العنق
محمد سلمان ابراهيم
منطقة حرًّة بالغة الأهمية، ممر بين الرأس والجسد، يستمد العنق أهميته من اسناد الرأس عليه بقواعد متداخلة بين العمود الفقري وعضلات وأعصاب وأوتار تربط بين الرأس والجسد، فهو منطقة حسًاسة للعناق وإرسال رسائل إلى الدماغ وأعضاء الجسد وأنسجته وخلاياه وأعصابه، فمن حق العنق التمتع بمواصفات ومقاييس واغراءات تهيًج الرأس وما يحتويه والجسد وما يُطلب منه، لذلك نجد العنق يتمتع بهرمونات العزة والكبرياء والشموخ كونه عقدة وصل بين تشاور الدماغ وتكامل الجسد.
أما عندما يعصف التنافر بين الرأس والجسد فقد تغمر العنق جمرة مصالح آنية تتقاذف بين تلافيف الدماغ وكواليس الجسد، فيتحمل العنق مزيد من المسؤوليات في التوازن العام. فقد يضطر العنق للتنازل والطأطأة والانحناء، فينحني معه الرأس لتقديم تنازل للجسد.
ومع الزمن يطال العنق تجاعيد وخطوط الهرم، فتحتاج تلك الخطوط دهون ومكاييج ومعاهدات دفاع بين الرأس والجسد تُبعدالعنق عن الاهتمام فيطاله الاهمال والبحث عن أعناق آخرى، أو تطاله يد المسالخ والحز وسفك الدماء والمزادات. وإذا ضاع التفاعل بين العنق والرأس والجسد يصبح كل شيء مهدد بفعل خيارات مؤلمة.
وما يعصف من خيارات ضعف وانهيار ومآسي تجعل صناديد العناق والرقاب حدلاء متدلية، محقونة شرايينها وأوردتها بشهيق وزفير وصعود وهبوط، ما يجعل العزة في خبر كان. فمن المرجًّح خروج الدماء من الأعناق وخنق الحبال الصوتية وعدم قدرتها على التعبير عن حاجات ورغبات.. فتعصف الأعناق مصاعب العض والقضم والنطح والسطورة وحبال مجدولة بعنف بعيداً عن المداعبة واللمس والقبلات والعناق.
آخ.. أيتها الأعناق كم عبرت عروقك دماء وأوكسجين؟
آخ.. أيتها الأعناق كم تجتاح عروقك إشارات تزيد الأكتئاب والقلق وتجعل النفس بعيدة عن التفاعل بين العقل والقلب؟
كم أنت بعيدة أيتها الأعناق عن العقبة وفك رقبة؟
كم أنت بعيدة عن تحرير الرقاب؟
يا ليت أعناق البعض طول عنق الزرافة أو الجمل حتى يفكر مائة مرًّة قبل النطق بالكلام وتنفيذ الأفعال، فربما أهم ما في العنق وجود مسافة للتفكير قل النطق، فقد قيل:
تكلم حتى أعرفك.
للأسف نحن معروفون أن كان الأعناق مستقيمة أم منحنية، أن تكلمنا أم لا، أن قلنا الحقيقة أم لا، إن رفعنا أعناقنا للأعلى بعنفوان أم لا، إن انحنت الأعناق للأسفل أم لا.
فالنتيجة واحدة في الحياة الدنيا.. الموت والدماء زمن الحرب، والفقر والقهر والذل زمن السلم.. وربما أهم وظيفة للأعناق رفع الوجوه للسماء لتمارس حقها في التضرًّع والدعاء على الظالمين الذين أوصلونا إلى هكذا واقع.