آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
سيمون خالد علي
بدأ اسم الصويري بلقب ولي فقير زاهد يتناقله اهل الجبل، ثم اتسع حتى صار نسيجا ممتدا يجمع القرية والطريق والمخطوط والديوان والمرثية ورواية علي بن مقاتل السياف. فظهرت آثار تحمل توقيعه في خزائن المخطوطات بمانشستر وباريس، وحفظت له المصادر القديمة ترجمة ونسبا وشعرا وسيرة، وذكرت له المصادر الحديثة ديوانه ورواية سيافه، واحتفظت له القرى المنسوبة اليه في جبل الحلو وجبل المناصف وقضاء حصن الاكراد بموضع ومقام وذكر متصل.
وتتكون صورة الاسم من ثلاثة مسارات متلاقية: مسار القرية والمقام، تحفظه الرواية وشواهد الحجر المغروسة في جدران الاضرحة؛ ومسار النص والمخطوط، تمثله الرسالة النورية وارجوزة مانشستر ومرثية باريس وديوان القوافي؛ ومسار المصادر الحديثة التي اعادت تقديم الشيخ علي بن منصور الصويري شاعرا وعالما وصاحب مناظرة وحرب.
ومن هذه المسارات تتكون صورة رجل عاش في القرن الثالث عشر للميلاد، وامتد اثره الى مطلع القرن الرابع عشر، فبقي حاضرا في الشعر والتخميس والتداول. وتكشف الشواهد المخطوطية عن وجهين متكاملين من وجوهه: فمرثية باريس تحفظ شعرا مرثيا وداعيا من نظم علي بن منصور نفسه، خمسه موسى الربطي، اما ارجوزة مانشستر فتحفظ نصا في المثل النوري منسوبا في فهرس منجانا الى علاء الدين بن منصور الصويري سنة 708 هـ / 1308 م، و علاء الدين لقب او قراءة فهرسية قريبة من الاسم المعروف في المصادر: الشيخ علي بن منصور الصويري. وهكذا اجتمع للصويري وجه الشاعر ووجه الناظم، بين مرثية الفراق وارجوزة النور.
تقرا هذه الدراسة سيرة الصويري قراءة متصلة من الاب المؤسس الشيخ منصور، مرورا بالابن العالم الشاعر علي بن منصور، وانتهاء عند الحفيد الشاب حسن بن علي الذي اختطفته المنية قبل ان يكتمل علمه، ثم تفتح صورة المقامات والمخطوطات والشعر افقا اوسع يصل القرية الحمصية الصغيرة بخزائن باريس ومانشستر، وبسجلات العثمانيين، وبمقامات كيليكيا في اقصى الشمال. و هي سيرة مركبة تفسر بعضها بعضا نسب يمتد الى لقب الرفدي القديم، وقرية تحمل الاسم في جبل المناصف، ومقام يتوارث السدنة حراسته، ورواية تحفظ الكرامة والتغريبة، ومخطوطات في مانشستر وباريس، ومرثية مخمسة، وديوان، وشعر نور ورمز.
۞
قرية الصويري وجبل المناصف وحصن الاكراد
مجال حمصي ساحلي واحد
الصويري صار قرية وموضعا ومجالا له حدود وطرق وجيران، تتوزع آثاره على اكثر من جبل. واول هذه المواضع قرية الصويري من قرى جبل المناصف، وهي التي تذكرها الرسالة النورية وتنسب اليها الشيخ علي، فمنها تنبع نسبته الشامية، وبها يتميز عن كل صويري آخر في المغرب او البقاع. ويظهر الاسم ايضا ضمن قرى جبل الحلو في جبال حمص، وهو من البدايات الجنوبية الشرقية لسلسلة الجبال الساحلية، تتجه بعض اوديته شرقا نحو حوض العاصي، وتميل اوديته الجنوبية الغربية نحو وادي النهر الكبير الجنوبي. وترد القرية ضمن ناحية شين في محافظة حمص، وحولها مواضع مثل خربة الحمام، فتغدو النسبة الى الصويري الحمصية اقرب من ردها الى صور الساحلية.
ويتاكد موضع القرية في الوثائق، فقد وردت ضمن قضاء حصن الاكراد، في محيط القلعة المشرفة على تلكلخ وريف حمص الغربي، وذكرت وثيقة شرعية طريقا سالكا من قرية الصويري الى خربة الحمام، كما ورد اسم بلال بن درويش بلال من القرية في دعوى تتعلق بطاحونة. وهذا يثبت ان الصويري كانت قرية ماهولة معروفة، لها رجال يردون في سجلات القضاء.
اما قلعة الحصن، المعروفة بحصن الاكراد، فتقوم على تل يشرف على فتحة حمص، وترتفع نحو 650 مترا عند الطرف الجنوبي لسلسلة الجبال الساحلية. بناها امير حلب المرداسي شبل الدولة نصر نحو سنة 1031، موضعا لجند اكراد، ثم صارت في القرن الثاني عشر مركزا للاسبتارية، حتى استردها الظاهر بيبرس سنة 1271. وفي العهد العثماني دخلت في ناحية عرفت باسم حصن الاكراد، تبعت سنجق طرابلس ثم سنجق حمص ضمن ايالة طرابلس، وكان يقودها دزدار، وتحيط بها قبائل تركمانية وكردية وعربية، وتولى امرها في القرن الثامن عشر بيوت من آل الدندشي. ثم نقل مركز القضاء في اواخر العهد العثماني الى تلكلخ، فغدا اسم تلكلخ وريث حصن الاكراد في الادارة، وهو ما يفسر ورود القرية بين نسبتين متعاقبتين: قضاء حصن الاكراد في المرحلة الاقدم، وتلكلخ في المرحلة الاحدث.
