرة القطرية، وقامت باغتيال قيادات حزبية وعسكرية وأمنية، وقتلت ضباطًا وجنودًا وعناصر أمنية، ودعت عبر المآذن إلى التسلح والتوجه إلى مخابئ الأسلحة، ونشرت قناصيها فوق الأسطح والمآذن، وبثّت مسلحيها في كل أنحاء المدينة مدجّجين برشاشات بمختلف العيارات، وقنابل يدوية، ومدافع هاون، وصواريخ، وقواذف مضادة للدروع والدبابات.
فأرسل الرئيس حافظ الأسد رحمه الله ثلاث تشكيلات عسكرية: الفرقة الثالثة، والفرقة العاشرة، والوحدات الخاصة، لقتال الإرهابيين من الإخوان المسلمين واستعادة المدينة.
ووفق الوثيقة الرسمية الصادرة عن وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية (DIA) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، قُدِّر عدد القتلى بحوالي 2000 شخص، من بينهم نحو 400 من جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية.
إذا كان التدخل العسكري ضد مجموعة إرهابية مسلحة يُسمى «مجزرة»، فهل كل دولة في العالم تتصدى لعملية إرهابية أو احتلال مسلح لمدينة تُوصف بالوصف نفسه؟
في أي دولة في العالم، إذا احتلت جماعة إرهابية طائرة، أو مبنى، أو متجرًا، أو حيًا سكنيًا، وبدأت بقتل الناس أو احتجازهم أو نشر القناصة والرشاشات ومدافع الهاون والصواريخ والقواذف المضادات للدبابات، هل تقف الدولة متفرجة؟ أم تُرسل قواتها الخاصة لاستعادة السيطرة، مع ما قد يرافق ذلك من اشتباكات وسقوط ضحايا؟ أليست وظيفة الجيش حماية مؤسسات الدولة والسكان من المنظمات والجماعات الإرهابية؟
هذه بعض الأمثلة:
عام 1993، في حصار واكو في تكساس، قُتل أربعة عناصر فدراليين، ثم انتهى الحصار باقتحام ومواجهة مسلحة أسفرت عن مقتل نحو 76 من أفراد الجماعة المسلحة، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى جرحى من الجانبين.
عام 1994، في اختطاف طائرة إير فرانس رقم 8969، اقتحمت القوات الخاصة الفرنسية الطائرة في مرسيليا، فقُتل الخاطفون الأربعة وأُصيب عدد من الركاب.
عام 2002، في أزمة مسرح موسكو (دوبروفكا)، قُتل جميع المسلحين، وتوفي ما لا يقل عن 130 رهينة رسميًا، إضافة إلى مئات المصابين.
عام 2007، في معركة نهر البارد في لبنان، خاض الجيش اللبناني مواجهة عسكرية ضد تنظيم فتح الإسلام الإرهابي بقيادة شاكر العبسي، الذي احتلّ المخيم وقتل جنودًا لبنانيين، واستمرت المعارك أكثر من ثلاثة أشهر. قُتل فيها أكثر من 170 جنديًا لبنانيًا، وما يقارب 220–250 من عناصر التنظيم الإرهابي، وسقط عشرات المدنيين، وجُرح المئات من الجانبين، ونزح أكثر من 30 ألف مدني من المخيم.
هذه وقائع من دول مختلفة عندما واجهت دول ذات سيادة جماعاتٍ مسلحة استولت على مواقع داخل أراضيها.
والأمر اللافت هنا أن جماعة الإخوان المسلمين مُصنَّفة رسميًا في المملكة العربية السعودية جماعةً إرهابية ومحظورة، والمملكة كانت ولا تزال من أكثر الدول سعيًا لإدراج أفرعها والتنظيمات المرتبطة بها على قوائم الإرهاب في الغرب، وقد نجحت مؤخرًا، مع بعض الدول، في إقناع الولايات المتحدة بإدراج بعض فروعها على لوائح الإرهاب.
فإذا كانت الجماعة تُوصف رسميًا بالإرهاب،
وإذا كانت مواجهتها تُعدّ واجبًا أمنيًا في العديد من الدول، فكيف تُصبح مواجهة جماعة إرهابية اقتحمت مدينة واحتلتها وقتلت قيادات حزبية وعسكرية وأمنية وضباطًا وجنودًا وعناصرَ أمنية، جريمةً في رواية إعلامية، بينما يُعدّ المبدأ نفسه حقًا سياديًا عندما تمارسه دول أخرى؟
المعيار لا يتجزأ.
إما أن يكون الإرهاب إرهابًا في كل مكان،
أو يُعاد تعريفه بحسب المنبر والظرف.
التاريخ لا يُقرأ انتقائيًا.
وفي النهاية، أُعيد وأُكرّر أن مهاجمة رجلٍ عند وفاته، كان صديقًا للمملكة العربية السعودية وتربطه علاقة تاريخية بالعائلة المالكة، كالملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله، والملك عبد الله رحمه الله، وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، هو عملٌ غير أخلاقي، وتهجّم على المملكة وقياداتها قبل أن يكون عليه.