الدستور العلوي.. نصٌّ متأخر يحمل أسماء المؤسسين ولا ينتمي إلى تأليفهم

نضال كامل

قراءة نقدية في المصدر واللغة والمضمون
ملخص
تتناول هذه الدراسة النص المتداول باسم الدستور العلوي أو كتاب المجموع، وتسأل عن إمكان نسبته إلى محمد بن نصير النميري أو الحسين بن حمدان الخصيبي. وتنتهي، استناداً إلى النقد التاريخي والداخلي، إلى أن هذه النسبة لا تقوم على مصدر معتبر، وأن الدستور بصيغته الحالية لا يمكن التعامل معه بوصفه أثراً من آثار أيٍّ من المؤسسين.
فلا توجد نسخة مخطوطة تعود إلى عصر ابن نصير أو الخصيبي، ولا سلسلة نصية موثقة تصل الكتاب بأحدهما، ولا شهادة مبكرة واضحة تسمي أحدهما مؤلفاً له. كما يحتوي النص على شخصيات ومراتب وصيغ تشكلت بعد ابن نصير، ويتحدث عن الخصيبي بلسان أتباع يقدسونه، لا بلسان مؤلف يكتب عن نفسه. ومن ثم فإن نسبة الدستور إليهما لا تتجاوز الاستناد إلى ورود اسميهما داخله، وهو استدلال لا قيمة له في تحقيق النصوص.
أما من الناحية اللغوية والفكرية، فيكشف الدستور عن تفاوت شديد، وضعف ظاهر في التركيب، وتكرار عقيم، وتضخم للأسماء والألقاب والسلاسل، مع غلبة المضمون الطقسي والشخصاني على البناء العرفاني. ولا ترقى قطاعات واسعة منه إلى مستوى الأسئلة الكونية والمعرفية التي ميزت مرحلة تأسيس العرفان العلوي. والأقرب أن الدستور نص جماعي متأخر، جُمعت فيه أدعية ومقولات ورواسب من عصور مختلفة، ثم أحيط بهالة المؤسسين كي يكتسب سلطتهم، لا لأنه خرج من أقلامهم.
مقدمة: النص المتاح لا يصبح نصاً أصيلاً بمجرد شرحه
لم يعد الدستور العلوي نصاً سرياً يصعب الوصول إليه. فقد صار متاحاً على شبكة الإنترنت، وظهرت تسجيلات وشروح تتناول قداديسه تباعاً، يقدمها أشخاص من داخل البيئة العلوية، ويعمل بعضهم على تفسير مفرداته وربطها بالبنية العقائدية العامة للعرفان العلوي.
وتُعد هذه الإتاحة تطوراً إيجابياً، لأنها تنقل النص من دائرة الحجب والاحتكار إلى فضاء القراءة والمناقشة. كما تسمح بالتعرف إليه بعيداً عن الاختزالات التي قدمها بعض الخصوم والباحثين المتأثرين بالأدبيات المللية القديمة.
غير أن توفر الدستور وشرح قداديسه لا يثبتان شيئاً في مسألة مصدره. فالشرح يفسر النص، لكنه لا يؤرخ له. وقدرة الشارح على بناء معنى متماسك لا تقدم مخطوطة قديمة، ولا تنشئ سلسلة نقل، ولا تحول النص المجهول المؤلف إلى أثر من آثار ابن نصير أو الخصيبي.
بل إن إخراج الدستور إلى العلن يجعل السؤال عن مصدره أكثر إلحاحاً. لم يعد ممكناً الدفاع عنه بحجة أن منتقديه لم يقرأوه أو لم يفهموا أسراره؛ فالنص بين أيدينا، وشروحه متاحة، ويمكن فحص لغته وتراكيبه ومضامينه ومقارنتها بما ينسب إلى مرحلة التأسيس.
وهذا الفحص يقود إلى نتيجة واضحة: الدستور المتداول لا ينتمي تأليفياً إلى محمد بن نصير، ولا إلى الحسين الخصيبي، ولا توجد قرينة مصدرية جدية تسمح بربطه بأي منهما.
