يوسف الرداد الحلبي مناظر ونص ومقام في جبال الساحل السوري.. ج1

سيمون خالد علي

اسم له اكثر من صيغة
في الأوراق التي حفظت خبره يستقر الشيخ على أكثر من اسم، فتتقدم صيغة على أخرى بحسب المصدر والمناسبة يوسف بن العجوز، والحلبي، والنشابي، والرداد. والصيغة المثبتة هي الشيخ يوسف بن العجوز الحلبي، المعروف بالنشابي والرداد، حلقته العلمية والاجتماعية جزء من شبكة أوسع ارتبطت بحلب، أما ابن العجوز فهو لقب أسري توارثه بيته أو اسم تداوله أهل قريته، وتبقى الصيغة الشيخ العجوز، محتملة أن تكون وصف سن، وأما النشابي فثابت في فهرسة مخطوط باريس العربي 1450، ومعناه أقرب في العربية إلى صناعة النشاب أو بيعه، وأما الرداد فصيغة مبالغة من الرد تنسجم مع اشتغاله بالمناظرة وبناء رسالته على أبواب الرد، ، ويجمع كتاب سفيرة الخواطر والفكر النائر أجزاء الاسم في تركيب واحد يقارب الرداد الحلبي ابن العجوز، فيقوي أن الجميع رجل واحد ، بينما يبقى وصف يوسف الرداد الراوي في بعض الملخصات مجال تساؤل.
عاش يوسف في القرن الثالث عشر للميلاد، الموافق للسابع الهجري، من غير تاريخ مولد أو وفاة مؤكد. ويتداول الخبر أرقاما مولد سنة 622هـ، ووفاة سنة 683 أو 684هـ، وفي نقل آخر 694هـ، وخروج من حران أو من موضع يسمى بلد الزمام، ومقتل والده على يد الفرنجة، ونشأته يتيما عند والدته، وحفظ القرآن وتعلم الخط والنسخ والفقه والطب والهندسة والجبر والحساب والهيئة والمنطق والفلسفة والنجوم والعلوم الروحانية، ووصفه بالفيلسوف الموحد والعالم النحرير والشيخ المجاهد، وقراءة ديب علي حسن التي تضع طرفي حياته في سنتي 1202 و1264 للهجرة بحاجه الى بحث، فالرقمان مضطربان فيما بينهما ولم يراجع أصلهما، ويزيد الحذر أن أولهما يقع قريبا من زمن نسخ القسم الأكبر من المجموع الباريسي بين 1208 و1211هـ،
وتحيط بأصله روايات هوية وبيت ،عشيرة حلبية إدريسية حسنية دخلت في العلوية ثم انتقلت إلى جبل الحلو، وتصديه للإسحاقية، وظهور تعبير بيت الرداد في مواد حديثة ومشجرات بانواسية ، وترد إشارتان شديدتا الضعف إلى رابعة خاتون بنت يوسف الرداد وإلى أمينة خاتون، وتقابل رواية عدم زواجه رواية أخرى تجعله جدا لآل السباعي، والتعارض قائم ، وقد عرفت جبال الساحل بعده أكثر من رجل يحمل اسما قريبا من اسمه، وموضع فرزهم في آخر هذه السيرة عند الكلام على المقامات.
الخوصة وبلاد المناصف وحلقة المريح
تفتتح المصادر خبره من قرية الخوصة من بلاد المناصف، أول قاعدة معروفة لنشاطه ، وهي داخل شبكة جبلية ممتدة بين المناصف وصافيتا والقليعة، فخالط أهل المناصف وأهل الجبال والسواحل وعرف مذاهبهم وطرائقهم. ويفهم وصفه بالغريب غربة عن البلدة التي وقع فيها النزاع، و ليس عن بلاد المناصف كلها.