وتظهر بلدة الصويري ايضا في يوميات محمد المكي، التي طبعت باسم تاريخ حمص، ونقلها نعيم سليم الزهراوي في ترجمة آل المعصراني. ففيها خبر دفن الحاج رجب المعصراني الى جانب الشيخ علي صوير في بلدة الصويري سنة 1689. مما يكشف ان موضع الشيخ علي كان علامة مكان معروفة، يدفن الناس الى جوارها قبل العصر الحديث بزمن طويل. وقرب القرية يرد موضع باسم قاع الصويري، فيتجاوز الاسم حدود القرية والمقام الى تسمية موضع طبيعي او محلة تابعة.
وتحفظ الرواية اسماء تزيد صورة المكان وضوحا؛ منها ان الاسم القديم للقرية كان بليبل، ومنها ذكر جمعية الشيخ علي الصويري الخيرية، ومقبرة المنطار، وخزان الشيخ حسن الصويري. كما تحفظ الرواية ان حركة بعض خط العائلة من قرية الصويري نحو الدريكيش وبيت نعمان ارتبطت بزمن جفاف وقحط، وهي رواية يلتقي معناها مع جو الجوع والرحيل في التغريبة. ويقدر موضع هذا الامتداد في جرد الدريكيش، على مسافة تقارب 15 الى 20 كم من مركزها، قرب جبل النبي صالح وحصن سليمان.
قرية وزاوية في الدفاتر العثمانية
تدخل قرية صويري الدفاتر العثمانية كقرية ذات مقام ووقف، وتعرض دراسة انور تشاكار عن حمص في القرن 16 م، المعتمدة على دفاتر التحرير، سلسلة الدفاتر التي ظهر فيها اسم القرية وزاويتها: دفتر سنتي 1526 و1527 م برقم BOA TD 418، ودفتر سنة 1552 م برقم BOA TD 281، ودفتر سنتي 1570 و1571 م برقم BOA TD 502، ودفتر سنتي 1594 و1595 م المحفوظ في ارشيف الطابو برقم TKA TD 179. ترد صويري قرية وزاوية، ويظهر قاع الصويري موردا او ارضا موقوفة على زاوية الصويري. وهكذا يدخل المقام لغة الادارة والجباية، كزاوية لها حرمة ووظيفة ووقف، ويتحول القاع موردا اقتصاديا يحفظ المقام وينفق على خدمته والواردين اليه.
وتضيف دراسات ستيفان وينتر خلفية ادارية اوسع، اذ تبين ان ناحيتي حصن الاكراد والمناصف ظهرتا ضمن المجال الذي كان يسكنه العلويون في احصاءات طرابلس سنة 1519 م وسنتي 1524 و1525 م، ثم ادرجتا لاحقا ضمن سنجق حمص. وفي سنة 1519 م حاز محمد سيفا، جد امراء طرابلس، تيمارات في عرقا والبترون والضنية وفتوح بني رحال وعكار وحصن الاكراد والمناصف وطرطوس، ما يدل على ان هذه النواحي كانت جزءا من شبكة ادارية ومالية واسعة.
ويصف وينتر حصن الاكراد مقاطعة متوسطة الحجم، ضمت نحو 35 الى 40 قرية مستقرة، اضافة الى مزارع خاضعة للضريبة، وقبائل عربية وكردية وتركمانية. اما المناصف فكانت ناحية تضم بين 40 و45 قرية صغيرة، اخذت اسمها من مرتفعات جبل المناصف غربي حمص، وقد افرد لها وينتر دراسة خاصة عن قضاء حصن الاكراد في مجلة Journal Asiatique سنة 2019. وبهذا تظهر قرية الصويري وزاويتها داخل مجال اداري معروف، يتصل بحمص وطرابلس وحصن الاكراد والمناصف.
فرمان زاوية الصويري ووقف قاع الصويري
تملا الوثائق العثمانية فراغا مهما بين ذكر قرية الصويري وزاويتها في دفاتر التحرير، وبين استمرار النزاع على قاع الصويري في زمن لاحق. واهم هذه الوثائق فرمان عثماني محفوظ، بحسب ما تورده الدراسات المتخصصة في وثائق العهد العثماني، في دفتر المهمات رقم 35، حكم 578، مؤرخ في اوائل شعبان 987 هـ / اواخر ايلول 1579 م. وقد صدر الحكم بناء على عريضة من سدنة زاوية الشيخ علي الصويري في قرية صويري بقضاء حصن الاكراد، طلبوا فيها تجديد اعفاء الزاوية من العوارض والرسوم، مقابل خدمتها للمارة واطعامهم، بعد ضياع او احتراق امرهم السابق. فجاء الحكم بإبقاء الزاوية على اعفائها، وهو ما يدل على ان الاعفاء اقدم من سنة 1579 م، وان الزاوية كانت داخلة في بنية ادارية مبكرة، لها سدنة ووظيفة وحق معترف به.
