تفتيت مجتمع المشرق العربي ابان السيطرة العثمانية

د. صفية أنطون سعادة

موضوع وحدة المجتمع موضوعٌ تتناوله وتهتمّ به كل الدول دون استثناء، لأنّ قوّة الوطن ترتكز على قاعدة وحدة المجتمع وتماسكه. وكل دولة تواجه انقساماً في مجتمعها تحاول أن تجد حلولاً له. ولقد تميّزت دول الغرب في العصر الحديث بانقسام المجتمع تبعاً لاعتبارات عِرقية-إثنية. أمّا نحن، في منطقة المشرق العربي، فالانقسامات الحادّة تمحورت حول الدين والطائفة، ويعود السبب في ذلك إلى سيطرة الإمبراطورية العثمانية التي حكمت المنطقة على مدى أربعة قرون.

استولى العثمانيون على بلاد الشام (سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين) في عام 1516، وذلك في عهد السلطان سليم الأول، عقب انتصارهم الحاسم على المماليك في معركة مرج دابق بالقرب من حلب. تبع ذلك استكمال السيطرة على باقي مناطق الشام ومصر خلال عام 1517. أمّا العراق، فقد استطاع السلطان سليمان القانوني من احتلاله عام 1534، حين دخل بغداد وأنهى الحكم الصفوي في البلاد. واستمرّ الحكم العثماني في المشرق العربي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 والتي أدّت إلى احتلال بريطانيا وفرنسا للمنطقة.

أربعة قرون من الحكم العثماني كانت كفيلة بترسيخ نظام الملّة الذي أدّى إلى تفتيت مجتمع الهلال الخصيب. وبالرغم من أنّ بعض المؤرّخين يعزون نشوء هذا النظام إلى الروح المنفتحة والمتسامحة للعثمانيين تجاه الأديان والمذاهب الأخرى، إلا أنه، وفي نهاية المطاف، قسّم المجتمعَ بشكل أصبح من الصعب جدّاً إعادة لحمته.

نظام الملّة هو تدبير حكومي لحكم أقلّيات تختلف أديانها أو مذاهبها عن دين الدولة العثمانية المسيطرة. ما يعني أنّ نظام الملّة هو النتيجة الحتميّة لحكم الدولة الدينية. فالسلطنة العثمانية قرّرت تطبيق الشريعة الإسلامية السنّية على سنّة السلطنة، وسلّمت أمور الأديان والمذاهب الأخرى إلى رؤساء مللهم، أي إلى رجال الدين.

إذاً، التمايز والاختلاف ما بين سكّان السلطنة العثمانية، لم يُنظر إليهما من وجهة نظر اختلاف الشعوب العِرقي، أو الاختلاف في اللغة أو العادات. فلا تمييز في هذه السلطنة بين سوري، أو تركي، أو ألباني، بل تمييز ديني، بحيث إن السوري المسيحي الأرثوذكسي، والتركي الأرثوذكسي سيتبعان القانون نفسه، كما يراه رجال الدين الأرثوذكس، بينما المسلم السنّي السوري، والتركي السنّي، والألباني السنّي، سينتمون إلى مجموعة أخرى تخضع لقوانين مغايرة.

تقسيم المجتمعات التي حكمها العثمانيون بهذا الشكل أدّى إلى إعطاء الأولوية للتمايز الديني، وإلى فقدان الشعوب التي سيطر عليها العثمانيون معنى انتمائها الوطني. فأخذ السوري السنّي يشعر بأنه والتركي السنّي حالة واحدة، لا فرق بينهما، بينما لا يخالج السوري السنّي الشعور نفسه بمواجهة السوري المسيحي، أو سوري ينتمي إلى أي طائفة أخرى.

التفرقة والتمييز والفصل على الأساس الملّي-الديني أدّت كلها إلى النتائج التالية:
أولاً: عدم المساواة بين ساكني السلطنة العثمانية، ليس على أسس إثنية أو كشعوب، بل كأديان، فمُنع السوري المسيحي مثلاً من الانخراط في الجيش، أو تبوّؤ أي مركز من مراكز السلطة والدولة.

ثانياً، إنشاء تراتبية لا تقوم على العلم والكفاءة أو حتى المهنة، بل تقوم على الدين. فثمة مذاهب، بحسب نظام الملل، أعلى قيمة ومستوى ورفعة من مذاهب أخرى. وبينما العلم والمعرفة أصبحا - في تلك الفترة من تاريخ أوروبا المحاذية للسلطنة العثمانية - مفتاح التقدّم، والباب الذي يدخل عبره كل أفراد المجتمع، بمعزل عن خلفياتهم الدينية أو الإثنية، نجد أن التراتبية الدينية تؤدّي إلى جمود المجتمع لأن لا العلم ولا الكفاءة سيؤدّيان إلى تقدّم في المراكز الاجتماعية، بل الانتساب إلى الملّة المناسبة، ما أدّى إلى انتفاء التطوّر والتغيير في المشرق العربي مجاراة لما يحدث في العالم.