ومعلمه المباشر الوحيد المعروف بالاسم هو جامع، من قرية المريح من أعمال صافيتا، شهد له في بعض مسائل التوحيد وأوصاه بمجانبة أصحاب العقول الفاسدة، وتصفه نقول متأخرة، منها ما يجعله سابقا لقيام ربيعة بن نصر، بأنه إمام الجبل، و فهم اللقب مكانة تعليمية كبيرة داخل رواية الحلقة ، و تروي الرسالة اجتماعا آخر جمع الرجلين في قرية ديرونا من بلد القليعة حضره عبد الله من قرية الجريص، شاهد مناظرة، أو تلميذ في طور التكوين، أو صاحب المنزل، أو ناقل نقل الخبر بعد ذلك.
تعليمه لم يجر في مدرسة ثابتة واحدة، المعلم من المريح، ويوسف من دائرة الخوصة والمناصف، والشاهد من الجريص، والاجتماع في ديرونا، وتظهر شبكة جبلية ساحلية تتحرك بين صافيتا والقليعة والمناصف. ومن ترتيب الأخبار يظهر أن تكوينه جمع التلقي عن معلمه، ومجالس السؤال والجواب بين القرى، والمناظرة أمام شهود من خارج حلقته، ومعرفة عملية بمذاهب أهل الجبل والساحل، وقراءة مقالات الخصوم والرد عليها.
ثم توفي جامع فورث موقعه في الإمامة أو المشيخة المحلية موسى بن أيوب من قرية الجبيب(الجباب) ، ولم يكن موسى شيخا ليوسف بأي معنى، وبدأ الخلاف من وشاية حملها أنصار موسى إليه أن هذا الرجل الغريب الفقير الذي لا يعرف له مال قد مالت إليه قلوب الناس وهم أقدم منه في البلدة، وأنهم سنده وأتباعه، وأنه يزري بشيخهم ويسبه ويشمت بهم الأعداء، وأنه بدل وغير وصايا جامع ونهيه عن مجافاته. وقيمة العبارة في ما تكشفه رغم أنف قائلها أن يوسف بلغ موضعه بالمناظرة والقبول العلمي ، وأن خصومه اضطروا إلى الاعتراف بميل الناس إليه حين حاولوا تفسيره. فاجتمع في أصل الخصومة صراع على ميراث المشيخة وقبول الناس قبل أن تتحول إلى خلاف في الصورة والمعنى والنور امتلك موسى صفة الخليفة وسند أنصاره، وامتلك يوسف تزكية المعلم في مسائل التوحيد وقبولا متناميا في القرى. وبلغ في هذا الطور موضع صاحب القول المستقل الذي يرى نفسه حافظا لإرث جامع الصحيح، في مدة يبدو من ترتيب الرواية أنها لم تطل، وهو ما يفسر جزءا من حدة الوشاية.
مجلس أسفين
أسفين موضع في غربي حمص، توضع في النصوص في بلاد الحولة والمناصفة على مسافة تقارب ست ساعات شمال حمص، متصلة بشين وجبل الحلو وقرية الصويري وبلاد المناصف. ، و بعض من تتبع الاسم توصّل الى بقاءه في موضع يعرف بخربة أسفين، ويقوي ذلك أن الاسم من أسرة أسماء المجال المنتهية بياء ونون كشين وبرشين ومريمين وبعرين ومعرين، وتضم ناحية شين اليوم الصويري وجبلايا وجب البستان، وتضم ناحية خربة تين نور المجاورة لفتايا وقزحل وربيعة.
اعتاد أهل تلك القرى أن يفدوا إلى أسفين حين يشتد بينهم خلاف يحتاج إلى حكم يقبله الطرفان، وأن يرسلوا صبيانهم إلى حلقاتها ليتعلموا الخط والقراءة. فحين وفد يوسف حاملا قوله المخالف دخل مجلسا له رجاله وحكامه المعروفون. وكان ربيعة بن نصر، وترد نسبته العصيدة أو العصيدي، صاحب المكانة فيه ورأس الخصومة، ويصفه نص الخصومة نفسه بالمكابرة وسوء الظن وطلب مجالس الرئاسة والحكم بغير سياسة، ويقف بيت الرئاسة في أسفين فرعا مستقلا يتقدمه أخوان ربيعة، وأخوه الرئيس سالم، وترد صيغة صالح في بعض النسخ، وهو من أوائل من مالوا إلى قول يوسف من أهل بيت ربيعة فمال معه أتباعه الذين كانوا يأتمون به، وحضر المجلس المعلم جبرين، من كبار الحاضرين سنا وأقدمهم سماعا وعلما، مع تعدد صيغ اسمه. وحمل عسكر بن مسلم لقب المعلم والنقيب وكان من أوائل المؤيدين، والنقابة عندهم وظيفة تنظيم وتمثيل داخل الجماعة.
