خدعة تحويل الشيخ أحمد أفندي الحامد الى الشيخ صالح العلي.. كيف حاولت صورة واحدة صنع رواية مزيفة

سيمون خالد علي

بكل صراحة نحن نواجه محاولة مقصودة لصناعة اتهام تاريخي كامل من صورة واحدة جرى العبث بدلالتها ثم تحميلها ما لا تقوله الوثيقة اصلا. فالمنشور لم يات بوثيقة اصلية حاسمة، ولم يقدم تسمية ارشيفية صريحة، ولم يثبت الزمان ولا المكان ولا هوية الشخص الظاهر، ثم قفز فوق كل هذا الفراغ ليصدر احكاما نهائية في التاريخ والكرامة والنضال والخيانة. وهذا تلفيق مكتمل الاركان يراد له ان يمرر بالكراهية والانفعال.
بنود تفكيك علمي لادعاء فاسد من جذوره. سنضع كل ركن من اركانه تحت ضوء الوثيقة والمنطق، حتى يتبين بلا التباس ان ما قدم على انه تصحيح للتاريخ ليس سوى تشهير سياسي مغلف بصورة قديمة، وان الدعوى سقطت قبل ان تبدا لانها قامت على الانفعال بدل البرهان، وعلى الرغبة في الادانة بدل واجب الاثبات.
اولاالشيخ احمد الحامد1 والجنرال غورو
الصورة محفوظة في الارشيف العسكري الفرنسي ECPAD ضمن السلسلة SPA 72 H، وهي في اصلها جزء من توثيق فرنسي لجولة تفقدية للجنرال غورو في الجبال الساحلية السورية.
النص الفرنسي الرسمي المرافق للصورة يكتفي بوصف عام للحاضرين بصيغة: وجهاء وزعماء محليون.
هذا الوصف العام لا يجيز علميا القفز من عبارة مثل وجهاء محليون إلى الجزم بأن احدهم هو الشيخ صالح العلي.
غياب اسم صالح العلي قرينة مهمة، لأن الادارة الفرنسية التي سخرت قوات كبيرة لملاحقته، واستنزفت في حربه عشرات الكتائب والمدفعية والطيران، كانت ستذكر اسمه بوضوح لو كان حاضرا في مثل هذا المشهد، لما يمثله ذلك من مكسب دعائي وسياسي كبير.
ثانيا
النسخة الاصلية للصورة، كما تحفظها الارشفة الفرنسية، هي صورة احادية اللون بالابيض والاسود، وهذا هو الشكل الطبيعي للوثيقة الفوتوغرافية في تلك المرحلة.
اما النسخة المتداولة فهي نسخة خضعت لتلوين رقمي حديث، بما يعني صورة جرى تعديلها بصريا لخدمة اثر معين في عين المتلقي.
هذا التلوين هو صناعة اثر نفسي مقصود ابراز الاعلام الفرنسية، تقوية التباين، اضافة ظلال درامية، ومنح المشهد كثافة بصرية توحي بمعنى سياسي اكبر مما تقوله الوثيقة الاصلية.
وهنا تكمن المشكلة المنهجية المتلقي العادي قد يظن ان النسخة الملونة اكثر صدقا لمجرد انها اوضح واكثر حضورا، بينما الحقيقة ان هذا الوضوح المصنوع اداة توجيه للانطباع.
لذلك يجب النظر اليها باعتبارها نسخة معالجة تحمل شحنة ايحائية قد تؤثر في الفهم وتدفع القارئ الى استنتاجات خاظئة.
ثالثا
يدعي المنشور أن الصورة التقطت سنة 1922 في الشيخ بدر، بينما
الصورة تعود إلى تشرين الأول 1921، و ليس إلى 1922، ويرتبط موقعها بـ ممر عقبة الأردو الجبلي، وهو معبر وعقدة مرور للأرتال والمواكب العسكرية.
