مات موسى بن نصير فى قرية نائية بالحجاز
منتدى يوسف زيدان
مات موسى بن نصير فى قرية نائية بالحجاز، بعدما قضى أواخر حياته شحاذاً، يدور على الخيام ليسأل الناس (يشحت) الطعام.
————————————————
فكَّر «موسى بن نصير» فى استكمال الفتوح شمالاً وشرقاً، بغزو فرنسا (بلاد غالة) وإيطاليا. لكن الخليفة رفض هذا المقترح، واستدعى «موسى» إلى دمشق وأمره أن يأتى معه بطارق بن زياد.. وهنا، لا بد لنا أن نتوقف قليلاً لنرى «مصير الفاتحين» ونتبصَّر فى هذا الأمر ونتأمَّله.
نسيتُ أن أقصَّ عليكم، قبل قليل، ما رواه معظم المؤرِّخين القدماء والمحدثين عن لحظة اللقاء الأول بين موسى بن نصير وطارق بن زياد، بعدما تمت الفتوحات الإسلامية الأولى فى أرض الأندلس.. يقول المؤرِّخون: «وقصد موسى طليطلة، فالتقى بطارق على مقربةٍ منها، وكان قد سار إلى استقباله (والترحيب به) فأنَّبه موسى وبالغ فى إهانته (لأنه كان قد تأخر فى فتح بلدة اسمها: ماردة) وزجَّه مصفَّداً إلى ظلام السجن بتهمة الخروج والعصيان، وقيل بل هَمَّ أيضاً بقتله، لكنه ما لبث أن عفا عنه، وردَّه إلى منصبه، وزحَفَا معاً نحو الشمال الشرقى حتى نفذ (موسى) إلى مملكة الفرنج، ووصل إلى مدينة ليون (الفرنسية)».
ويذكرنى ما جرى لطارق بن زياد (الفاتح) بما جرى مع خالد بن الوليد (الفاتح) الذى كوفئ على فتحه العراق والشام، بالعزل من قيادة الجيش.. وعمرو بن العاص الذى فتح مصر والإسكندرية (أول مرة) فكان جزاؤه العزل. وحين عاد الروم للإسكندرية، أعيد عمرو إلى قيادة الجيش وفتحَها مرة أخرى، فكان جزاؤه مرةً أخرى: العزل.. وعبد الله بن أبى سَرْح الذى انتصر على الروم فى «ذات الصوارى» وغزا «تونس» لأول مرة، وغنم منها، كان جزاؤه بعد مقتل الخليفة عثمان: العزل. ومات معزولاً فى قريةٍ بنواحى فلسطين، وبجواره زوجته، الصغيرة سناً، بُسيسة بنت حمزة بن ليشرح التى ظلت تنتظر موته حتى تعود إلى مصر وتتزوَّج حبيبها الأول، وهو ما تم بالفعل عقب وفاة عبد الله بن أبى سرح.
والقواد الذين افتتحوا إفريقية، من أمثال «عقبة بن نافع» قُتلوا فى الحروب (الفتوح) بعدما قدموا كلَّ ما يمكنهم تقديمه من بطولات، كان خيرها يصبُّ فى بلاط الخليفة الأموى. وكان مقتل الفاتح «عبدالله بن الزبير» على يد الخليفة نفسه.
كان الخليفة الأموى هو الذى رفض اقتراح «موسى بن نصير» باستكمال الفتوح إلى إيطاليا، لإنهاء الإمبراطورية المسيحية البيزنطية إلى الأبد، وهو الأمر الذى كان ممكنًا ومضمون النجاح لو كان الخليفة قد سَيَّر جيشًا آخر من الشام لإحكام الحصار على بيزنطة وروما وسائر الأقطار الأوروبية المطلة على البحر المتوسط (ولكن الخليفة كان له رأى آخر، غير نشر الإسلام).
فماذا كان مصير «موسى» الفاتح المغوار، عند الخليفة؟ يقول المؤرِّخون: «استدعى الخليفةُ (موسى بن نصير) إلى دمشق (مقر الخلافة) فذهب إليه ومعه من الغنائم ثلاثون ألف أسير، بينهم أربعمائة أمير قوطى على رؤوسهم التيجان، وثلاثون ألف عذراء من بنات ملوك القوط وأعيانهم، وعدد غفير من العبيد والغلمان والمجوهرات».. وكان موسى بن نصير قد جعل ولده (عبد العزيز) حاكماً على الأندلس، حتى يعود إليها. لكنه لم يعد، ولم يظل ابنه حياً. فقد أرسل الخليفة جماعةً إلى (عبد العزيز بن موسى بن نصير) فقتلوه فى قصره، وحزُّوا رأسه وجاءوا به إلى الخليفة، فدفعه فى المجلس إلى أبيه موسى (الفاتح) وجرَّده من مناصبه وأمواله، وبالغ فى إيذائه وإذلاله.. ومات موسى بن نصير فى قرية نائية بالحجاز، بعدما قضى أواخر حياته شحاذاً، يدور على الخيام ليسأل الناس (يشحت) الطعام.
يا ألله على التاريخ (الحقيقى) وعلى واقعنا المعاصر.