وثيقة تحليلية: أحداث دمشق 1860 – انهيار العقد الاجتماعي وصعود سلطة النجاة
من كتاب "أحداث دمشق" للمؤرخ البريطاني يوجين روحاني
وثيقة تحليلية: أحداث دمشق 1860 – انهيار العقد الاجتماعي وصعود سلطة النجاة.. وتعقيب من الباحث إلياس بولاد
1. مقدمة: مدينة على فوهة بركان
في صيف 1860، لم تكن دمشق مجرد متفرج على مآسي جبل لبنان، بل كانت تتحول تدريجياً إلى امتداد طبيعي للمحرقة. مع تدفق آلاف اللاجئين المسيحيين الهاربين من سيوف الدروز في حاصبيا وراشيا، اختلطت روايات الذبح بالخوف السائد. في هذه اللحظة الحرجة، لم تظهر الدولة العثمانية بوجهها الحامي، بل بوجهها العاجز. تصرفات الوالي أحمد باشا، التي تراوحت بين إطلاق المدافع في الهواء لإخافة الناس بدلاً من حمايتهم، وبين تسليح رجال العصابات (الباش بازوق) لحراسة أحياء كان يدفع المسيحيون ثمن حمايتها، كانت إشارة سياسية قاتلة: الحكومة تخلت عن مسؤوليتها ورمت بالمجتمع في غابة البقاء للأقوى.
2. الشرارة المصطنعة: حين يتحول القضاء إلى إهانة (9 يوليو)
كانت أزمة الصلبان المرسومة على الأرض اختباراً حقيقياً لمدى هشاشة السلم الأهلي. حين تدخل الوالي لمعاقبة الشبان المسلمين بإجبارهم على كنس تلك الصلبان مقيدين بالسلاسل في وضح النهار، لم يكن يطبق القانون، بل كان يضخ السم في شرايين المدينة. تحليلياً، هذه الحادثة تكشف عن جهل النخبة الحاكمة بقواعد اللعبة الاجتماعية؛ فإذلال المسلمين علناً لصالح جيرانهم المسيحيين في لحظة احتقان طائفي كان بمثابة صب الزيت على النار. ما حدث بعد ذلك لم يكن فوضى عشوائية، بل كان رد فعل على انتهاك "ميزان القوى الرمزي" في المجتمع الدمشقي. تحرير الشباب بالقوة من الحرس كان لحظة إعلان سقوط هيبة الدولة رسمياً، وتحول الغوغاء من متفرجين إلى سلطة تنفيذية بديلة.
3. هشاشة المركز وثروة الأطراف: الاقتصاد السياسي للمجزرة
عند تحليل هوية المهاجمين كما وردت في المذكرات (أكراد، دروز، مهمشون، بدو)، نكتشف أن ما حدث لم يكن "حرباً دينية" بسيطة بقدر ما كان ثورة الطبقة المحرومة على الطبقة الغنية. الحي المسيحي في دمشق كان يمثل القلب التجاري والمالي للمدينة. نهب منزل الدكتور مشاقة (الطبيب الغني) وإحراق الـ 1500 منزل و300 متجر، كان عملية إعادة توزيع عنيفة للثروة استخدمت فيها الشعارات الطائفية كغطاء أخلاقي لتبرير السلب والنهب. لذلك نجد أن الدولة لم تكن قادرة على الحماية، لأن جنودها غير النظاميين كانوا جزءاً من "المهمشين" الباحثين عن حصة من الغنيمة. كان انهيار الجيش (بسبب حروب البوسنة والحج) يعني أن دمشق وقعت تحت حكم الميليشيات القبلية والريفية التي لا يربطها بالمدينة سوى رغبة الكسب.
4. عبد القادر: القوة الثالثة وصناعة المجد في الخراب
في فراغ السلطة المخيف، برز الأمير عبد القادر الجزائري كبديل عن الدولة العثمانية الفاشلة. تحليله لا يجب أن يقتصر على الجانب الإنساني فقط، بل على الجانب الاستراتيجي. بينما كان الوالي متحصناً في قصره يخشى على حياته، أقام الأمير دويلة مصغرة بتمويل فرنسي وجيش خاص من الجزائريين. لقد فهم الأمير أن إنقاذ المسيحيين ليس فقط واجباً دينياً (حماية الجوار)، بل هو استثمار سياسي طويل الأجل في علاقته بالقوى الأوروبية. حين واجه الحشد الذي ذكره بجهاده القديم ضد فرنسا، رد الأمير بمنطق "الفروسية" الذي يتفوق على منطق "الغوغاء". لقد حوّل قلعة دمشق إلى سفينة نوح، منقذاً بذلك ليس فقط الأرواح، بل ما تبقى من شرف المدينة أمام العالم. إن دفع 50 قرشاً مكافأة عن كل مسيحي حي هو دليل على تحول العمل الخيري إلى عملية عسكرية منظمة ملأت الفراغ الذي سببته عجز أحمد باشا.