وأما الاسم الأهم فهو علي بن منصور المؤدب، المعروف فيما بعد بالصويري، كان من أهل ربيعة وأقاربه، وشابا يعلم صبيان المجلس الخط والقراءة، عد أصغر الجماعة سنا وأكبرهم فهما أو أفقههم علما بحسب اختلاف النقل. استدعاه ربيعة ليسمع القولين ثم يصدر حكما تثق به قرابته، ولم يكن حين استدعي تابعا ليوسف ولا معروفا بميل نحو قوله. فسمع القولين ثم شهد أن الحق مع يوسف. وقيمة الشهادة في صدورها عن رجل قريب من بيت الخصم ، فترتيب السماع ثم الحكم هو ما يميز موقفه من انحياز مسبق كان يرجى منه بحكم القرابة. فقابله ربيعة بالتكفير أو الاتهام ، فثبت على موقفه، ثم مال أكثر أهل القرى المحيطة إلى قول يوسف، ثم ذلك أقامه يوسف نائبا بين أهل القرى، وهي أول وظيفة عامة معروفة له تتجاوز تعليم الصبيان، وأقرب فهمها أنها جمعت التمثيل والتعليم والوساطة والتنظيم.
وخبر المجلس محفوظ في ثلاثة مصادر متفاوتة المنزلة. الأقرب إلى الواقعة والأصل النصي الأهم هو الرسالة الردادية، وتثبت أسماء يوسف وربيعة وجبرين وعسكر وعلي في موضع واحد. وأما قلائد الدرر وبهجة الصور لحسين أحمد، المؤلف في نحو سنة 1858 للميلاد، فمصدر من القرن التاسع عشر يقدم ترتيبا أوسع لرجال أسفين ولقرابة علي بربيعة، ويعد أول من اتبع الرداد من أهل ربيعة أخاه الرئيس سالم، ثم المعلم جبرين بن أبي محمد، ثم المعلم عسكر، ويقدم إمامة جامع المريح على قيام ربيعة، وأما ما نقله محمود سليمان رمضان فيحفظ عبارة اجتماع في قرية أسفين حضره الرئيس سالم والمعلم جبرين بحضرة يوسف، فيقوي قراءة سالم على صالح ويجمع الأسماء في مجلس واحد، وتنقل حقائق التبيين في نسب المسلمين العلويين، عبارة تجعل عليا في عصر المتكلم وتصفه بأنه أصغرهم سنا وأكبرهم علما وفهما، وتعرفه بصيغة أبي الحسن علي بن منصور الملقب بالصويري، فتقوي صورة النبوغ المبكر والمؤاخاة.
يحفظ كتاب المناظرات والردود في جزئه الثاني، من سلسلة التراث العلوي في المجلد الثاني عشر، فهرسا يسجل، «مناظرة الشيخ العجوز الرداد مع العصبة الحاتمية بقيادة حاتم الحنفية سنة 665هـ»، ثم يذكر خلافه مع حاتم، ووقوف علي معه، ووضع حاتم مناظرة كاذبة، وعرض المعتقد وطريقة التحكيم والرد، وتشابه معتقد الخصم بمعتقدات الفلاسفة بحسب محرر الكتاب، ومناظرة ثانية بحضور علي، وشرح الرداد معتقده. ثم يورد في الصفحتين 271–272 فصلا مستقلا بعنوان «إيمان عصمة الدولة»، يعرض طريق تلقي عصمة الدولة وسلسلة انتسابه التعليمي وموقفه العقدي، ويدفع عنه ما نسب إليه من مذاهب عدها المؤلف فاسدة، قبل أن ينتقل إلى كلام الشيخ الجزري أمام الحلبيين ثم إلى الرسالة النورية.