ثم يظهر الوقف مرة اخرى في سجلات محكمة حمص الشرعية، في دعوى مؤرخة سنة 1118 هـ / 1706 م، ذكرها ستيفان وينتر اعتمادا على سجل المحكمة. وفيها خاصم احمد بن منصور الصويري احد وجوه قبيلة الموالي حول قاع الصويري، وقدم وثيقة وقفية تحمل ختم قاضي حصن الاكراد، تثبت ان الارض وقف على مقام الشيخ علي الصويري، فحكمت المحكمة لصالحه وثبتت يد آل الصويري على الوقف. وهذه الدعوى، وان بقيت بحاجة إلى مراجعة صورة القيد الاصلي ، تمنح الرواية الميدانية سندا قانونيا قويا، وتظهر آل الصويري سدنة مقام ومتصرفين بوقف له حدود وموارد.
وتلحق بهذه السلسلة وثيقة متأخرة من مكاتبات الصدارة العظمى، برمز A.MKT.UM 23/99، مؤرخة سنة 1267 هـ / 1851 م، تشير إلى قاع الصويري ومقام الشيخ علي الصويري وآل صويري، وتدل على استمرار صلة العائلة بإدارة المقام والوقف حتى اواخر العهد العثماني. وبهذا يتصل التسلسل: دفاتر تحرير تذكر القرية والزاوية والقاع، ثم فرمان سنة 1579 م يجدد الاعفاء، ثم دعوى سنة 1706 م تثبت الوقف في وجه خصوم من خارج القرية، ثم مراسلة سنة 1851 م تؤكد بقاء الصلة بين آل الصويري والمقام. وهذه السلسلة تجعل الوقف والمقام مؤسسة طويلة العمر.
امتداد الجغرافيا
تمتد جغرافيا الصويري الى مواضع العائلة في الشمال الساحلي بيت نعمان وحصن سليمان في محيط طرطوس حيث مقام الشيخ حسن، وبجنة الجرد غربي بيت نعمان حيث ينسب اليه ضريح الشيخ منصور في رواية، والى قرية المعمورة في رواية اخرى، وتظهر تعنيتا والمرقب وجليتا والخوابي في خيط التغريبة.و امتدت احالاته العلمية الى حلب وبغداد وعانة، فكان يستشهد بفقهاء منها مراجع في الخط الخصيبي العلوي. ومن الخيوط الميدانية نزول الشيخ خليل بن الادهم واخيه وعائلته في قرية الصويري عند شيخها قبل انتقالهم الى الصفيفات، ما يجعل القرية محطة ضيافة وعلم، وتشهد على ذلك مضافة الشيخ يوسف الصويري.
۞
النسب والبيت
منصور ثم علي ثم حسن، ولغز الرفدي
يقوم خط آل الصويري على ثلاثة اجيال متصلة الشيخ منصور الاب، ثم ابنه الامير والشيخ علي، ثم حفيده الشيخ حسن. وثبتت المصادر القديمة النسب بصيغة واضحة الشيخ علي هو علي بن منصور بن سلامة بن فرج بن معالي الرفدي، والشيخ حسن هو حسن بن علي بن منصور بن سلامة بن فرج بن معالي الرفدي. ويقدم خير الصنيعة هذا النسب حين يترجم للشيخ علي الصويري الشاعر الشهير، فيجمع في عبارة واحدة النسبة الصويرية والخط الرفدي، ويلتقي اللقب الرفدي مع اسم جابر الرفدي في شبكة الشيخ علي نفسه. وفي الجيل الاول يقف منصور الذي تحفظ صورته الرواية والمقام اكثر من النصوص، وفي الثاني يقف علي الناطق بالتاليف والمناظرة والشعر، وفي الثالث يقف حسن الشاب الذي ورث الذكاء والبرهان ثم رحل مبكرا.
الرفدي
الاسم الاقدم خلف النسبة الصويرية
يقرا لقب الرفدي مفتاحا اقدم من النسبة الصويرية نفسها؛ فالصويري نسبة القرية التي استقر حولها الفرع، اما الرفدي فاسم عميق يحفظ صلة البيت باصل اوسع يظهر في عمود النسب وفي شبكة الرجال وفي محطة اسقبلة آل رفد، ويدل الجذر ر ف د على العطاء والاسناد، لكن النسبة لا تفسر من المعجم وحده، فقد تكون الى جد اعلى او بيت قديم او موضع. واقوى ما يسندها ان التغريبة تذكر اسقبلة آل رفد، وتسميها محجة علم في الجبل الغربي، وتصف العلماء فيها بعدد العامة، ويستقبل الشيخ عند مدخلها جابر الرفدي وضاحي ومعلا وسلمان ونعمان وفراس بارمايا وياسين ومعروف، بل سمي فتى في بيت آل الوحش ضاحي تيمنا بالشيخ ضاحي الرفدي، فتبدو اسقبلة بيت مشيخة كبيرا يدخله الشيخ علي مدخل اصل وقرابة ومجلس علم
وتزيد هذه القراءة التغريبة عمقا، فالرحلة الى الديرة الغربية تصبح ايضا عودة الى الجذر الرفدي يخرج الشيخ من قرية الصويري التي حملت نسبته المشهورة، ثم يصل الى آل رفد الذين يحفظون الاسم الاعمق. وهنا تبرز قيمة كتاب المشيخة المحفوظ في مانشستر، ومصادر النسب مثل حقائق التبيين في نسب المسلمين العلويين، وقد تحفظ بيوت المشيخة الرفدي او آل معالي الرفدي. ويضاف خيط يربط الرفدي بالعالم علي بن عيسى الجسري صاحب رسالة التوحيد المحفوظة في مجموع باريس نفسه الى جانب مرثية الصويري، خيط يفتح سؤالا في دوائر تداول النصوص وبيوت العلم الساحلية .
