20 آب 1926م مائة عام على تأسيس مدينة القامشلي

علاء الدين تلجبيني

اشتُق اسم القامشلي، وفق الرواية الأكثر شيوعاً، من كلمة Kamış التركية التي تعني القصب، مع اللاحقة -lı الدالة على المكان، أي "المكان كثير القصب"، في إشارة إلى القصب الذي كان ينتشر على ضفاف نهر الجغجغ. فيما تنسب روايات كردية التسمية إلى أصل كردي، ويقابلها بالسريانية اسم "بيث زالين" ذو الدلالة المرتبطة بالقصب أيضاً
في شهر آب من 1926 بدأ تأسيس مدينة القامشلي الحديثة، إحدى أحدث المدن السورية نشأة، والتي تحولت خلال سنوات قليلة من منطقة شبه خالية من العمران إلى واحدة من أهم مدن الجزيرة السورية.
حتى أواخر العهد العثماني، كانت المنطقة التي ستقوم عليها القامشلي عبارة عن بادية يخترقها نهر الجغجغ، المعروف قديماً باسم «هرماس»، وتنتشر حوله المستنقعات الآسنة وبيئات الملاريا. ولم يكن فيها حتى عام 1925 سوى مزرعة عُرفت باسم «زهرات خزنة»،
وطاحونة مائية على نهر الجغجغ، إضافة إلى قصر ريفي بناه قدور بك في المنطقة.
ارتبطت ولادة القامشلي بصورة مباشرة بترسيم الحدود السورية ـ التركية وبمصير مدينة نصيبين الواقعة إلى الشمال منها.
فمنذ نيسان 1922، وخلال المفاوضات الفرنسية ـ التركية حول الحدود، بدأ ضباط الاستخبارات الفرنسيون التواصل مع أعيان نصيبين الذين كانت لهم أراضٍ ومصالح وأوقاف إلى الجنوب من المدينة، في المنطقة التي أصبحت ضمن الأراضي السورية. وكان من أبرز هؤلاء عائلتا قدور بك (أكراد) ونظام الدين (عرب)، اللتان أبدتا استعدادهما للانتقال إلى الجانب السوري بعد تثبيت الحدود حفاظاً على مصالحهما.
في آب 1926، وبعد الاتفاقية التكميلية بين فرنسا وتركيا التي حسمت السيطرة الفرنسية على منطقة الجزيرة السورية، دخلت القوات الفرنسية المنطقة، وأُنشئت النواة الأولى للقامشلي على شكل مخفر عسكري.
وفقا للاستاذ مهند القاطع في كتابه لمحات من التاريخ الحديث للجزيرة السورية فأن الاراضي التي قامت عليها مدينة القامشلي كانت ملكيتها موزعة بين شيخ طيء، وقدور بك قائمقام نصيبين السابق، والشيخ حسين المقطف، وأوقاف الإمام زين العابدين التي كان آل نظام الدين نظّاراً عليها.
بدأت موجات الهجرة الأولى الى المدينة مع السريان والأرمن من جنوب شرقي تركيا حيث انتقلت مابين 1926 و 1930 إلى القامشلي عائلات مسيحية كثيرة من نصيبين وماردين وطور عبدين ومناطق أخرى شمال الحدود.
تبعتها الجالية اليهودية في نصيبين بأكملها، وتذكر المصادر الأكاديمية أن عدد يهود القامشلي وصل إلى نحو 2000 شخص سنة 1934.
في اواخر العشرينات والثلاثينيات: جاءت الهجرة الكردية في أعقاب الصدامات بين الحركة الكردية والسلطات الكمالية في تركيا ، ولا سيما بعد ثورة الشيخ سعيد سنة 1925 ثم الثورات والاضطرابات الكردية اللاحقة. استقر قسم كبير من الوافدين في الجزيرة العليا والقامشلي وريفها. وهذه لم تكن موجة قصيرة، بل استمرت على مراحل خلال الثلاثينيات
تبع ذلك الآشوريون القادمون من العراق – بعد أحداث سميل سنة 1933: فرّ آلاف الآشوريين من العراق إلى سورية بعد أحداث 1933، واستقر قسم كبير منهم في منطقة الخابور، ولا سيما تل تمر والقرى المحيطة بها. لذلك تأثير هذه الموجة كان على الجزيرة السورية عموماً أكثر من مدينة القامشلي نفسها، لكنها عززت الطابع الآشوري/السرياني للمنطقة
أما المكوّن العربي، فكانت جذوره حاضرة في محيط القامشلي قبل تأسيس المدينة، ولا سيما من خلال عشيرة طي التي كان مجال انتشارها يمتد في المنطقة الواقعة جنوب نصيبين والقامشلي اللاحقة. ومع نشوء المدينة انتقل إليها أفراد وأعيان من العشائر العربية المحيطة، كما استقطبت عرباً من مدن ومناطق سورية أخرى، ليصبحوا جزءاً من تركيبتها الحضرية الجديدة كما لعبت أسر عربية من أعيان نصيبين، ومنهم عائلة نظام الدين العربية ، دوراً مهماً في نشوء المدينة وانتقال النشاط الاقتصادي والسياسي إليها بعد ترسيم الحدود السورية ـ التركية
عُيّن عمر عبد العزيز، أحد وجهاء دير الزور ومن أعضاء حكومتها المحلية السابقة عام 1918، أول قائمقام للقامشلي، ثم بدأ الفرنسيون في تشرين الأول 1926 تنظيم المدينة وفق مخطط هندسي وضعه الكابتن الفرنسي تيرييه Terrier.