وتتابعت المجالس حتى انعقد مجلس في منزل الرئيس حسن، بتاريخ الحادي والعشرين من شوال سنة 665هـ، الموافق 1266 و1267 للميلاد، ثم امتد الخلاف إلى القطيعة فإلى الوشاية والملاحقة. وتتوزع أخبار أسفين بذلك على خمس واقعات متعاقبة على الأقل اجتماع أول قدم فيه يوسف قوله أمام ربيعة وبعض أهل القرية، ثم دخول علي حكما بعد أن عرضت عليه المقالتان، ثم ميل أهل القرى وتعيين النيابة، ثم مجلس منزل الرئيس حسن، ثم القطيعة والملاحقة.
ويخرج من مجمل الوقائع تحديد للعلاقة بين الرجلين في ثلاث درجات متعاقبة مستمع وحكم، ثم شاهد ومؤيد، ثم نائب بين أهل القرى. وهي مؤاخاة علمية ودينية قامت على مؤازرة متبادلة، وفيها قدر من إرشاد يوسف لعلي في مرحلة ظهوره الأول، ثم استقرت على ثقة عملية، وكان الأثر متبادلا منح يوسف عليا النيابة، وأعانته شهادة علي على اختراق بيت ربيعة نفسه واكتساب قبول أوسع من دائرته الأولى. وتحفظ روايات أخرى أن الرئيس سالم شهد مع علي، وترد عبارة متأخرة تقارب هلاك ربيعة على يد الصويري، فهي لغة جدلية في سقوط الحجة أو انكسار الرئاسة. ويضيف قول بعض الفهارس إن الخلاف مع أصحاب المعلم جامع كان في طلب الفخرو ليس في أصل العقيدة وجها اجتماعيا . وتزيد رواية متأخرة في ثمار الأصل في معرفة علل المعل لحسن سليمان سليمان أن موسى بن أيوب الجباب غير وبدل واعتقد اعتقاد الفرقة الحاتمية، وأن يوسف وعليا تصديا له معا ودحضا حجته، وهي أول صيغة تجمع الاسمين في مواجهة واحدة، فتقوي اشتراكهما في مقاومة الاتجاه نفسه.
وإلى جانب أسفين ينسب إليه خبر مناظرة في طرابلس مؤرخة بسنة 675هـ، الموافق 1276 للميلاد، وتحفظ مادة في خير الصنيعة، في جزئه الخامس ضمن كلمة حسين سعود الملحقة به، خبر ذهاب مسلم البيضا لمواجهة الموصلي في طرابلس، وحضور علي بن منصور الاجتماع السابق لذلك، ونظمه قصيدة في مدح مسلم بعد الواقعة.
الرسالة الردادية
نص بين المناظرة والتعليم
الرسالة الردادية أكبر ما وصل من آثاره، وتجمع في نص واحد خبر سيرة وخصومة، ومناظرة وردا، وتعليما منظما. يفتتح النص بشذوذ أهل الجبل عن الحق وبراءة يوسف من معتقداتهم، ثم لقاء معلمه جامع وتزكيته، ثم المناظرات مع أهل الجبل وانقسام الحاضرين بين موال ومعارض، ثم انحراف موسى وعداؤه ومكره، ثم المناظرة الكبرى وتبيين ضلاله. ومن هذا الحد تنتقل الأبواب إلى الحجة الرد على عابدي الظاهر دون الباطن، وإشكالية الصورة والمعنى، وفكر الحاتمية وموافقة موسى لهم، واختراع الاسم من المعنى، وأن نور الذات هو الاسم، وصحة التوحيد بنفي الصورة وإثبات القدرة، وإثبات التوحيد بالعلوم المختلفة، وصورة الظهور وشرح النور والباء والظل، والظهور بالقدرة والبطون بالحكمة، والرد على من جسم الباري ومن جزأه ومن جعل المعنى نوعين، وإفراد المعنى في سطر الأئمة، وظهور المعنى بالبشرية، وحقيقة الاسم الأعظم، وحقيقة الروح والنفس، ومقالات الفرق الضالة وبراءة عصمة الدولة منها، والرد على عابدي الصورة منكري الغيب، وحقيقة المصرح بأنا أنا على المنابر، ومعرفة الأئمة الثلاثة والمال والربا ظاهرا وباطنا، ثم خاتمة في عرض المريد وتسليمه وذكر النقيب والإمام.