الدليل الجيني والتمييز بين الفروع
دخل النسب الصويري في السنوات الاخيرة بابا جديدا من ابواب النظر، بعد ظهور عينات لافراد يحملون لقب الصويري من حمص وبيت نعمان في قاعدة مشروع ابناء الشام الجيني بين سنتي 2019 و2023. وتظهر هذه العينات، بحسب بيانات المشروع، تقاربا على المتحورة J2-M172 من فرع Z640، وهي قرينة جينية شامية قديمة تتصل بخطوط واسعة في بلاد الشام والعراق واليمن، وقد تمنح رواية الاصل الرفدي والعراقي وزنا اضافيا.
هذا الدليل يساعد على تمييز الفرع الشامي المتصل بحمص وبيت نعمان عن صويريين آخرين في المغرب والبقاع، يشتركون معه في اللفظ ولا يشتركوا معه في السلالة.
وهكذا يقرا لقب الرفدي على ثلاثة درجاتت متكاملة درجة النسب النصي كما حفظه خير الصنيعة، ودرجة الرواية التي تحفظ حركة البيت بين الصويري وبجنة وبيت نعمان، ودرجة القرينة الجينية الحديثة. وتبقى الجينات شاهدا مساعدا يضاف الى النص والمقام والرواية.
۞
التغريبة والرحلة من القحط الى زيارة الاخوان في الديرة الغربية
تقرأ التغريبة كرواية مناقبية متداولة في ذاكرة الشيخ علي الصويري، فقيمتها الاساسية أنها تحفظ صورة الشيخ في وجدان الناس، وتربط اسمه بالقحط والرحلة والاخوان والمقامات، مع بقاء بعض تفاصيل نسبتها وتاريخ تدوينها بحاجة إلى مقابلة وتدقيق.
ترد في رواية علي بن مقاتل بن سعد، المكنى بالسياف الصويري، كما حفظها كتاب تاريخ العلويين في بلاد الشام لاميل عباس آل معروف، ضمن باب واسع عن عصر الامير علي بن منصور والحروب مع الاسماعيلية والسكينية. وتظهر عناوينها كأنها خارطة طريق للسيرة الهجرة من الديرة الشرقية، بعرين والحاكم الكردي، معرفة القصيري للصويري، قتل حاكم بعرين، ترئيس الشيخ، آل الوحش، هجوم الاسماعيليين على تعنيتا، سجيع بن سنان الدين، قلعة المرقب، الشيخ فراس بارمايا، جليتا، ثم العودة الى الصويري. وليست هذه الرحلة بعيدة عن شعر الشيخ، فمرثية باريس تنطق بلغة الفراق والتشتت وفقد الاحبة، حتى تبدو التغريبة والوداعية وجهين لتجربة واحدة رحلة يرويها السياف، وفراق ينشده الشيخ.
تبدأ الرواية باسم راويها علي بن مقاتل، الذي يقدم نفسه تلميذا للشيخ علي، وقد صار شيخا كبيرا مريضا، رق عظمه، واشتعل رأسه شيبا، وضعف بصره. ويذكر تلميذه سليمان عزيز بن شعبان، الذي طلب منه تدوين ما جرى، فتقوم سلسلة الرواية على ثلاث حلقات الشيخ علي صاحب الرحلة، وعلي بن مقاتل شاهدها وراويها، وسليمان عزيز الذي طلب كتابتها. ومحور الحكاية سفرة السنين الثلاث في الديار الغربية المباركة، حيث اجتمعت الحاجة وصلة الرحم وطريق المعرفة.
وتفتتح التغريبة بمشهد كارثة اصابت الديرة الشرقية عم القحط، وانحبس المطر، ويبس الزرع، واشتد جور الحكام، ونهبت الحبوب، وقطعت الطرق، ونزل الجراد. فتفرق الناس بين حمص والجبال والعراق ومرعش وجبل سنجار، واكلوا الجذور، وبحث بعضهم عن الحب في روث الخيل، واصيب الصبيان بمرض في اللثة وسقوط الاسنان. ثم حل الطاعون، حتى صلى الشيخ علي في يوم وليلة خمسين صلاة جنازة، ودفنت قبور تضم الخمسة والعشرة، وماتت ضياع كاملة من الجوع.
وفي هذا المشهد المظلم يظهر وجه الشيخ الانساني. فقد دفن علي بن مقاتل امه واباه في ليلة واحدة، وتفرق اخوته، فاخذه الشيخ علي واخاه الى داره بين عياله. وتحفظ التغريبة لحظة وجدانية عميقة، يروي فيها ابن مقاتل انه رأى الشيخ جالسا تحت شجرة، كاشف الرأس، يقول اعوذ بك ربي من الهوان وغلبة الهوى وتفرق الاخوان وذل الرجال، ثم انشد
يا مشرق النور في طيلس الظلمات
يا منتهى قصدي في محياي ومماتي
لا حجة لي في مجرى قضائك علي
في امتحان وفي شدة الكربات
بهذه الابيات تنتقل التغريبة من وصف المجاعة الى داخل نفس الشيخ. فالنور يقف في مواجهة الظلمات، وتصبح الغربة امتحانا روحيا.
