إعانات شيوخ القبائل.. ذاكرة من زمن الانتداب

حسن عبد الله الخلف

في الجريدة الرسمية للجمهورية العربية السورية، العدد (2) لعام 1937م نشر قرار غريب في تفاصيله صادر عن الحكومة الفرنسية عام 1936م القرار ينص على توزيع إعانات مالية سنوية لشيوخ القبائل والعشائر على أربعة أقساط متساوية:
الأول في 31 آذار
الثاني في 30 حزيراناعانات للعشائر العربية عام 1937 موقعة من الرئيس هاشم الاتاسي.jpg2
الثالث في 30 أيلول
الرابع في 31 كانون الأول
لكنّ ما يثير الدهشة ليس فقط انتظام الدفع بل الشرط المرافق للإعانة:
يمكن للحكومة توقيفها كلياً أو جزئياً عن الشيخ الذي لا يمد يد المساعدة الكافية في أمر تحقق وجباية ضريبة الأغنام من قبيلته!
أي أن العلاقة بين الدولة والقبيلة آنذاك كانت تدار بمنطق الولاء مقابل العطاء تحت إشراف المفوض السامي الفرنسي نفسه.
والأغرب من ذلك أن القرار موقع من الرئيس هاشم الأتاسي ورئيس مجلس الوزراء جميل مردم بك ووزير الداخلية سعد الله الجابري.
وفي لائحة الأسماء لا تظهر قبيلة الولدة أو العفادلة ولا البوشعبان هل كانو الى جانب الفدعان تحت زعامة الشيخ مجحم بن مهيد — في مشهد يختصر شبكة الولاءات التي حاول الانتداب الفرنسي تنظيمها مالياً وسياسياً.اعانات للعشائر العربية عام 1937 موقعة من الرئيس هاشم الاتاسي.jpg3
لا يمكن قراءة هذه الوثائق كأرقام جامدة، فهي تعكس بداية التحول في علاقة السلطة بالبادية حين بدأ المال يحلّ محلّ الهيبة والمساعدة في جباية الضرائب تحلّ محل العصبية والزعامة التقليدية.
من أراد أن يفهم كيف تشكلت علاقة القبائل بالدولة السورية لاحقاً عليه أن يبدأ من هنا من قرارات كتبتها حكومة وطنية تحت إشراف أجنبي، ووقعها رجال دولة كانوا يحلمون بالاستقلال لكنهم اضطروا لتدوين منطق الانتداب بأيديهم.