صحيح أنّ السلطنة العثمانية حمت السكّان من التعرّض للحروب، لكنّها في الوقت ذاته قطعت أي صلة بين ضفتي البحر المتوسط، ما منع التواصل والاستفادة من التطوّرات الحاصلة. لذلك، حين اقتحم الغرب الاستعماري المشرق العربي الذي كان غافلاً عمّا يدور في العالم من ثورات علمية وصناعية، وجد منطقة عزلاء لا تستطيع الدفاع عن نفسها.

أودّ أن أشير هنا إلى الفرق الكبير ما بين سيطرة الإمبراطورية الرومانية على منطقتنا، وسيطرة السلطنة العثمانية. فالأولى قسّمت المنطقة بحسب شعوبها، وليس بحسب أديانها ومللها، فلم تمسّ جوهر المجتمعات القائمة، بينما حُكم السلطنة العثمانية دمّر مجتمع المشرق العربي كمجتمع متماسك وموحّد، فأصبح ما يجمع الناس انتماؤهم الديني، لا الأرض التي يعيشون عليها، ولا الحياة المشتركة التي لم يعودوا يتقاسمونها، فانقسمت المدن إلى حارات طائفية منعزلة، تبني أسواراً تزنّر فيها منطقتها خوفاً من «أعدائها» -أي الطوائف الدينية الأخرى- وغالباً ما تغلق أبوابها مع غروب الشمس اتّقاء لهجمة مباغتة، وأسماء الأبواب لا تزال ترنّ في آذاننا حتى اليوم: باب شرقي، باب غربي، باب توما، باب إدريس...

مع نظام الملّة أصبح الخطر داخلياً، ولم يعد خارجياً، وطلبُ الدعم من الخارج أمراً عادياً، فانتفى دور المدينة الجامع والموحّد.
ثالثاً، إنّ التقسيم العمودي للمشرق العربي من قبل العثمانيين على أسس الملل الدينية، جعل كل مجموعة تتقيّد بقوانينها وشرائعها وأحكام ملّتها، ما أدّى إلى تكوّن دويلات ملّية ضمن المجتمع، وكأنها دويلات مستقلّة تخضع لحكم ذاتي. وبالمدى الذي بدأ الضعف يعتري السلطنة العثمانية، قويت شوكة هذه الدويلات الملّية وكبر نفوذها، كما قوي نفوذ رجال الدين على حساب السلطة المدنية، وأصبح الفرد تحت الوصاية الدينية منذ ولادته وحتى مماته. فرجال الدين هم القيّمون على تدوين الولادات والوفيات والزيجات والطلاق وجمع الضرائب والإرث والمحافظة على المقابر وإنشاء المدارس.

رابعاً، مع إرساء نظام الملّة، ضاعت معالم الحدود الجغرافية، وماهية الشعوب وخصائصها الحضارية، واستُبدلت بتشريعات دينية قد تُطبّق في أي بلد من بلدان العالم. وقد استطاع الغرب الاستعماري في ما بعد، من التغلغل في مدن المشرق العربي مستعملاً نظام الملل العثماني بالذات لتبرير تدخلّه وهيمنته في المنطقة، فطالبت روسيا بحماية الروم، والفاتيكان بحماية الموارنة، والإنكليز بحماية الدروز في بلاد الشام.

هذا هو الوضع الذي كانت فيه بلدان المشرق العربي في منتصف القرن التاسع عشر، حين بدأت تطلّ علينا دول الغرب القومية الطامحة إلى التحكّم بمقدّراتنا الاقتصادية. لقد دخلت الدول الغربية المنطقة ليس كدول دينية، بل كدول قومية متفوّقة، وكانت الإمبراطورية العثمانية منذ استيلائها على المشرق العربي قد أوقفت التعامل التجاري مع الغرب عبر مرافئنا، واقتصر التبادل على المدن التركية، فانهار اقتصاد المشرق العربي، وكثرت الهجرة بسبب الفقر، كما توقّف التبادل الفكري لقرون مديدة، فلم تكن المنطقة على علم بالتطوّرات الحاصلة في أوروبا: من تلاشي حكم الكنيسة الكاثوليكية، ونشوء دول قومية علمانية، ترفض المزج بين الدين والسلطة الزمنية، وتعتمد في تشريعها وسياستها مبادئ عقلانية وضعية تتماشى مع تطوّر مجتمعاتها.

مع دخول الدول الغربية منطقة الإمبراطورية العثمانية برزت مفاهيم جديدة كالديمقراطية، والحرية، والمساواة، والسيادة الوطنية، وانتشرت بشكل واسع عبر الإرساليات والمدارس الأجنبية، ليس فقط في بلاد الشام، بل في تركيا نفسها أيضاً. وانتشار هذه الأفكار أحدث ثورةً في المفاهيم والقيم. ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، لا يزال الصراع قائماً في بلادنا بين الحداثة والفكر السلفي، وبين المجتمع المدني والدولة الدينية، وبين فصل الدين عن الدولة وسيطرة رجال الدين على السلطة السياسية، وما بين العقل والتقليد، وما بين العِلم والتجهيل!