من ضيق القحط الى قرار السفر ووصايا الطريق
تبدأ رواية إميل آل معروف من زمن ضيق امتد الف يوم ويزيد، حتى بدا الجبل كأنه يستنزف آخر قوته. ثم ينقلب الحال بعد استغاثة ودعاء، فينزل المطر ثلاث ليال، وتسير السواقي، وتخضر الارض بعد يبسها. وبعد شهرين من عودة الحياة، يجمع الشيخ علي اولاده، ويخبرهم ان طول النوى شاقه الى الاخوان في الديرة الغربية، ويوصيهم بالنساء والاولاد وفلاحة الارض. وهكذا يكون السفر زيارة اخوان، وصلة اهل، وتجديد عهد بين الديرة الشرقية والديرة الغربية.
ويرافقه علي بن مقاتل بن سعد على شروط واضحة كتمان السر، وقلة الكلام، وكفاية شر قطاع الطرق، وزيادة التقية والادب. وهذه الوصايا الاربع ترسم وظيفة الراوي منذ البداية؛ فهو تلميذ وحارس وامين سر. فالشيخ يمضي قارئا ومنشدا ومعلما، وعلي بن مقاتل يقود الدابة، ويحرس الطريق، ويحمل السلاح. ومن هذا الاجتماع بين العلم والسيف تولد صورة التغريبة كلها علم يمشي في طريق خطر، وشيخ يختبر السفر بالصبر، وتلميذ يحرس السر حتى يبلغ اهله.
بعرين ومصياف امن الدرب والسياف حارس السر
اول محطة كبرى في التغريبة هي بعرين. يدخل الشيخ علي ومعه علي بن مقاتل السياف بيت رجل من اهلها على هيئة عابري سبيل، فيسألهما صاحب الدار اكراد انتم ام عرب؟ فيجيبه الشيخ عرب اكراد، في عبارة تكشف اختلاط القوى والالسنة في تلك البلاد. وحين يعرف المضيف انهما من قرية الصويري يقول عبارته اللافتة الا يكفيكم فخرا انكم من ضيعة الشيخ علي الصويري، المؤدب الجليل والعارف النبيل.
ثم يخبرهما ان بعرين ابتليت بحاكم كردي غاشم، فرض الخوات، واستعبد الناس، واحرق الضياع، وجعل الطريق موضع خوف. وفي الليل يطلب الشيخ عود نشاب، ويعزم عليه الا يرده ظالم حتى يبلغ رقبة ذلك الغاشم، ثم يلقيه من النافذة. وتروي الحكاية ان رجلا دخل حصن الحاكم بنبل اصاب نحره فقتله. وحين يبلغ الخبر الشيخ يقول وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى. تأتي الحادثة كتحول في امن الدرب وزوال للظلم الذي كان يخنق الناس والطريق.
بعد بعرين يمران باطراف مصياف، وقد بدت خربة موحشة، ثم يبيتان تحت جرف في وادي حيلين والمطر يهطل، فيبقى ثوباهما جافين. وهناك يحيط بهما عشرة من قطاع الطريق يطلبون الثياب، فيتقدم علي بن مقاتل بسيفه، وينازلهم، ويقتل كبيرهم، حتى ينشد الشيخ فيه شعرا. عندها تسمية السياف تصير دورا مؤسسا في السيرة هو تلميذ الشيخ، وحارس الطريق، وامين السر.
ومع ذلك لا تتحول المعركة الى طلب غنيمة. فالشيخ ينهى تلميذه عن اخذ ثياب القتلى وسلاحهم، ويصفها بارث بخس، فتظهر اخلاق الطريق واضحة السيف لحماية الشيخ والرحلة والسر، لا للنهب ولا للتفاخر. وبذلك تجمع التغريبة بين المعنى الروحي والمعنى العملي علم يمشي في طريق خطر، وسياف يحرس السر حتى يبلغ اهله.
ضيعة القصيري دار الفقه والاعتراف بالشيخ
تصل القصة الى ديار الشيخ محمود القصيري، فتصف ضيعته وصفا يكشف عالما من العلم والضيافة واليسر ناس تبدو النعمة على ثيابهم، وقطعان ماعز كثيرة، وخانات للضيوف وعابري السبيل، ودار فقه قائمة على اثنتي عشرة قنطرة، جدرانها مملوءة بالمصاحف والكتب والرسائل، وارضها مفروشة بالطنافس. هذه التفاصيل دليل على ان بيئة الشيخ علي كانت بيئة بيوت علم واطعام ومجالس.
يدخل الشيخ علي متخفيا، فلا يعرفه احد، ويجلس في آخر الناس. ثم يراه القصيري ليلا قائما للتهجد، فيتحقق من شخصه، ويعرف انه الشيخ علي الصويري. عندها يذبح له، ويعانقه، ويجلسه في صدر المجلس، ويوزع الطعام والذهب، ويقول للحاضرين ان هذا سيدهم وحبيبهم. اما الشيخ علي فيرد المدح بالتواضع، فتجتمع في المشهد هيبة العالم وادب الزاهد.
وتنعقد المجالس كل ليلة، وتطرح المسائل، حتى يجيب العارفون في مسالة واحدة بعشرين وجها في المعنى والاسم. وو هذا يشرح طبيعة ذلك العالم العلمي والرمزي، حيث تفتح المعاني على وجوه متعددة. ومن هنا نفهم غزارة شعر الصويري وعمقه الرمزي، كما نفهم معنى ترئيسه على الحضرة كان اعترافا اجتماعيا وعلميا وطقسيا بمكانته.
