"يا قِرْد".. حين تنطق اللهجة بذاكرة أقدم من الكلام..
د. غسان القيم
في لهجة ريف ساحلنا السوري الجميل تمرّ كلمات كثيرة كأنها عابرة نستخدمها ثم نمضي دون أن نسألها من أين جاءت ولا كم قرنًا عبرت لتصل إلى أفواهنا.
من بين هذه الكلمات تبرز عبارة "يا قِرْد" نداء يُقال للتعجب أو العتاب أو المزاح
لا يحمل شتيمة صريحة
ولا يقصد الحيوان بقدر ما يستحضر حالة شعورية كاملة
يعرفها المتلقي من نبرة الصوت وحدها.
لكن السؤال الثقافي الحقيقي ليس ماذا تعني؟..
بل: من أي زمن جاءت؟
لهجة الساحل السوري ليست عامية فحسب
اللهجة الساحلية ليست مجرد فرع محلي من العربية المحكية بل هي نتاج تراكم لغوي طويل في منطقة عرفت الاستقرار البشري المبكر منذ آلاف السنين من أوغاريت إلى الفترات الكنعانية والآرامية وصولًا إلى العربية.
في مثل هذه المناطق لا تموت الكلمات بسهولة.
بل تفقد معناها الأول أحيانًا وتحتفظ بوظيفتها الشعورية كأن اللفظة تتخلّى عن معناها المعجمي لتنجو بنبرتها.
أوغاريت: حين كانت الكلمة تُكتب على الطين قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.
كُتبت اللغة بأبجدية مسمارية فريدة تركت لنا آلاف الرقم الفخارية:
أساطير
طقوس
عقود
وحتى معاجم ثنائية تقارن بين الأوغاريتية والأكادية.
هذه النصوص لا تمنحنا الشعر فقط، بل تمنحنا وعيًا لغويًا مبكرًا حيث كان الكاتب الأوغاريتي مدركًا للفروق الدقيقة بين الألفاظ ومعانيها.
ومن هنا تأتي أهمية السؤال:
هل يمكن أن تكون "يا قِرْد' صدىً باهتًا لجذر أوغاريتي قديم؟
ماذا تقول النصوص لا الرغبة؟
حين نحتكم إلى العلم لا تكفي الجاذبية الثقافية للفكرة.
فالمعاجم الأوغاريتية الحديثة المبنية على قراءة دقيقة للرقم الفخارية لا تُظهر وجود جذر لفظي مطابق لـ (qrd) يؤدي وظيفة ندائية أو دلالية قريبة من الاستخدام الساحلي المعاصر.
ولا تظهر الكلمة ولا ما يشبهها وظيفيًا في:
النصوص الأسطورية
النصوص الطقسية
الوثائق الإدارية
ولا حتى في المعاجم الثنائية الأوغاريتية والأكادية..
في بعض النصوص الأوغاريتية تتكرر كلمة qrd / qrdm بصيغ مفرد وجمع في عدة ألواح وقد وردت هذه الصيغة في سياقات تحمل معنى "القادر.. العظيم" (أعظم القادرين) عند ذكر الإله بعل على سبيل المثال في أحد الألواح المعروفة (كـ KTU 1.3) والتي تَرجمت بتعبير يدل على لقب الإله العظيم القادر.
هذا الاستخدام لا يعني "القرد" الحيوان كما في العربية الحديثة بل هو تعبير عن القوة والقدرة في السياق الديني والملكي الأوغاريتي.
هل هناك علاقة بين "يا قرد" العامية والجذر الأوغاريتي؟
في لهجة ريف ساحلنا السوري كلمة "يا قرد" ليس لها دلالة قوة أو قدرة بهذا المعنى بل تأتي كنداء أو تعبير عامي بحت.
اللغة الأوغاريتية تعود لما قبل 3400 سنة.
واللهجة الساحلية الحالية تطورت بعد قرون طويلة من التعريب والاندماج مع العربية واللغات الأخرى.
لقد أثبتت الدراسات أن كثيرًا من مفردات الساحل قد ورثت بعض المفردات القديمة (مثل أيلي. هنه.. إلخ) لكن هذا لا يعني ارتباطًا مباشرًا بكلمة "يا قرد" تحديدًا ما لم يتوافر دليل نصّي مباشر.
إذن لماذا نشعر بأن هذه الكلمة قديمة؟
لأن القدم لا يكون دائمًا في الكلمة بل أحيانًا في الطريقة التي تُقال بها.
اللغات السامية منذ أقدم عصورها عرفت النداءات القصيرة المكثّفة صوتيًا التي تؤدي وظيفة انفعالية أكثر من دلالية. ومع مرور الزمن قد تنتقل هذه البنى إلى لغات لاحقة بينما تتغيّر جذورها ومعانيها.
هنا يمكن فهم "يا قِرْد" بوصفها:
تعبيرًا تداوليًا
تشكّل داخل العربية المحكية
لكنه نشأ في بيئة لغوية مشبعة بإرث سامي قديم حيث بقيت آلية النداء حتى بعد غياب الأصل.
ليس كل ما نشعر بقدمه قديمًا نصيًا.
وليست كل كلمة محببة أثرًا أوغاريتيًا.
العلم يعلّمنا التواضع أمام الطين المكتوب
والثقافة تسمح لنا أن نرى في اللهجة ظلّ التاريخ لا نصّه.
وهنا تكمن جماليات "يا قِرْد":
ليست كلمة أوغاريتية
لكنها وُلدت في أرض كانت اللغة فيها تُقدَّس
وحيث لم تكن الكلمة تُقال عبثًا.
"يا قِرْد" ليست رقيمًا فخاريًا
ولا جذرًا مفقودًا في معجم قديم
لكنها شاهد حيّ على أن اللهجات ليست انكسارًا للغة
بل استمرارها الإنساني الأكثر دفئًا.
ففي بعض الأحيان
ما يبقى من التاريخ
ليس ما كُتب.
بل ما قيل
ثم نُسي أصله
وبقي أثره.
عاشق اوغاريت.. غسان القيم..
𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
المراجع والمصادر العلمية التي استند إليها البحث.
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
غوردون. سي. هـ.
كتاب أوغاريت التعليمي (Ugaritic Textbook). روما، 1965.
ديترش. م. لورتز أ.. سانمارتين. ج.
النصوص الأبجدية المسمارية من أوغاريت (KTU / CTA).
باردي. د.
الطقوس والعبادة في أوغاريت (Ritual and Cult at Ugarit). أتلانتا 2002.
تروبر. ج.
قواعد اللغة الأوغاريتية (Ugaritic Grammar). مونستر 2000.
واتسون و. ج. إ.
دليل دراسات أوغاريت (Handbook of Ugaritic Studies). بريل، 1999.
هوهنغارد. ج.
مدخل إلى اللغات السامية (Introduction to Semitic Languages). جامعة هارفارد. 2011..
الصورة المرفقة بعدستي منظر عام لمدينة اوغاريت الأثرية مع إشراقة شمس الصباح الأولى..