أبوابها رتبت ترتيبا تعليميا يتجاوز مجلسا واحدا، تحمل أسماء قرى ورجال وخصوم. هي نص جدلي تعليمي أدخل خبر الخصومة داخل بناء الحجة، فصار التاريخ جزءا من طريقة الاستدلال. وتنسب إلى يوسف صاحبا يحمل النص اسمه ويحفظ أقواله ومناظراته، فبعض الأبواب كلامه، وبعضها رواية عن حياته، وبعضها نقل لأقوال خصومه، وبعض العناوين من إضافة ناسخ أو محرر، وبعض المواضع شرح ألحق بالمتن، فضلا عن كلمة التحقيق الحديثة، إن الرسالة تحمل قلب مشروعه ، وتفتتح كلمة التحقيق بالحمد وبأثر عن أمير المؤمنين في الهداية والانفجار عن السرار وبأثر عن زين العابدين، فتضع النص من أول سطر في خط الولاية والهداية بالنور.
وتحمل الرسالة أكثر من عنوان، مما يدل على تاريخها المتشعب رسالة الرداد والرسالة الردادية، ورسالة يوسف بن العجوز الرداد، ومناظرة الرداد، ثم الصيغة الكاملة مناظرة يوسف بن العجوز الحلبي النشابي. ويظهر في نسخة عنوان طويل مناظرة السيد الأجل الفاضل العالم العلامة مع الشيخ يوسف بن العجوز الرداد الحلبي المعروف بالنشابي، ويضاف عنوانان المشعشع، يسنده كتاب استنباط الحقائق لجابر علي إسماعيل وينقل عنه قولا ، والمشاركة اللفظية بينه وبين القداديس الشعشعانية والنورانية الشعشعانية مقارنة لغوية والقصيدة الردادية، قيل إن نسخة منها شوهدت في اللاذقية وتظهر تسميات أخرى مثل إحالة عبد الرحمن بدوي إلى رسالة أو مناظرة حلولية حمص، ومناظرة الرداد الحلبي في المذهب الانبثاقي في مواد يونس حمدان، ومناظرة الردادية التي نسب إليها أحمد محمد حيدر قولا في مخطوط خاص، وعناوين شعبية مثل النور المشعشع ومناظرات النشابي وكتاب المناظرة ورد على كتاب المجلس للمعلم موسى.
ويميز القارئ خمسة أزمنة زمن الوقائع في القرن الثالث عشر، وزمن أول تدوين لها وهو مجهول، وزمن تحرير الرسالة في صورتها المركبة وهو مجهول أيضا وقد تأخر عن الوقائع بعد اتساع الخصومة، وزمن النسخ الباقية وهو متأخر بقرون، وزمن الطبعة الحديثة. كتبت سنة 665هـ لأن بعض أخبار أسفين نسبت إلى تلك السنة، الطبعة قامت على نسختين خطيتين مع أصل ثالث عده المحققان شرحا ، فللنص أكثر من شاهد، وبين شواهده فروق، واحتمال اختلاط المتن بالشرح قائم. ويظهر ذلك في فروق تحفظها الحواشي ربيعة بين العصيدة والعصيدي، والرئيس بين سالم وصالح، وصيغ متعددة لجبرين، وقراءة 665هـ إلى جانب 685هـ، ، وعبارات صريحة من نوع في نسخة أخرى ولا توجد في نسخة أخرى تجتمع في الموضع الواحد. ولا يعرف اسم المكتبتين الحافظتين للنسختين ولا أرقام حفظهما ولا تاريخ نسخهما ولا أيهما أقدم، وأما الأصل الثالث شرحا مستقلا، أو نسخة مزجت المتن بالشرح مزجا يصعب فكه، أو تعليقات هامشية انتقلت إلى صلب المتن.