5. جريمة ما قبل الحداثة: إبادة الجسد والمستقبل
تتجاوز هذه المذبحة وصف "الفتنة الطائفية" لتدخل في إطار هندسة المجتمع الديموغرافية. يقدم النص تفاصيل مروعة عن اغتصاب 400 امرأة وخطف الأطفال الذكور وختانهم قسراً. تحليلياً، هذه الأفعال لم تكن مجرد جرائم حرب عابرة، بل كانت استراتيجية ممنهجة لـ "تطهير" دمشق من الوجود المسيحي عبر الرحم. فبموجب الشريعة الإسلامية، الطفل المولود من اغتصاب مسلم هو مسلم تلقائياً. هذا يعني أن الاغتصاب كان وسيلة لسرقة أجيال المستقبل من الطائفة المسيحية. إجبار الناجين على النطق بالشهادتين قبل ذبحهم يثبت أن الهدف لم يكن القتل فقط، بل إذلال الهوية ومحوها. هذا المستوى من العنف يحمل في طياته بذور ما سيُعرف لاحقاً في القرن العشرين بمصطلح "الإبادة الجماعية"، حيث يكون الهدف تصفية الجماعة ليس فقط جسدياً، بل نفسياً وديموغرافياً.
6. الخاتمة: ندوب في ذاكرة المدينة
عندما دخل الوالي الجديد معمر باشا دمشق، كان قد فات الأوان. كان على فؤاد باشا لاحقاً أن يعيد بناء ليس فقط الحجر الذي أحرق، بل الثقة التي حُطمت. إن نجاة 85% من المسيحيين بفضل وجهاء مسلمين شجعان (مثل الستاري والعطار) تثبت أن دمشق لم تكن كلها غوغاء. لكن ندبة 1860 أثبتت هشاشة العيش المشترك أمام غياب الدولة القوية. لقد نجت دمشق من الإبادة الكاملة بفضل "سلطة الضمير" التي جسدها عبد القادر ونخبة المدينة، لكنها ظلت لأجيال تحمل في جدران باب توما وباب شرقي ذاكرة النار التي تأكل الجسد والحجر معاً.
سوريات
*****
تعقيب الباحث إلياس بولاد
ما جاء في المقال أعلاه، ليس وثيقة تحليلية كما يوهمنا الكاتب، بل تكرار لما كتب عن مشاهدات كرستها سرديات مشاقة، وكتاب "حسر اللثام عن نكبات الشام" لمؤلف مجهول، ومرويات اسلامية.. (وهنا لا ننفي ما ورد فيها من احداث، ولكن فيها امور كثيرة غير دقيقة ..).
بالاجمال لا يمكن ان نعتبر ما قدم من معلومات "بوثيقة تحليلية"، فلم يذكر شيئاً عن هدف تدمير الحرير المسيحي الذي يعتبر العصب الصناعي، وإن دمشق كانت حسب قاموس التاريخ والجغرافيا الفرنسي المطبوع عام ١٨٥٤م. "المدينة الصناعية الأولى بالشرق". ولا عن أزمة الحرير التي ضربت الصين واوروبا، وان الساحل السوري، كان المكان الوحيد الذي نجا من تلك الجائحة، وان انتاج جبال لبنان من الحرير كانت كلها، تستهلكها ورشات دمشق...
وكيف بدأ الفرنسيون والانجليز وغيرهم يقيمون حالات الحرير الحديثة في جبال لبنان.. والتسهيلات التي قدمتها الدولة العثمانية للتجار الأجانب ٤% ضريبة بينما الرعايا العثمانيون كانت الضريبة تصل الى ٢٥% إذا أرادوا تصدير منتجاتهم..!؟ أخيرا وليس آخرا: تدهور العملة العثمانية... والانتقال الى التعامل بالعملات الاجنبية أو الذهب.. ما انعكس سلبا وخرابا اقتصاديا على منتجي النسيج الدمشقيين (مسلمين ومسيحيين).. تسهيل دخول المنتجات المصنعة أوروبيا (عبر طريق بيروت دمشق الذي افتتحته وامتلكته شركة ديليجانس الفرنسية).
تدمير آلات الجاكار الميكانيكية التي استوردها ال بولاد من فرنسا، وأثبتت جدارتها بزيادة الانتاج كما ونوعا.. وكان الهدف من تلك المجزرة الرهيبة التي طالت المسيحيين الدمشقيين قتل الحرفيين المهرة، وتهجير من تبقى منهم.
******
رد "سوريات" على بولاد:
المقال هو تلخيص لكتاب أحداث دمشق المنشور حديثاً وهو ذكر موضوع الضرائب، لكنه أغفل موضوع الصناعيين الدمشقيين المسيحيين. شكراً لاضافتك المهمة علماً ان مصادر أُخرى تؤيد كلامك.
*****
تعقيب من بولاد: على "سوريات":
تحليلك صحيح لأنني قرات كتاب أوجين روغان، وقد أغفل الاسباب الاقتصادية لتلك الاحداث التي عصفت بدمشق كما أغفل تداعياتها، وأستغرب ذلك من مؤرخ معروف.