أودّ أن اشير هنا إلى الفرق الكبير ما بين سيطرة الإمبراطورية الرومانية على منطقتنا، وسيطرة السلطنة العثمانية. فالأولى قسمّت المنطقة بحسب شعوبها، وليس بحسب أديانها ومللها، فلم تمسّ جوهر المجتمعات القائمة، بينما حُكم السلطنة العثمانية دمّر مجتمع المشرق العربي كمجتمع متماسك وموحّد، فأصبح ما يجمع الناس انتماؤهم الديني، لا الأرض التي يعيشون عليها، ولا الحياة المشتركة التي لم يعودوا يتقاسمونها، فانقسمت المدن إلى حارات طائفية منعزلة، تبني أسواراً تزنّر فيها منطقتها خوفاً من "اعدائها"- أي الطوائف الدينية الأخرى - وغالباً ما تغلق أبوابها مع غروب الشمس اتّقاء لهجمة مباغتة، وأسماء الأبواب لا تزال ترنّ في آذاننا حتى اليوم: باب شرقي، باب غربي، باب توما، باب ادريس ...
مع نظام الملّة أصبح الخطر داخلياً، ولم يعد خارجياً، وطلبُ الدعم من الخارج أمراً عادياً، فانتفى دور المدينة الجامع والموحّد.
ثالثاً، ان التقسيم العامودي للمشرق العربي من قبل العثمانيين على أسس الملل الدينية، جعل كل مجموعة تتقيّد بقوانينها وشرائعها وأحكام ملّتها، ما أدّى إلى تكوّن دويلات ملّية ضمن المجتمع، وكأنها دويلات مستقلّة تخضع لحكم ذاتي. وبالمدى الذي بدأ الضعف يعتري السلطنة العثمانية، قويت شوكة هذه الدويلات الملّية وكبر نفوذها، كما قوي نفوذ رجال الدين على حساب السلطة المدنية، وأصبح الفرد تحت الوصاية الدينية منذ ولادته وحتى مماته. فرجال الدين هم القيّمون على تدوين الولادات والوفيات والزيجات والطلاق وجمع الضرائب والارث والمحافظة على المقابر وانشاء المدارس.
رابعاً، مع إرساء نظام الملّة، ضاعت معالم الحدود الجغرافية، وماهية الشعوب وخصائصها الحضارية، واستُبدلت بتشريعات دينية قد تُطبّق في أي بلد من بلدان العالم. وقد استطاع الغرب الاستعماري فيما بعد، من التغلغل في مدن المشرق العربي مستعملاً نظام الملل العثماني بالذات لتبرير تدخلّه وهيمنته في المنطقة، فطالبت روسيا بحماية الروم، والفاتيكان بحماية الموارنة، والانكليز بحماية الدروز في بلاد الشام.
هذا هو الوضع الذي كانت فيه بلدان المشرق العربي في منتصف القرن التاسع عشر، حين بدأت تطلّ علينا دول الغرب القومية الطامحة إلى التحكّم بمقدّراتنا الاقتصادية. لقد دخلت الدول الغربية المنطقة ليس كدول دينية، بل كدول قومية متفوّقة، وكانت الإمبراطورية العثمانية منذ استيلائها على المشرق العربي قد أوقفت التعامل التجاري مع الغرب عبر مرافئنا، واقتصر التبادل على المدن التركية، فانهار اقتصاد المشرق العربي، وكثرت الهجرة بسبب الفقر، كما توقّف التبادل الفكري لقرون مديدة، فلم تكن المنطقة على علم بالتطورات الحاصلة في أوروبا من تلاشي حكم الكنيسة الكاثوليكية، ونشوء دول قومية علمانية، ترفض المزج بين الدين والسلطة الزمنية، وتعتمد في تشريعها وسياستها مبادئ عقلانية وضعية تتماشى مع تطّور مجتمعاتها.
مع دخول الدول الغربية منطقة الإمبراطورية العثمانية برزت مفاهيم جديدة كالديمقراطية، والحرية، والمساواة، والسيادة الوطنية، وانتشرت بشكل واسع عبر الارساليات والمدارس الأجنبية، ليس فقط في بلاد الشام، بل في تركيا نفسها أيضاً. وانتشار هذه الأفكار أحدث ثورة في المفاهيم والقيم. ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، لا يزال الصراع قائماً في بلادنا بين الحداثة والفكر السلفي، وبين المجتمع المدني والدولة الدينية، وبين فصل الدين عن الدولة وسيطرة رجال الدين على السلطة السياسية، وما بين العقل والتقليد، وما بين العِلم والتجهيل!