آل الوحش والفتى ضاحي واسقبلة آل رفد وتعنيتا
مع هلال رمضان يصل آل الوحش، ابناء بدر من جليتا، وهم اولاد خالة الشيخ علي، واهل علم وجاه يسكنون قلعة في بلدهم جليتا. ويدخل الشيخ بدر ومعه ولده الصغير، الملقب بالطير الناطق، وقد سماه ضاحي تيمنا بالشيخ ضاحي الرفدي. وما ان ينشد الفتى نظما محكما حتى يقربه الشيخ علي ويصفه بانه غصن زكي، وامير ابن امير، وفقيه ابن فقيه. وحين يخشى محمود بن بدر على الصبي من الغرور لصغر سنه، يرد الشيخ علي بعبارة تحفظ نظرة المجلس الى النبوغ المبكر ان الفطام اذا بلغ صبيا تسجد له الجبابر. فالعلم يقاس بقوة الذهن والحجة والبيان.
ثم يسافر الشيخ الى اسقبلة آل رفد، محجة علم اخرى في الجبل الغربي، فيستقبله جابر الرفدي، وضاحي، ومعلا، وسلمان، ونعمان، وفراس بارمايا، وياسين، ومعروف. وتمنح هذه المحطة لقب الرفدي معنى حيا، فهو بيت علم ورجال ومجلس استقبال.
وفي اسقبلة يصل تحرير من الشيخ عبد الله في خربة تعنيتا، يخبر فيه ان الاسماعيليين هجموا على ضهر تعنيتا وخربة القبو وسريجس، فغصبوا الارض، وازالوا قبور الاولياء، واستولوا على بستان النصارى، واخذوا طاحونة الخوري اليامر، وقطعوا الدروب. لتتحول الرحلة من زيارة اخوان ومجالس علم الى قضية حدود ومقامات وحقوق فلاحين وطرق مقطوعة.
ومع ان البيارق كانت قادرة على المسير، يطلب الشيخ علي اولا ارسال انذار مكتوب، حتى لا يتهم الشعيبيون بالغدر. فيكتب رسالة شديدة الى سجيع بن سنان الدين، سيد الاسماعيلية في وادي الخوابي، فيظهر الشيخ مرة اخرى رجل حجة يبدأ بالكلام والبيان قبل السيف.
المرقب والخوابي وبستان النصارى وفراس بارمايا
تبلغ الرواية ذروتها حين يعلن سجيع بن سنان الدين عزمه على بلوغ قلعة المرقب بجيشه، ويرد على رسالة الشيخ علي بجواب متكبر ما اخذته بالسيف، وحدودي من النهر الى النهر، والسيف الحكم. عندها تنزل البيارق في مواضعها بيرق القصيري في ضهر تعنيتا، وبيرق محمود بن بدر غربي السكبية، وبيرق ضاحي الرفدي الى كرم التين. ويدخل الشيخ محمود بستان النصارى، ويقف شمالي نهر الخوابي، فتهرب قوة سجيع الى قلعة الخوابي، ويتحول النهر الى حد فاصل بين الجانبين.
وفي هذا الموضع يظهر الخوري اليامر، صاحب بستان النصارى، فيقول ان حقه المسلوب عاد اليه، ويزكي الطاحونة للشيخ محمود لان بيرقه كان اول من دخل البستان. وهذه التفصيلة مهمة، لانها تكشف ان الصراع كان قضية ارض وطاحونة وبستان وخوري وقرى مختلطة وحقوق مسلوبة. ثم ينشد الشيخ علي ابياتا تجعل الحمى شعيبية، وتحيي عبد الله بن نبل والسادة القضب، وتربط الفرض والنافلة بحضور المكزون والمنتجب.
بعد ذلك يبرز الشيخ فراس بارمايا، ناطور الجبل الشعيبي، عالما متبحرا شديد البأس، وعدوا للحلولية. وتنقل الرواية عنه مناظرة مع كبار الحلوليين في الديرة الشمالية، ارادوا فيها ان ينتزعوا منه اعترافا بحلول المولى في مصنوعاته، فاقتلع الباب واخذ واحدا منهم اسيرا. وتدل هذه القصة على المناخ العقدي الذي تتحرك فيه السيرة خصومة مع الاسماعيلية في الارض والدروب والحدود، وخصومة مع الحلولية في البيان والعقيدة. ومن هنا تتصل رسالة المناظرة وشعر النورية ومجالس اسقبلة في عالم واحد يرفض الغدر في الطريق، ويرفض الحلول في المعنى، ويضبط الرمز حتى لا ينقلب الى تجسيم.
جليتا والعودة بقافلة العطايا
تصل الرحلة الى جليتا، حمى آل الوحش، وهناك يبرز الشيخ محمود بن بدر صاحب اللسان والسطوة والجاه، حجة زمانه في العلم والبيان. تصفه الرواية رجلا له وقف واسع، ودار اصغر من قلعة واكبر من قصر، وختم نحاس، وعمامة، وخلعة، وصولجان، يفتي في الشريعة والاصول. وكان ابوه بدر يملك كتبا بخط شيخ الديانة، واوصى ان يدفن تحت شجرة بطم وبلوط ودالية عظيمة، وان تقام له وليمة يدعى اليها اهل العلم والفهم.
صورة جليتا تكشف عالما كاملا من التعليم والوقف والفروسية. ففي دار آل الوحش يتعلم الصغار الكتابة والقرآن، ورمي النشاب، وركوب الخيل، وتظهر طاحونة الحب التي اهداها خوري بستان النصارى شاهدا على شبكة من الكتب والوقف والطواحين والخيل والتعليم.