ويحفظ المتن كذلك آلية انتقال الخصومة من المشافهة إلى الورق أرسل موسى مناظرة إلى أسفين فقرئت على المعلم عطارد ومن تبعه، وتوسع مواد خير الصنيعة الخبر فتذكر إلقاءها بعد ذلك إلى الصبيان المبتدئين، ثم حملها رجل إلى يوسف فقرأها ووجد موضع الرد فيها. فالنص امتداد المجلس على الورق، وهذه المناظرة بالمراسلة هي ما يفسر اجتماع خبر المجلس مع الرد بابا بعد باب. وتذكر بعض الفهارس انتهاء الخصم إلى الموافقة بعد الرد، وتربط رواية حديثة موسى بكتاب الثامنة أو بما تسميه البدعة الثمانية وتجعله فيها مع سنان قزحل وتذكر أن يوسف ناقضه ورد عليه، وأن بعض العلماء طعنوا في موسى وبعضهم أحسنوا به الظن لأن يوسف سامحه، وتذكر له مقاما في الجبيب وقرية مجاورة قيل إن أكثرها صار وقفا ليوسف بعد وفاته.
نفي الصورة وإثبات القدرة
تفتتح الرسالة باب الفكر من موضع الخصم، فتنقل عنه قولا كتبه في زعمه من يقدر أن يفرق بين قرص الشمس ونورها فهو يقدر أن يفرق بين المعنى والصورة، أراد به أن يجعل الصلة بين المعنى وصورته تلازما لا يكاد الانفصال فيه يدرك. ويرد يوسف لأنه يرى في المثال تركيبا للصورة على المعنى فمن اعتقد بصورة مرئية وركبها على المعنى هان عليه أن يجعلها نور الذات، وأن يجعل نور الذات حقيقة الاسم، فيصير المعنى محتجبا بها بدل أن يظهر منها. فمدار الاعتراض رفض أن تنتهي الصلة إلى جعل المخلوق المرئي حقيقة غير المخلوق.
ويواجه الاعتراض طرفين. الأول من يقف عند الصورة المرئية فيجعلها موضع الاعتقاد، وتعرض الرسالة صورته في من أن ثلاثة أنوار انبجست من الذات بعضها من بعض، ظلا وضياء ونورا، وأقام عليها ثلاثة أشخاص ، فجعل الثلاثة واحدا وصورة واحدة وأنكر الغيب الذي لا يدرك، ومثله من عرفت بالحاتمية إذ اعتقدت أنه شخص بشري مخلوق وأن الناطق منه النفس، ووافقهم موسى بن أيوب على مقالتهم، فصار الرد على الحاتمية والرد على موسى بابا واحدا. والطرف الثاني من يغلق الغيب إغلاقا تاما ويقول لا وصول إليه ولا معرفة به. ولا يقبل يوسف واحدا منهما، فلا يحبس التوحيد في صورة مرئية ولا يجعل المعنى غائبا عن كل معرفة. ويلفت أن مقالة الأنوار الثلاثة المقامة على الأشخاص الثلاثة هي نفسها التي حفظ لها شعار حركة جبلة صدى في سنتي 1317 و1318 للميلاد، فالمقالة التي رد عليها النص عادت شعارا ميدانيا بعد بضع سنين.