لا مصدر يربط الدستور بابن نصير أو الخصيبي
>>> المشكلة الأولى والأكثر حسماً هي مشكلة المصدر.
لا توجد، بحسب المتاح، مخطوطة مؤرخة من عصر ابن نصير تحمل نص الدستور، ولا نسخة من عصر الخصيبي تنسبه إليه، ولا إجازة قديمة، ولا فهرس موثوق، ولا شهادة قريبة من زمنهما تقول إن أحدهما ألّف هذه القداسات.
هذه ليست ثغرة صغيرة يمكن تجاوزها بالتأويل، بل هي غياب شبه كامل للأساس الذي تقوم عليه أي نسبة تاريخية معتبرة.
فالنسبة العلمية للنصوص لا تثبت بورود اسم الشخصية داخلها، ولا بشيوع الاعتقاد بأن النص يعود إليها، ولا بقيام أجيال من الشيوخ بتلاوته. لا بد من وجود شواهد مبكرة، ومقارنات أسلوبية، وسلسلة مخطوطية، وإحالات من مؤلفين قريبين من زمن النص. وهذه العناصر غير متوافرة في حالة الدستور.
استحالة نسبة النص الحالي إلى محمد بن نصير
>>> نسبة الدستور بصيغته الحالية إلى محمد بن نصير ليست ضعيفة فقط، بل تكاد تكون مستحيلة تاريخياً.
فالنص يعكس عالماً تشكل بعد ابن نصير، ويضم شخصيات وسلاسل ومراتب لم تكن قد ظهرت أو اكتملت في حياته. ويتحدث من داخل تقليد صار فيه الخصيبي شيخاً مؤسساً، وانتظمت بعده شبكة من الناقلين والأبواب والشيوخ.
ولا يمكن لرجل من القرن التاسع أن يؤلف نصاً يقدس رجالاً عاشوا بعده، أو يصف بنية دينية اكتملت بعد وفاته. وهذه قرينة داخلية مباشرة على أن الكتاب، في شكله الحالي على الأقل، نشأ في زمن لاحق.
أما وجود دعاء منسوب إلى ابن نصير، فلا يثبت أنه كتب القداس الذي يحتويه. فقول النص: «روي عن محمد بن نصير» أو «قال محمد بن نصير» يضع ابن نصير في موقع المصدر المنقول عنه، لا في موقع المؤلف الجامع.
والتمييز هنا أساسي. فقد يحتوي كتاب متأخر على قول قديم صحيح، لكن صحة القول لا تثبت قدم الكتاب كله. وقد ينقل جامع مجهول دعاءً عن مؤسس، ثم يضيف إليه أسماءً وتعظيمات وصيغاً من عصره، من دون أن يصبح المؤسس مسؤولاً عن التركيب النهائي.
ولو قبلنا أن كل كتاب يحتوي قولاً منسوباً إلى شخصية هو من تأليفها، لأمكن نسبة مئات الكتب المتأخرة إلى الأنبياء والأئمة والحكماء لمجرد ورود أقوالهم فيها.
كذلك لا ينسجم المستوى الفكري العام لقطاعات واسعة من الدستور مع الموضوعات التي تنسب إلى المرحلة النميرية المبكرة. فابن نصير، في الصورة التي تنقلها عنه آثاره المنسوبة إليه، يتحرك ضمن مسائل الأكوار والأدوار، والمثال والصورة، والظهور، وانتقال النفس بين الصور، وعلاقة الحقيقة النورانية بالعالم المادي.
قد نختلف في تقويم هذه الأفكار، لكنها تحمل محاولة لبناء تصور كوني للوجود والإنسان والعودة. أما الدستور فيهبط في مواضع واسعة من هذا الأفق إلى رصف أسماء، وتكرار ألقاب، وتأكيد ولاءات، واستحضار سلاسل أشخاص.
