دَولَةُ بني عمّار

زين العابدين رمضان

{الإمارَةُ العَلَوِيَّةُ في طرابُلسَ الشّام - دَولَةُ بني عمّار}
تذكُرُ المصادِرُ: أنَّ الأُسرةَ العربيّةَ التي حَكمَت طرابلسَ في أواخِرِ الحُكمِ الفاطِمِيّ لِسوريّةَ كان أهمُّ حُكّامِها:
1- أبو الحسن عمّار بنُ مُحَمَّدٍ (والمعروف بالأمير الوزير - رئيس الرؤساء خطير الملك)، وهو مؤسّسُ إمارةِ بني عَمّارٍ في طرابلسَ، وَقُتل عام (412 هـ - 1021م)، وَكانَ سابِقاّ يتولّى ديوانَ الإنشاءِ بِمِصرَ.
2- أبو طالب مُحَمَّد بنُ أحمد بنُ عَمّارٍ. كان رئيساً على طرابلسَ عام (420 هـ - 1029م/ 435 هـ - 1044م).
3- عبد اللَّه بنُ مُحَمَّدٍ بنُ عَمّارٍ المعروف بالقاضي الجليل أبي طالب المُتَوَفّى عام (464 هـ - 1072م)، وَلُقِّبَ بأمينِ الدَّولة. لَهُ كتابٌ في الفِقهِ صنَّفَ له أبو الفتح الكراجكي. وقد حَكَمَ أمينُ الدَّولة منذ أربعينيات القرن الخامس الهجري، واستمرَّ بوَلائِه إلى الخِلافةَ الفاطِمِيّةَ حتّى عام (457 هـ - 1065م) حيثُ بدأ بِحُكمٍ شِبهِ مُستَقِلّ ٍ حتى عام (426 هـ - 1070م)، وَفي هذهِ السنةِ استقلَّ تماماً عَنِ الدَّولة الفاطِمِيّةِ. وَقد توفّيَ عام (464 هـ - 1072م). وَكانَ قد ألَّفَ العديدَ من الكُتبِ النّفيسَةِ٤. وأصبَحَت طرابلسُ عِبارَةً عن خزائنَ كُتُبٍ موقوفةٍ للصّالِحِ العام (دار العِلم)، وَتَضُمُّ أكثرَ مِن مئةِ ألفِ مُجَلَّدٍ.
يقولُ سِبطُ الجَوزي عنهُ:
"القاضي أمينُ الدَّولة الحاكِمُ على طرابلسَ، وَالمُتَوَلّي عليها كانَ عظيمَ الصَّدَقةِ كثيرَ المُراعاةِ العلويّينَ تفرَّدَ بذلك في زمانِه، وَلَم يُدانيهِ أحَدٌ مِن أقرانِه".
وَتولّى الحُكمَ بعدَهُ ابن أخيهِ جلال الملك، وَحكمَ لِحين وفاتِه عام (492 هـ - 1100م).
وَحَكمَ بعدَهُ أخوهُ فخر الملك الذي صَمَدَ أمامَ هجوم الصّليبيّينَ على طرابلس لمدَّةِ ثلاثِ عشرةِ سنة؛ أي حتّى سقطت بأيديهم عام (502 هـ - 1109م). وَكانَ في عام (501 هـ - 1108م) قد ذهب إلى دمشقَ، وَبغدادَ لِطَلَبِ النَّجدَةِ ضِدَّ الصَّليبيِّينَ، وَلكنَّهُ لَم يَحصلْ على شيءٍ، وَأثناءَ غيابِهِ نابَ عنهُ في حُكمِ طرابلس ابن عمّه شمس الملك ابن أمين الدَّولة المعروف بأبي المناقِب.
كانت دولةُ أسرة بني عمّار تمتَدُّ مِن جبلةَ حتّى جُبيل. اهتمّوا بالعِلمِ، وَأنشَؤوا داراً لها كان مؤلّفاً مِن عدَّةِ قاعاتٍ، وَأجنحةٍ، وَخزائنَ كُتُبٍ، وَوَصَلَ عَدَدُ مُجَلَّداتِهِ إلى ثلاثِ ملايينَ مُجلَّدٍ قام الصليبيّونَ بِحَرقِهِ عندَ احتلالِ مدينة طرابلس.
لَم يغفَل بنو عمّار النواحي العمرانيّة في إمارتِهم، وَمِن أهمّ ِ ما عَنوا به المشاريع المائيّة، فأمَّنوا إلى طرابلسَ رَيّاً مُنَظَّماً مِنَ النهرِ الذي عُرِفَ بعد ذلك باسمِ نهر أبو علي، وَما يزالُ حتّى يومنا هذا يُعرَفُ بهذا الاسمِ، وَهو نهرُ قاديشا الذي يَفيضُ، فَيُحدِثُ أضراراً، وَلا يُنتَفَعُ منهُ، فَوَضَعَ أبو علي فخر الملك خُطَّةً إنمائيّةً تُنَظِّمُ أمورَ النهر، وتَمنَعُ فَيَضانَهُ، وَتُجَرُّ في قنواتِ الرَّيّ، فعادَ إلى المدينة، وَمنطقتِها بالخَيرِ العميم.
وَقَدِ امتدَّت آثارُ بني عمّار إلى خارجِ إمارتِهم، فَهُمُ الذينَ بَنوا الجِهةَ الشَّرقيّةَ مِنَ الجامعِ الكبير في مدينة حلبَ، وَكانوا يبعَثونَ القُضاةَ، وَالخُطباءَ إلى المُدُنِ الشَّاميّةِ.
وَكانتِ الصِّلة بين دولة بني عمّار، وَأختها الدولة الحمدانيّة على أوثقِ الصلَةِ وَالتَّرابُطِ، فكانت حامِيَةَ ظهر الدولة الحمدانيّة؛ للتفرُّغِ للدِّفاعِ عَنِ الثُّغورِ الشِّماليّةِ، وَلِتَرُدَّ هجمات الرّوم عَنِ الأراضي العربيّةِ في الشمالِ، فَنَعَمَ سيفُ الدَّولةِ مِن خلالِ ذلك بقِسطٍ كبيرٍ مِنَ الطّمَأنينةِ، وَضَمِنَ الحُدودَ الغربية، وَتفرَّغَ للحدودِ الشمالية.
وَذُكر:
أنَّ القاضي أبو طالب الحسن بن عمّار (من المدرسة العرفانيّة).
وَعُرِفَ أيضاً من بني عَمّارٍ:
أبو الوقار المُحسِن بن عمّار الذي رَبَطَتْهُ علاقة روحية مع ناصحِ الدَّولة جَيش بن محرز المتوَفّى عام (499 هـ - 1106م).١
------------------------------------------------------------
١ (التاريخُ المَستور في مسائلِ الشَّيخ المنصور لِلكاتِبِ الطَّرابُلسي؛ زين العابدين أحمد رمضان).