وتعين القطعة الثالثة من المجموع الباريسي، وهي مسائل ابن هارون الصائغ الموجهة إلى الحسين بن حمدان الخصيبي، على وضع هذا الرد في منزلته المدرسية الأقدم، ففيها تمييز متدرج بين عبادة الاسم منفردا، وعبادة الاسم مع المعنى، وعبادة المعنى بحقيقة الاسم، وتقدم الأخيرة طريقا للتوحيد. فالأقرب أن يوسف يعيد بناء قاعدة مدرسية أقدم داخل خصومة محلية لا أنه ينشئ معجم الاسم والمعنى من فراغ. وتنبه الدراسة الأكاديمية المخصصة لمناظرة النشابي إلى دقة لفظ الناطق في هذا النص، فهو يرد على الشخص التاريخي الذي يمثل المعنى أو ينطق به لا على المعنى نفسه ولا على الاسم بإطلاق، فيضبط ذلك موضع النزاع هل يتحول الشخص المرئي إلى حقيقة المعنى، أم يبقى موضع ظهور ونطق تدل القدرة من خلاله من غير حلول جسمي.
ومن أعمق أبواب الرسالة باب اختراع الاسم من المعنى، وهو حوار محفوظ في متنها سئل هل اخترع المعنى الاسم من نوره، أو من نور نوره، أو من نور ذاته، فرفض الصيغ الثلاث، وحين سئل عن وجه الرفض أجاب بحجة متدرجة لو كان من نور سبق وجوده صار ذلك النور أقدم منه، ولو كان من نور نور آخر نشأ تسلسل في الوسائط لا ينتهي، ولو كان من شيء خارج عن الذات احتاج ذلك الشيء إلى أصل قبله، فلم يبق إلا أن يكون نوره الذي منه بدا، ليس بينه وبينه فرق ولا فاصلة. ويقرر النص أن الله كان ولا شيء معه، وأنه اخترع الاسم لا من عدم ولا من شيء، وما كان قبل وجود النور سوى الذات. ويستشهد بعبارات منها يا من بدا منه ما إليه يعود، شاهدا على قرب لا يبلغ الانفصال ولا يساوي الحلول في صورة بشرية. فيقيم الباب حدا بين الصدور المتسلسل عبر أنوار متعاقبة، وهو ما رفضه، وبين اختراع الاسم من الذات بلا فرق ولا فاصلة، وهو ما أثبته، مع بقاء الاسم متميزا في مقام الظهور والتعليم عن مقام المعنى الذي بدا منه.
تنتقل الرسالة إلى سلسلة تربط الذات بالوجود المرئي ذات، فنور، فضياء، فظل، فصورة. فالنور يشرق من الذات غير بائن عنها، ويظهر النور ضياء، ويظهر الضياء ظلا، فتقوم صورة الوجود في الظل والضياء، وباطن الظل الضياء، وباطن الضياء النور، والذات قائمة في النور. وهذه مراتب في الظهور تبقى الوحدة في قمتها، وحركتها تدرج في الظهور لا انتقال مكاني ولا تجزئة. وللألف، وهو الظل، باطن وظاهر باطنه متصل بنور الضياء، وظاهره الجسم أو الصورة، والجسم خارج عن حقيقة الاسم لأن حقيقة الاسم أنوار ليست أجساما ، ويجعل شرح صورة الظهور السين باطن الظل، والمعنى قائما بذاته منزها عن أسمائه وصفاته. وهذا الحد بين ظهور يتصل بالاسم والقدرة وبين جسم لا يصير من ذاتيات الاسم هو الأساس الذي تقوم عليه عبارة الرسالة المحورية نفي الصورة وإثبات القدرة.
تقترب الرسالة، من تقاليد روحية قديمة جعلت المعرفة عبورا من الصورة إلى ما وراءها، ومن اللفظ إلى سره، ومن النور المشاهد إلى المنبع الذي لا يقع تحت البصر.