ومن الصعب قبول أن صاحب التصور النوراني المؤسس هو نفسه صاحب كثير من هذه العبارات المفككة والتعدادات الطقسية الفقيرة. والأكثر معقولية أن بعض تعاليمه اختُزلت، ثم أُعيد إنتاجها على أيدي أتباع لم يمتلكوا مستواه المفهومي ولا قدرته على التجريد.
وعليه، لا ينبغي القول إن الدستور كتاب ابن نصير، ولا حتى إنه «منسوب إليه» من دون تحفظ شديد. الأدق أنه نص متأخر يستثمر اسم ابن نصير ويحتوي مواد تزعم النقل عنه، من غير أن يقدم أي دليل على صدورها عنه بصيغتها الحالية.
استحالة نسبة الدستور إلى الحسين الخصيبي
>>> لا تبدو نسبة الدستور إلى الخصيبي أكثر تماسكاً.
فالخصيبي حاضر في النص بوصفه شيخاً وسيداً ومرشداً ومؤسساً يُمجد ويُستحضر. وهذه لغة أتباع يتحدثون عن مؤسسهم بعد أن استقرت مكانته، لا لغة رجل يؤلف كتاباً عن نفسه.
قد يلجأ المؤلف القديم أحياناً إلى الحديث عن نفسه بضمير الغائب، لكن هذا الاحتمال لا يفسر البنية الكاملة للدستور، ولا موقع الخصيبي داخله، ولا إدخاله ضمن سلسلة طقسية وتاريخية نمت بعد وفاته. كما لا يفسر وجود مواد تمثل نزاعات وتطورات تعود إلى مراحل تالية.
الأهم أن اسم المجموع لا يظهر ضمن المؤلفات المعروفة للخصيبي بصورة موثوقة. ولا توجد نسخة قديمة تحمل توقيعه أو إسناداً قريباً من عصره. أما ما ظهر في بعض الفهارس المتأخرة من نسبة الكتاب إليه، فلا يكفي أمام غياب المصدر الأولي، وخاصة عندما تكون النسبة نفسها مبنية على الظن أو على حضور اسمه في المتن.
ومن الناحية الأسلوبية، يصعب جداً أن يكون مؤلف أعمال ذات بناء سردي وعقائدي واسع هو نفسه صاحب كل ما في الدستور من تراكيب ضعيفة وتعدادات مترهلة وقفزات لغوية غير منضبطة.
لا يعني ذلك أن كل ما نسب إلى الخصيبي رفيع بالضرورة، ولا أن المؤلف الكبير لا يكتب نصاً بسيطاً. لكن البساطة شيء، والركاكة شيء آخر. واللغة الطقسية شيء، والعجز عن بناء جملة مستقرة أو فكرة متصلة شيء آخر.
تضم القداسات مواضع يتكدس فيها النعت فوق النعت، والاسم فوق الاسم، من دون أن ينتج التراكم معنى متصاعداً. وهناك انتقالات لا يقوم بينها رابط فكري ظاهر، وتكرار لعبارات لا يضيف طبقة جديدة، واستبدال للأسماء داخل القالب نفسه كما لو أن النص قابل للتمديد إلى ما لا نهاية.
هذه ليست سمات قلم مؤسس واحد، بل سمات نص جرى تركيبه بالتجميع والإلحاق.
وقد يكون في الدستور صدى لترانيم خصيبية، أو جمل مأخوذة من مجالسه، أو تصورات تبلورت في مدرسته، لكن الصدى ليس تأليفاً، والانتماء إلى المدرسة ليس دليلاً على الكتابة، والاقتباس لا يحول الكتاب كله إلى أثر من آثار المقتبس منه.
بل يرجح أن حضور الخصيبي في الدستور هو حضور المصدر المقدس الذي يستمد منه النص شرعيته، لا حضور المؤلف الذي صاغه. لقد وُضع اسمه في موضع يمنح الكلام سلطة، تماماً كما وضعت أسماء المؤسسين في نصوص دينية كثيرة ظهرت بعدهم.