وعند العودة يمر الشيخ علي ببريعين، فيستقبله البريعيني القطب المفكر، ويبقى في ضيافته سبعة ايام. ثم يسير الموكب من قرية الى قرية، والزكاة والعطايا ترد عليه، حتى يصل الى الصويري وقت الصبح ومعه قافلة لا اول لها ولا آخر. فتخرج القرية لاستقباله، وتقيم الافراح سبعة ايام، وتغلق التغريبة دائرتها الكبرى خرج الشيخ من القحط والبعد وتفرق الاخوان، وعاد ومعه صلة الاخوة، ورزق الطريق، وبركة المجالس.
امير الفقراء والمساكين
يخرج لقب امير الفقراء والمساكين من قلب التغريبة نفسها، ففي زمن القحط والطاعون يظهر الشيخ علي بين الجائعين والنازحين، يكفل اليتيم، ويؤوي الملهوف، ويدخل الفقير الى بيته قبل ان يدخل اسمه الى شعره. وتروي التغريبة على لسانه انه لو ترك الجبل في تلك المحنة لفني اهله، وهي عبارة تختصر صورته كلها امير بسلطان الصبر والضيافة والكفالة والبركة.
فاذا كانت الرسالة النورية تكشف موقفه العقدي، وارجوزة مانشستر تكشف لغته في النور والرمز، ومرثية باريس تكشف منزلته بعد رحيله، فان التغريبة تكشف وجهه الانساني بين الفقراء. فيها نرى الشيخ في زمن الجوع، حين ينهار الزرع، وتنقطع الطرق، ويتفرق الاخوان، ويصير اطعام الناس وحفظهم عملا من اعمال الولاية.
وتقرا مشاهد القحط والطاعون في التغريبة ذاكرة ادبية لكارثة كبرى في اواخر القرن الثالث عشر؛ فذكر البحث عن الحب في روث الخيل، واكل الجذور، وكثرة الموتى، ومرض اللثة وسقوط الاسنان عند الصبيان، يفتح باب قراءة تاريخية ووبائية الى جانب القراءة المناقبية. وقد يكون في مقابلة سنوات مثل 1295 و1296 و1298 بما حفظته كتب الجزري واليونيني والذهبي والمقريزي ما يعين على فهم زمن هذه المحنة. كما يلتقي خيط التغريبة، من بعيد، مع ما سمته بعض الادبيات الفرنسية الهجرة الجوعية، اي حركة الناس من جبل الانصارية نحو سهول حمص وحماة وسهل اضنة في القرن التاسع عشر. وهذه حركة متاخرة عن زمن الشيخ علي، لكنها تكشف ان الجغرافيا نفسها عرفت موجات متكررة من الجوع والرحيل بين الجبل والسهل والشمال.
قصة السقا سليمان
من الخوف إلى السقاية
قصة اخرى منسوبة إلى الشيخ علي الصويري مع السقا سليمان، وهي قصة تكمل وجه الشيخ في التربية والهداية. فإذا كانت التغريبة تظهره بين الجائعين والنازحين، يكفل اليتيم ويؤوي الملهوف، فإن قصة السقا سليمان تظهره في مقام آخر: مقام الشيخ الذي يحول صاحبه من رمز خوف إلى خادم ماء وبركة.
وتروي القصة أن سليمان كان رجلا شديدا في الطريق، يخشاه الناس ويتجنبون لقاءه، ثم لقي الشيخ عليا، فانكسر بين يديه وتاب، فتحول اسمه إلى السقا سليمان. فالذي كان حضوره رهبة صار حضوره خدمة، والذي كان يقطع الطريق على الناس صار يسقي العابرين، والذي ارتبط اسمه بالخوف صار الماء عنوان توبته وبركته.
فالشيخ علي في التغريبة يطعم الجائع ويغيث الملهوف، وفي قصة السقا سليمان يهدي القاسي ويرد الشديد إلى طريق الحق. الولاية في تحويل الإنسان نفسه، من العنف إلى الرحمة، ومن طريق الخوف إلى سبيل الطمأنينة.
بيت السياف ومغارة علي بن مقاتل في بلوط
التغريبة تمتد إلى الرواية الحية في قرية بلوط شرقي الدريكيش، حيث تعرف أسرة باسم بيت السياف، تصل نفسها بعلي بن مقاتل بن سعد، رفيق الشيخ علي الصويري وراوي رحلته. وتحفظ هذه الأسرة خبر مغارة السياف فوق وادي القرية، وتعدها موضع دفن جدها، وتفسر الكنية بأن علي بن مقاتل كان يحمل سيف الشيخ ولا يفارقه.
بهذا المعنى يكون بيت السياف امتدادا للتغريبة في المكان والذاكرة راو، وأسرة، وكنية، ومغارة، وموضع. ومن خلاله تتضح سلسلة الرواية الداخلية الشيخ علي بن منصور الصويري صاحب الرحلة، وعلي بن مقاتل بن سعد شاهدها وراويها، وسليمان عزيز بن شعبان التلميذ الذي طلب تدوينها. فإذا ثبت موضع المغارة بالزيارة والصورة والسؤال الميداني، منحت التغريبة جسدا جغرافيا، وحولت الحكاية من نص يروى إلى أثر يشار إليه في الأرض.