وحتى لو سلمنا جدلا بتاريخ 1922، فإن ذلك يورط الرواية اكثر، لأن الشيخ كان آنذاك قد مر بمرحلة المطاردة، وصدور حكم الاعدام الغيابي بحقه، ثم وضعه تحت رقابة مشددة، وهو ما يجعل ظهوره في مشهد علني بروتوكولي مع غورو أمرا شديد التناقض مع وضعه السياسي والامني المعروف.
رابعا
ولد الشيخ سنة 1887، ما يعني أنه كان في حدود الخامسة والثلاثين زمن الصورة المفترضة، بينما الرجل الظاهر في اللقطة يبدو بملامح اكبر سنا بوضوح، اقرب إلى رجل تجاوز الخمسين.
الهيئة المعروفة له لا تنسجم مع الرجل الظاهر، فصالح العلي كان معروفا بشارب مشذب ومن دون لحية كثيفة، بينما الشخص في الصورة يظهر بلحية واضحة وهيئة وجه مختلفة.
كذلك فإن لباس الشيخ كان اقرب إلى اللباس العملي الميداني، لا إلى المظهر البروتوكولي الثقيل، في حين يظهر الرجل في الصورة بعمامة كبيرة وجبة داكنة فاخرة وهي هيئة اقرب إلى وجيه محلي او مسؤول اداري منها إلى قائد مقاومة مطارد.
العمامة الرسمية الكبيرة علامة اجتماعية ومقامية، لأنها ترتبط بهيئة الاعيان واصحاب المواقع الادارية والتمثيلية، و ليس بصورة رجل يقود ثورة شعبية متنقلة في الجرود والجبال.
حتى لغة الجسد تكشف الرواية المتداولة فالرجل في انحناءة ودية مريحة باتجاه نافذة السيارة، اقرب إلى مشهد مضيف يودع ضيفا او يستقبله ضمن عرف اجتماعي رسمي.
الشخص هو الشيخ احمد افندي الحامد، نفس الهيئة العامة والعمامة واللباس والموقع الاداري في تلك الحقبة.
خامسا
الثورة السورية الكبرى سنة 1925 انطلقت من جبل العرب بقيادة سلطان الاطرش، وهي من حيث الجغرافيا والقيادة وبنية التنظيم حركة مختلفة عن ثورة الساحل التي قادها صالح العلي.
ثورة صالح العلي كانت قد خاضت مرحلتها القتالية الرئيسية بين 1918 و1921، أي قبل اندلاع ثورة 1925 بسنوات، وقد دخلت في ذلك الوقت طور الاستنزاف الكامل بعد نفاد الذخيرة، وضرب الحواضن الفلاحية، وحرق القرى والبيادر، وتفكيك المجال الذي كانت تتحرك فيه.
بحلول 1925 كان الشيخ قد مر بالمطاردة، والحكم الغيابي، ثم الاقامة الجبرية المشددة منذ حزيران 1922، بما يعني فقدانه حرية التنقل، وتجريده من القدرة العملية على العودة إلى الفعل العسكري المفتوح.
هناك ثلاثة موانع موضوعية متزامنة تجعل مشاركته في ثورة 1925 غير ممكنة واقعيا:
الاقامة الجبرية والرقابة الامنية
الاستنزاف الكامل لثورته وقاعدته المحلية قبل 1925
اختلاف مسرح الثورة الجديدة جغرافيا وتنظيميا عن ساحل 1918–1921
وكل واحد من هذه العوامل كاف وحده لتفسير الغياب، فكيف إذا اجتمعت كلها في آن واحد.
لذلك فإن وصف غيابه عن ثورة 1925 بعبارة مثل كان ينام في العسل هو تجني دعائي يتجاهل الشروط المادية والسياسية والامنية التي كانت تحكم وضعه في تلك المرحلة.
سادسا
البحث التاريخي الرصين يقوم على اربع دعائم واضحة وثيقة اصلية، وتسمية صريحة، وتاريخ ثابت، ومكان موثق.