ليست لغة قروسطية فقط، بل لغة متهافتة في مواضع واسعة
قد يحاول البعض الدفاع عن لغة الدستور بالقول إنها لغة قروسطية، وإنه لا يجوز قياسها بمعايير العربية الحديثة. لكن هذا الدفاع غير مقنع؛ لأن التراث العربي في القرون الوسطى مليء بنصوص عالية الصياغة، دقيقة المفاهيم، متماسكة البناء، بما فيها نصوص فلسفية وعرفانية وطقسية.
>>> المشكلة ليست في قدم اللغة، وإنما في ضعفها.
فالعبارة في مواضع كثيرة لا تنمو فكرياً، بل تنتفخ لفظياً. تتراكم الصفات، وتتعاقب الألقاب، ويستمر النداء، من دون أن يتحقق تقدم في المعنى. وكأن كثرة الكلمات تحاول ستر فقر الفكرة.
كما يشيع التكرار الذي لا يؤدي وظيفة بلاغية أو معرفية واضحة. ليس تكراراً فنياً يبني إيقاعاً تصاعدياً أو يعمق الدلالة، بل إعادة شبه آلية للقالب نفسه مع تبديل الأسماء والمراتب.
وفي أجزاء أخرى تبدو الجملة مفككة، وعلاقاتها النحوية رخوة، وانتقالاتها فجائية، بحيث يضطر الشارح إلى إعادة تركيب المعنى من خارج العبارة. وهنا يصبح الشرح عملية إنقاذ للنص أكثر منه كشفاً لما يقوله.
قد يمنح الشارح مقطعاً مضطرباً معنى عرفانياً عميقاً، لأنه يعرف مسبقاً منظومة المعنى والاسم والباب والظهور والاحتجاب، ثم يسقط هذه المنظومة على العبارات. لكن من الضروري التمييز بين عمق المنظومة التي يحملها الشارح وبين المستوى الفعلي للمتن الذي يشرحه.
ليس كل غموض عمقاً، وليس كل اضطراب سراً، وليس كل عبارة مستغلقة حاملة لمعرفة باطنية. أحياناً يكون الغموض غموضاً فحسب، والاضطراب نتيجة ضعف في الصياغة، والاستغلاق ثمرة نص جمعه أشخاص متفاوتو المعرفة والقدرة.
والتقديس هو الذي جعل هذه العيوب تُقرأ على أنها أسرار، بدلاً من الاعتراف بأنها عيوب نصية.
مضمون يغلب عليه التكديس لا العرفان
>>> لا تقف المشكلة عند اللغة، بل تمتد إلى المضمون.
فالعرفان، في معناه العميق، يفترض رؤية تتناول أصل الوجود، وطبيعة النفس، وعلاقتها بالجسد، ومعنى الهبوط والعودة، والظاهر والباطن، والتجلي والاحتجاب، وعلاقة الواحد بتعدد الصور.
أما في قطاعات واسعة من الدستور، فإن هذه القضايا تتراجع أمام معرفة الأسماء، وحفظ السلاسل، وترتيب المراتب، وتمجيد الشيوخ، وتكرار عبارات الولاء.
يتحول العرفان من معرفة وجودية إلى ذاكرة للأشخاص. ويغدو السر ليس فهماً لطبيعة الوجود، بل معلومة تتعلق باسم أو مرتبة أو سلسلة. ويصبح الشيخ، الذي يفترض أن يدل المريد إلى المعنى، موضوعاً للتقديس يكاد يحل محل المعنى نفسه.
كما ترد الأعداد والحروف والأسماء الفلكية والجهات والرموز في بعض المقاطع من دون أن يقدم النص دائماً نظاماً مفهوماً يربط بينها. ويضطر الشارح إلى إعادة بنائها ضمن هندسة رمزية متكاملة لا تظهر في العبارة نفسها.