وترأس عبد الرزاق آغا آل كوزي أول بلدية، وفي عهده جرت أولى عمليات ردم المستنقعات التي عانت منها القامشلي سنوات طويلة وما ارتبط بها من أوبئة، كما أُنيرت أزقة البلدة باللوكسات الزيتية، وأُنشئت أول حديقة عامة.
وفقا للكاطع فأن من أوائل المنازل التي شُيدت في القامشلي : منزل قدور بك، ومنزل داوود حداد، ثم كامل الخطيب، ثم آل كوزي، ثم آل كنجو.
و وفقا لما نقله جمال باروت كان قدور بك، أحد الأعيان الأكراد وكبار ملاك الأراضي في منطقة نصيبين، قد شغل منصب قائمقام نصيبين قبل انتقاله إلى القامشلي، وكان من أوائل الذين بنوا فيها وفقا وإلى جانبه كان ميشيل دوم، السرياني الكاثوليكي القادم من ماردين، من أوائل من شيدوا منازل في المدينة الناشئة. جاء دوم إلى الجزيرة مع القوات الفرنسية وعمل مترجماً مدنياً لديها، وكان يتقن الفرنسية والعربية والتركية والكردية، وتشير مصادر تعود إلى عام 1928 إلى أنه عمل مترجماً لضابط الاستخبارات الفرنسي الكابتن تيرييه، الذي ارتبط اسمه بوضع المخطط التنظيمي للقامشلي. لاحقا سوف يتولى ميشيل دوم رئاسة بلدية القامشلي بين عامي 1930 و1940.
كان للملاكين والأعيان المحليين دور بارز في المرحلة الأولى من نشوء القامشلي، ولا سيما قدور بك ورفيق نظام الدين والشيخ محمد عبد الرحمن، رئيس عشيرة طي. وكان آل نظام الدين يتولون وقف مسجد زين العابدين في نصيبين ويمتلكون أراضي واسعة على ضفاف الجغجغ جنوب المدينة، بينما استند الشيخ محمد عبد الرحمن إلى الثقل الكبير لعشيرة طي في الجزيرة.
لكن القامشلي لم تبقَ طويلاً مجرد مخفر وبعض البيوت.
فقد شهدت خلال سنوات قليلة نمواً عمرانياً وسكانياً استثنائياً، ساهمت فيه الهجرات المتلاحقة إلى الجزيرة، ولا سيما السريانية والكردية، إلى جانب انتقال قسم كبير من سكان نصيبين إلى الجانب السوري.
في حزيران 1927 افتتحت الحكومة شعبة للبريد في القامشلي، وشجعت السلطات الفرنسية البناء والتوسع العمراني، حتى إن البلدية كانت تبيع المتر المربع من الأرض المعدة للبناء بسعر رمزي بلغ قرشاً واحداً بهدف تشجيع الاستيطان والعمران.
وفي عام 1929 بُنيت دار صغيرة للحكومة، وأُنشئ أول مشروع بلدي للكهرباء، كما ظهر فيها حي عُرف باسم «حي العسكرية» نسبة إلى جنود الوحدات الكلدو-آشورية التابعة للقوات الفرنسية، والتي شاركت في شق الطرق وإنشاء بعض مقومات العمران في المنطقة.
وكان النمو سريعاً بصورة لافتة؛ فمن بيت واحد ومزرعة وطاحونة مائية تقريباً عام 1926، أصبحت القامشلي في أواخر عام 1931 مدينة منظمة ومشجرة ومنارة بالكهرباء، يقدر عدد سكانها بنحو 12 ألف نسمة.
وتورد مصادر محلية تقديرات أعلى؛ إذ يذكر ألكسندر داود أن عدد سكانها بلغ نحو 18 ألف نسمة عام 1931، ثم 50 ألفاً عام 1936، ونحو 63 ألفاً عام 1940، ويربط جمال باروت الاختلاف في الأرقام بأعداد المهاجرين الأكراد والسريان غير المسجلين الذين تدفقوا إلى المدينة خلال تلك المرحلة.