وللاقتران بين النفي والإثبات دلالة لا يستغنى عنها، فالنفي وحده قد يفضي إلى غيب مغلق، والإثبات بالصورة وحدها قد يفضي إلى جعل الجسم ذاتا، أما إثبات القدرة فيجعل الظهور ممكنا من غير أن تتجسد الذات. وتشرح الرسالة الظهور بالقدرة والبطون بالحكمة فالقدرة تظهر آثارها وتنطق أو تفعل بما يعجز عنه المخلوق، والبطون له وظيفة وحكمة لا يعني غياب القدرة ولا انقطاع المعرفة. ويستشهد الباب بقول منسوب إلى ابن سنان يجعل إدراك الله بالعلم والقدرة، فمتى نطق من قدرة يعجز المخلوقون عنها بطلت الصورة البشرية، وبقول العالم من لم يؤمن بالعجز لم يؤمن بالمعجز، في شرح أن إظهار العجز عدل عند انعكاس الأمور ليعرف الخلق أن الباري قدرة. ومن هذا الأصل ترد الرسالة على من جسم الباري، ومن قسمه أجزاء، ومن جعل المعنى نوعين مستقلين ظاهرا وباطنا، ومن أدخله في عدد، ومن ساوى الصورة البشرية بحقيقة الذات، وكلها تصدر عن إفراد المعنى في سطر الأئمة أحدا من جميع الجهات غير متصف بعدد ولا داخل في عدد.
وتختم الرسالة بعرض المريد وتسليمه وذكر النقيب والإمام في ترتيب الأخذ والتلقين، النص عند هذا الحد مادة تعليم داخل جماعة لها قارئ يدخل في ترتيب معرفي، وتتصل اصطلاحاتها بالبنية التي ظهر فيها لقب عسكر بن مسلم نقيب الجماعة، ويجاور هذا المتن نقول متأخرة تشرحه ولا تعد أصلا له نظام النقطة والخط والسطح في المراجعات، فالنقطة للذات لا تتجزأ، والخط للنور ينشأ من حركتها، والسطح لضياء النور من حركة الخط؛ وترتيب المذهب الانبثاقي في مادة يونس حمدان، يبدأ بالباري الأحد القديم، ثم ذات السيد الميم، ثم الباب، ثم اليتيم، مع نفي اختلاط المراتب ونفي مشاركتها الباري في القدم وجعل كل مرتبة منفعلة عما قبلها؛ ومواد المحاورات والمناظرات وسفيرة الخواطر في نقد الحلول ومناظرة مبارك بن حاتم وتأويل قصة قابيل وهابيل، وفيها الصورة التي أريت للخلق، ووقوع العجز في نظر الضد، وتنزيه المعنى عن صورة القتل والموت، وعبارة العجز قدرة، ووصف اتصال الحواس بالقلب والدماغ بعمود من نور.
وحين توضع أبواب الردادية إلى جانب أبواب الرسالة النورية لعلي بن منصور يظهر حقل واحد يجمعهما الصورة والمعنى، والنور، والظهور، والحجاب، والتنزيه، ورفض حصر الحقيقة في المرئي مع رفض غلق الغيب، واستعمال الحروف والمراتب في التعليم. و مجلس أسفين أن الالتقاء ثمرة صلة فكرية بين الرجلين، فقد ورثا لغة مدرسية أقدم منهما، وقد كان التفاعل متبادلا، وتفصل الردادية سلسلة الذات والنور والضياء والظل والصورة وأسئلة اختراع الاسم بتوسع لا تبلغه النورية في مواضعها المقابلة. ويجاور هذا الحقل شاهد مقارن ينسب إلى إبراهيم الطوسي في ظهور المعنى بين مخلوقاته مثل جنسهم ليؤنسهم. ويحفظ جامع الحقائق قولا موجزا للرداد الحلبي مؤداه أن العلوم بأسرها تدل على التوحيد الخالص وهو معرفة النور وتوحيد الأحد، ويسبقه شاهد في بديهة الأفكار لأحمد سلمان الخطيب، المؤلف سنة 1297هـ، ينقل عن الشيخ يوسف الرداد الحلبي النشابي أن علوم الهندسة والطب والرمل والحساب والصرف والإرث والنحو والتجويد ترجع إلى التوحيد ومعرفة النور. النقل يكشف كيف قرأ مؤلف القرن الثالث عشر الهجري مشروعه أصلا جامعا للمعارف
ومن هذا البناء الفكري انتقلت مناظرة يوسف من مجلس محلي في أسفين إلى نص طويل حملته المخطوطات والنساخ والكتب، وهي الرحلة التي يتابعها الجزء الثاني.