وليس من المقبول اعتبار كل قائمة أعداد فلسفة، وكل مجموعة أسماء نظاماً عرفانياً، وكل مطابقة بين كوكب وشخص أو جهة معرفة باطنية. فالرمز لا يكتسب قيمته من غرابته، بل من موقعه داخل بناء قابل للفهم.
وعندما ينفصل الرمز عن منطقه يصبح طلسمًا. وعندما يُحفظ الاسم من دون فهم علاقته بالمفهوم يتحول العرفان إلى معجم مغلق. وهذا ما يقع فيه الدستور مراراً: مفردات كبيرة، ولكن العلاقات بينها ضعيفة؛ أسماء مقدسة كثيرة، ولكن الفكرة التي توحدها شاحبة أو مستعارة من شروح لاحقة.
من العرفان المؤسس إلى التدين الطقسي الشعبي
يبدو الدستور، في أجزاء واسعة منه، شاهداً على مرحلة تراجع فيها العرفان المؤسس إلى تدين طقسي شعبي.
فالمفاهيم التي ربما بدأت بوصفها محاولات لفهم علاقة المطلق بالعالم، تحولت إلى صيغ للحفظ والترديد. والثلاثية التي يمكن النظر إليها بوصفها تصوراً للمعنى والتجلي والوساطة، تحولت في مواضع إلى أسماء ثابتة تُذكر من دون شرح حقيقي لبنيتها.
والأكوار والأدوار، بما تمثله من تصور لحركة الوجود والزمن والظهور، لا تحضر في الدستور دائماً بوصفها نظرية، بل بوصفها خلفية غائمة لأسماء وصيغ شعائرية.
حتى مفهوم السر لم يعد سراً معرفياً يغير رؤية الإنسان إلى العالم، بل أصبح في كثير من الأحيان ملكية مغلقة تحتفظ بها السلسلة، ويكتسب المريد قيمته من اتصاله بالناقلين لا من تحوله المعرفي.
هذا التحول مفهوم تاريخياً، لكنه ليس تقدماً عرفانياً. إنه تراجع من الفكرة إلى الطقس، ومن السؤال إلى الحفظ، ومن التجربة إلى السلطة.
ولذلك لا يمثل الدستور بالضرورة العرفان الذي جاء به المؤسسون، بل يمثل ما فعله الأتباع بذلك العرفان بعد أن جمدوه في قوالب، وخلطوه بالتقاليد المحلية، وحولوا بقاياه إلى نصوص تلقينية متفاوتة القيمة.
الشخصانية بوصفها انحرافاً عن مركزية المعنى
تُعد الشخصانية من أكثر سمات الدستور وضوحاً. فالنص شديد الانشغال بالأشخاص والمراتب وسلاسل النقل، حتى يبدو أحياناً أن الطريق إلى الحقيقة لا يمر عبر المعرفة، بل عبر معرفة من يملكها ومن تلقاها عن من.
يمكن تفسير ذلك بحياة الجماعة ضمن السرية والاضطهاد، حيث كانت السلسلة البشرية وسيلة لحماية النصوص وضمان الولاء. لكن هذا التفسير لا يغير طبيعة النتيجة: لقد تحولت وسيلة الحفظ إلى سلطة، وتحول الشيخ من ناقل للمعنى إلى مركز له.
وفي العرفان الحقيقي لا ينبغي أن يحجب الدليلُ الطريقَ، ولا أن يحل الشيخ محل الحقيقة التي يشير إليها. أما الدستور فيمنح الأشخاص حضوراً يفوق أحياناً حضور المفاهيم، ويجعل من تذكرهم واستحضارهم والولاء لهم جزءاً مركزياً من التجربة الطقسية.
هذا التضخم لا يبدو امتداداً طبيعياً لعرفان يسعى إلى تجاوز الصورة نحو المعنى، بل نكوصاً إلى صورة بشرية جديدة. فبدلاً من التحرر من أسر الظاهر، يُستبدل ظاهر ديني بظاهر شخصاني أكثر انغلاقاً.