۞
الشيخ علي بن منصور الصويري العالم والشاعر وصاحب المناظرة والحرب
يقف الشيخ علي بن منصور الصويري في قلب السيرة الصويرية، فهو الاسم الذي تلتقي عنده القرية والنسب والمقام والرحلة والشعر والمناظرة. تنسبه المصادر بصيغة علي بن منصور بن سلامة بن فرج بن معالي الرفدي، وتمنحه القابا تكشف اتساع صورته الامير، والشيخ، والشاعر الشهير، والمؤدب الجليل، والعارف النبيل، وصاحب الردود والمناظرات. اجتماع لقب الامير والشيخ يدل على رجل جمع بين الزعامة والتعليم والمرجعية الدينية والمشروع الادبي.
وتثبت له المصادر آثارا مكتوبة جعلته صاحب نص ، منها الرسالة النورية في الرد والمناظرة، وارجوزة مانشستر في المثل النوري، والديوان المعروف بالقوافي المسمى المشغفة لاهل العلم والمعرفة، والمثل النوري، والشافية ومنهاج الصحة والعافية، والقداديس الشعشعانية، ورسالة المناظرة في الرد على الفرقة الغيبية، والوداعية، وقصيدة في الاعياد العربية والرومية، وقصيدة في رجال القائم المهدي، ومدائح في مسلم البيضا وابراهيم شاما وجابر الرفدي وحمدان جوفين، ومرثية من شعره خمسها موسى الربطي. وبهذا يظهر الشيخ علي عالما وشاعرا ومناظرا.
ويعيد خير الصنيعة بدايته الى التعليم قبل الشعر، فيذكره في اجتماع اسفين باسم علي بن منصور المؤدب، معلم الاولاد الخط والقراءة، وكان يومئذ اصغر الجماعة سنا واعمقهم فقها. وفي ذلك الاجتماع مال الى قول يوسف الرداد الحلبي في مسالة خلافية، فاتهمه ربيعة بن نصر العصيدة وكفره، ومن هنا تبدو رسالته في المناظرة امتدادا لموقف عاشه وتزيد عبارة عمله على الاحرف التسعة والعشرين صورته وضوحا، فهي تدل على عنايته بالرمز والحرف والاشارة. وتختلف النقول في صيغة وصفه باسفين بين اصغرهم سنا واعمقهم فقها، او افقههم علما، او اكبرهم علما، غير ان المعنى واحد شاب قليل السن، عظيم العلم، دخل المجلس مؤدبا وخرج منه اسما لا ينسى.
التسلسل الزمني لحياة الشيخ علي
تضع النقول ولادة الشيخ علي بن منصور الصويري في حدود سنتي 1240 و1241م، ويظهر في خبر اجتماع اسفين شابا في نحو الخامسة والعشرين، ما يجعل بداياته العلمية في منتصف القرن الثالث عشر. وفي النصف الثاني من ذلك القرن تقع مناظرة طرابلس ومواجهة الموصلي مع مسلم البيضا، ثم تأتي الرسالة النورية في سياق هجرته الى البلاد الشرقية بعد فقد الغلام، بينما يوضع المثل النوري في اواخر القرن الثالث عشر ومطلع القرن الرابع عشر.
وتمنح تواريخ خير الصنيعة هذا التسلسل صورة اوضح، فهو يجعل ولادته نحو 638 هـ، وحضوره اجتماع اسفين سنة 665 او 666 هـ، والقوافي نحو 697 هـ، والمثل النوري بين 698 و699 و708 هـ، ووفاته سنة 714 هـ، اي ان حياته تمتد تقريبا بين 638 و714 هـ / 1240 و1314م. اما ولده الشيخ حسن، فولد سنة 668 هـ / 1270م، وتوفي سنة 693 هـ / 1294م، فعاش نحو خمس وعشرين سنة.
وتوجد رواية تجعله حلبي الاصل، انتقل الى جبال العلويين بسبب الاضطهاد، وهي رواية تلتقي مع حضور حلب في شبكته العلمية، ومع اسم يوسف الرداد الحلبي وفقهاء حلب ومعرة النعمان وسرمين، وصلاته ببغداد وعانة. غير ان اصل النسبة في النصوص يبقى قرية الصويري وجبل المناصف وجبل الحلو؛ فالعراق ومرعش وسنجار مسار تغريبة، وحلب شبكة علم، اما القرية والمقام فهما اصل النسبة والذاكرة.
اعادت مصادر علوية حديثة تقديمه عالما وشاعرا وصاحب مناظرة وحضور بين القرى والحضرات. فحفظت رواية علي بن مقاتل صورة الشيخ السائر بين الديرة الشرقية والغربية، وذكرت الكتب المفردة عنه مقامه الادبي والعلمي، بينما منحه غالب الطويل في سنة 1924 صفة القطب المجدد، وذكر ان ديوانه المشغفة كان يتلى في المحافل. وهكذا تلتقي الرواية والمصدر والفهرس على صورة واحدة، رجل خرج من حدود القرية إلى مقام اوسع في الشعر والبيان.
هكذا يظهر الشيخ علي الصويري رجل اجتمعت فيه القرية والنسب والرحلة والجوع والمناظرة والسيف والشعر. مع ان صورته لا تكتمل الا حين ندخل الى نصوصه نفسها، الرسالة النورية، والمثل النوري، والمشغفة، ومرثية باريس، وارجوزة مانشستر. هناك يبدأ الوجه الأعمق للصويري وجه النور والرمز والسر.