اما هذا المنشور فلا يملك شيئا من ذلك، ويستعيض عنه بصورة ملوّنة رقميا واستنتاج دعائي جاهز.
المنهج المتبع فيه قفز مباشر من صورة مجهولة الهوية إلى اتهامات كبرى بالخنوع والتزوير والعمالة، من دون سند وثائقي واحد يحسم هوية الشخص او زمان الصورة او مكانها.
وهذا السلوك يدخل في باب اغتيال الشخصية بالتلفيق يبدأ بادعاء غير مثبت، ثم يبني عليه حكما سياسيا واخلاقيا شاملا.
اللغة المصاحبة للمنشور تكشف طبيعته بوضوح شتائم، تعميمات طائفية، اتهامات جماعية، ونبرة تحريض.
كذلك فإن ربط وقائع عشرينيات القرن الماضي بأحزاب وتشكيلات نشأت فيما بعد هو خطأ زمني ومنطقي فادح، يصدر عن رغبة مسبقة في صناعة متهم قبل فحص الدليل.
سابعا
الكتاب هو En Syrie avec le général Gouraud لابيه E. Wetterlé، وصدر في باريس سنة 1924، ويذكر منذ صفحاته الاولى انه يضم اثنتي عشرة لوحة خارج المتن وخريطة، نحن امام كتاب رحلة وانطباعات مصحوب بصور، و ليس سجل ارشيف عسكري صارم.
والمؤلف يصرح منذ البداية ان الرحلة التي شارك فيها كانت بعثة اقتصادية، وان الانطلاق كان من مرسيليا يوم الاربعاء 13 ايلول 1922 على متن Pierre-Loti. الكتاب يسجل رحلة 1922.
لكن الصورة في اصلها محفوظة في الارشيف العسكري الفرنسي ECPAD ضمن السلسلة SPA 72 H، وهي جزء من توثيق فرنسي لجولة تفقدية للجنرال غورو في الجبال الساحلية السورية. والوصف الرسمي العسكري للصورة يكتفي بصيغة عامة وجهاء وزعماء محليون، ولا يقدم التسمية الشخصية الحاسمة التي يريدها صاحب المنشور. وعليه فنحن امام فرق منهجي واضح بين الوصف الارشيفي الرسمي وبين التعليق المطبوع داخل كتاب رحلة لاحق.
النص المحيط بالصورة في الصفحتين 154-155 يتضمن كلاما استشراقيا عاما عن النساء والحريم و العرب والصمت في المقاهي، ثم ينتقل مباشرة الى عنوان En route pour Alep.
التعليق تحت الصورة تسمية مختصرة "الشيخ صالح" داخل كتاب انطباعي، ولا يجوز ان يتفوق وحده على الوصف الرسمي في الارشيف العسكري، ولا ان يحسم هوية شخص من دون مقابلة بالوضع التاريخي والعسكري والقرائن البصرية.
ثم ان اسلوب المؤلف نفسه يكشف طبيعته الانطباعية والاستحضارية. ففي الكتاب صورة من القدس يعلق عليها بعبارة Rue de Jérusalem... comme au temps du Christ، اي: شارع من شوارع القدس كما في زمن المسيح.
مع صورة توحي بأنه يصوّر المسيح.
وهذا اسلوب لا يقوم على التعريف الارشيفي المنضبط. لذلك فتعليقه تحت الصورة ينبغي ان يقرأ داخل هذا المزاج الكتابي نفسه.
ويضاف الى ذلك ان شهرة الشيخ صالح العلي في تلك المرحلة كانت قد طبقت الافاق في الخطاب الفرنسي والعام، ما يجعل احتمال استدعاء اسمه داخل كتاب رحلة دعائي او انطباعي احتمالا قائما منهجيا، خاصة عندما يكون النص نفسه غير مسند بشرح داخلي للواقعة المصورة.
رابط الكتاب: https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k373623s/f5.item