ويصبح السؤال: من شيخك؟ ومن أي سلسلة تلقيت؟ أهم من السؤال: ماذا عرفت؟ وكيف تغير وعيك؟ وما معنى النفس والعودة والظهور؟
وهنا يفقد العرفان وظيفته التحررية، ويتحول إلى نظام انتماء وطاعة.
الشروح المعاصرة قد تكون أرفع من النص الذي تشرحه
تستحق شروح الدستور المعاصرة الدراسة، لأنها تكشف كيف يسعى بعض العلويين اليوم إلى استعادة نصوصهم وإعادة تأويلها. وقد يقدم بعض الشراح اجتهاداً جدياً، ويربطون القداسات بمفاهيم فلسفية وعرفانية واسعة.
لكن المفارقة أن الشرح قد يكون في كثير من الأحيان أرفع من النص.
فالشارح المعاصر ينتمي إلى زمن صار فيه الوصول إلى الفلسفة والغنوص والأفلاطونية والهرمسية والتراث الباطني أكثر سهولة. وهو يستطيع أن يعيد قراءة العبارة ضمن شبكة مفاهيم لم يصغها النص بوضوح.
وبذلك قد يمنح التكرار بنية، والقائمة نظاماً، والرمز المبعثر فلسفة. ويبدو المتن عميقاً لأن الشرح عميق، لا لأن العبارة نفسها تحمل هذا العمق.
ولا يعد هذا اعتراضاً على حق الشارح في التأويل، لكنه يمنع استخدام التأويل لإثبات المصدر. فالشارح الذي يعيد بناء نص ضعيف لا يثبت أن ابن نصير أو الخصيبي كتباه؛ بل قد يثبت أن العقل المعاصر قادر على إنقاذ نص تراثي من محدوديته.
كما أن اختلاف الشروح دليل على أن المضمون ليس محكماً دائماً. فلو كان النص يقدم بنية معرفية واضحة، لما احتاج كل شارح إلى إعادة تأسيسها بطريقته.
كيف تشكل الدستور على الأرجح؟
الأقرب أن الدستور نص متأخر ومتعدد الطبقات، لا أثر من آثار مؤلف واحد.
ربما احتفظ بأدعية قصيرة أو عبارات منسوبة إلى ابن نصير. وربما دخلت فيه ترانيم أو تصورات من مدرسة الخصيبي. ثم أعاد تلامذة المؤسسين ومن جاء بعدهم جمع هذه المواد، وأضافوا إليها أسماء الشيوخ، وسلاسل التلقين، وصيغ الاحتفال والولاء.
ومع مرور الزمن، جرى دمج نصوص مختلفة الوظيفة: دعاء، وتعليم، وإنشاد، وإسناد، وتعظيم، ولعن، وتعداد مراتب. ولم يكن الجامع الأدبي أو الفكري هو الأساس، بل الاستعمال الطقسي.
كان المهم أن يُتلى النص ويحفظ ويؤدي وظيفته في الجماعة، لا أن يحافظ على وحدة المؤلف أو صفاء اللغة أو الانسجام الفلسفي.
وهكذا صار الدستور مستودعاً لرواسب متعددة، بعضها قديم وبعضها متأخر، بعضها يحمل أثراً عرفانياً وبعضها يعكس تديناً شعبياً محلياً، وبعضها لا يتجاوز سلطة الشيخ الذي أدخله أو نقله.
هذه الطبيعة التراكمية هي التي تفسر تفاوت مستواه، وتضارب أصواته، واجتماع العبارة الرمزية مع التركيب الركيك، والفكرة القديمة مع الإضافة الشخصية، والمفهوم العرفاني مع الطقس الجامد.
ليس تزويراً حديثاً، لكنه ليس نص المؤسسين
لا تتطلب هذه النتيجة الادعاء بأن الدستور اختُرع حديثاً أو ألّفه شخص واحد بقصد الخداع. قد يكون النص علوياً من حيث بيئة التداول، وقد يحتوي مواد قديمة، وقد أدّى وظيفة طقسية حقيقية داخل الجماعة.