وبحلول عام 1931 كان معظم سريان نصيبين تقريباً قد انتقلوا إلى القامشلي، حتى إن نائبها البطريركي القس أفرام غادر نصيبين، في انعكاس واضح للتحول السكاني والاقتصادي الذي أحدثته المدينة الجديدة على جانبي الحدود.
أما في عام 1932 فكانت القامشلي قد أصبحت مدينة مخططة هندسياً، مضاءة بالكهرباء ومغروسة بالأشجار، وبدأت تتحول إلى مركز تجاري مهم لتسويق منتجات الجزيرة من القمح والشعير والقطن والسمسم والصوف، إلى جانب تجارة المواد الغذائية والأقمشة والأخشاب ومواد البناء.
ثم ظهرت فيها الأسواق والفنادق والمقاهي وصالة للسينما الصامتة وملهى «تياترو»، في مشهد يعكس السرعة الاستثنائية التي انتقلت بها القامشلي من البادية إلى المدينة.
وتظهر سرعة هذا التحول أيضاً في موازنة بلديتها؛ إذ ارتفعت من 1650 ليرة سورية عام 1927 إلى 63 ألف ليرة عام 1940.
بحسب إحصاءات خدمات المساحة التابعة للمفوضية العليا الفرنسية، المنشورة سنة 1941، بلغ عدد سكان مدينة القامشلي نحو 19 ألف نسمة، توزعوا على 13,213 مسيحياً، و3,109 عرب، و1,663 يهودياً، و1,200 كردي. وكانت الصورة مختلفة في ريف قضاء القامشلي، حيث شكل الأكراد الكتلة السكانية الأكبر.»
وهكذا لم تنشأ القامشلي بالطريقة التقليدية التي نشأت بها معظم المدن السورية القديمة، بل كانت إلى حد بعيد نتاجاً مباشراً لرسم الحدود السورية ـ التركية في عشرينيات القرن العشرين، وللسياسة الفرنسية في تنظيم الجزيرة، وللهجرات والتحولات السكانية والاقتصادية التي أعقبت رسم تلك الحدود.
فخلال أقل من عقد ونصف، تحولت المنطقة التي لم يكن فيها سوى مزرعة وطاحونة وعدد محدود من الأبنية إلى مدينة كبيرة أصبحت لاحقاً مركز محافظة الحسكة الاقتصادي والثقافي، وإحدى أكثر مدن سورية تنوعاً من حيث مكوناتها السكانية.
القامشلي في الحياة النيابية السورية
المجلس النيابي 1932 – دائرة الحسجة والقامشلية والدجلة:
خليل إبراهيم باشا – سعيد إسحاق
المجلس النيابي 1936:
سعيد إسحاق – قدور بك
المجلس النيابي 1943:
عبد الباقي نظام الدين – حسن حاجو آغا – سعيد محمد آغا – سعيد إسحاق
المجلس النيابي 1947:
عبد الباقي نظام الدين – حسن حاجو آغا – عبد الرزاق حمو – إلياس نجار
الجمعية التأسيسية 1949:
عبد الباقي نظام الدين – عبد الرزاق حمو – سعيد إسحاق
مجلس النواب 1953:
أكرم حاجو – زكي نظام الدين – سعيد إسحاق
مجلس النواب 1954:
عبد الباقي نظام الدين – فؤاد قدري جميل باشا (والد السياسي قدري جميل) – عبد الرزاق النايف – إلياس نجار
مجلس الأمة في عهد الوحدة 1958:
أكرم حاجو – زكي نظام الدين – سعيد إسحاق
مجلس النواب 1961:
عبد الرزاق حمو – عبد الرزاق النايف – طلعت عبد القادر – إلياس نجار
المجلس الوطني للثورة 1965:
جورج شهرستان
--------------
مجلس الشعب 1973:
سليمان حسن حاجو – فريد بولص برصوم
المصادر:
محمد جمال باروت، التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحول من البدونة إلى العمران الحضري، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2013.
لمحات من التاريخ الحديث للجزيرة السورية ل مهند الكاطع
إحصاءات خدمات المساحة التابعة للمفوضية العليا الفرنسية الخاصة بسكان القامشلي، 1941
فصل للباحث Jordi Tejel من جامعة نوشاتيل بعنوان “Refugees, Borders and Identity Boundaries” ضمن كتاب:
Jordi Tejel, Rethinking State and Border Formation in the Middle East: Turkish-Syrian-Iraqi Borderlands, 1921–46, Edinburgh University Press, 2026, pp. 72–122
المجالس التشريعية في الجمهورية العربية السورية ل مازن يوسف صباغ
صورة من أرشيف الأستاذ Dara şêxê
من اليمين سعيد اسحق و بجانبه الزعيم اللبناني رياض بك الصلح اثناء زيارته للقامشلي و بجانبه قدور بك ملي زادة سنة 1933.
صورة لمدينة القامشلي من ارشيف الاستاذ مهند الكاطعقد تكون صورة ‏نص‏