لكن الانتماء إلى التراث لا يساوي الانتماء إلى المؤسس.
هناك فرق بين القول إن الدستور نص استخدمته جماعات علوية، والقول إن ابن نصير أو الخصيبي كتبه. الأول ممكن ومحتمل، والثاني غير مثبت، بل تنفيه القرائن الداخلية والتاريخية إلى حد بعيد.
والمشكلة أن النص اكتسب، مع مرور الزمن، سلطة لم تأت من لغته ولا من عمق مضمونه، بل من ربطه بأسماء المؤسسين. وكأن النص احتاج إلى اسم ابن نصير والخصيبي لكي يغطي ضعف مصدره وتفاوت محتواه.
وهذا نمط معروف في تاريخ الأديان: كلما ابتعد النص زمنياً عن المؤسس، ازدادت حاجته إلى استحضار اسمه وإسناد الكلام إليه.
خاتمة: تحرير العرفان العلوي من عبء الدستور
لا توجد حجة مصدرية معتبرة تسمح بنسبة الدستور المتداول إلى محمد بن نصير أو الحسين بن حمدان الخصيبي. بل إن القرائن المتاحة تقود إلى استبعاد هذه النسبة.
فالنص لا يملك شاهداً مخطوطياً قريباً من عصرهما، ولا سلسلة تأليف واضحة، ولا شهادة مبكرة تسمي أحدهما مؤلفاً. كما يتضمن عناصر تاريخية وشخصيات جاءت بعد ابن نصير، ويتحدث عن الخصيبي بلسان جماعة تقدسه بعد أن اكتملت مكانته.
لذلك فإن القول إن ابن نصير أو الخصيبي ألّفا الدستور ليس استنتاجاً تاريخياً، بل اعتقاد تقليدي لا يسنده المصدر.
أما اللغة، فتتراوح بين البساطة والركاكة، وتغلب عليها في مواضع كثيرة تراكيب ضعيفة وتكرارات مترهلة وتكديس للأسماء والصفات. ولا يصح تحويل كل عيب لغوي إلى سر باطني، ولا اعتبار كل غموض دليلاً على العمق.
وأما المضمون، فينحدر مراراً من العرفان إلى التلقين، ومن الفكرة إلى الاسم، ومن الرمز إلى الطلسم، ومن التجربة المعرفية إلى الولاء الشخصاني. ولا ترقى أجزاء واسعة منه إلى مستوى الأسئلة الكونية التي ميزت مرحلة تأسيس العرفان العلوي.
قد نجد فيه شذرات قديمة وأصداء نميرية وخصيبية، لكن هذه الشذرات غارقة في بناء متأخر لا يمكن فصل طبقاته بسهولة. وهي لا تجعل ابن نصير أو الخصيبي مسؤولين عن اللغة المضطربة، ولا عن التراكيب الفجة، ولا عن الشخصانية والمضامين الطقسية التي تراكمت بعدهما.
الدستور ليس كتاب ابن نصير، وليس كتاب الخصيبي، ولا ينبغي تقديمه على أنه التعبير الأعلى عن عرفانهما. إنه نص جماعي مجهول الجامع، تكون في أزمنة لاحقة، واحتفظ ببعض أسماء المؤسسين وأفكارهم بعد أن أخضعها لمنطق الطقس والسلطة والتلقين.
وتحرير العرفان العلوي اليوم يقتضي تحريره من عبء هذا النص، لا بحذفه من التاريخ، بل بوضعه في مكانه الصحيح: وثيقة عن تطور الجماعة وطقوسها، لا وثيقة تأسيسية تمثل المستوى الفكري للمؤسسين.
إن الدفاع عن العرفان العلوي لا يكون بتقديس كل ما تراكم باسمه، بل بالتمييز الصريح بين لحظته المعرفية المؤسسة وبين ما لحق بها من ضعف لغوي، وفقر مفهومي، وتضخم شخصاني، وقوالب طقسية لا يليق تحميلها لابن نصير أو الخصيبي.