الجد الأكبر لعائلة عبد الرزاق (آل الترجمان)
جَدُنا الأكبر
المحامي هشام عبد الرزاق
جاءت عائلة عبد الرزاق (آل الترجمان) إلى مدينة طرطوس سنة ١٧٢٦م، قادمة من مدينة صيدا اللبنانية، وذلك بناءً على طلبٍ مباشر من الباب العالي، حيث أُسندت إليها مهمة إدارة المدينة، ومنحت لقب (البك)، وهو لقب شرفي وظيفي كان يُمنح في العهد العثماني للشخصيات التي تكلَّفت بمهام إدارية أو خدمات عامة في الولايات.
في تلك الفترة، كانت طرطوس مدينة مهملة، قليلة السكان، شبه خالية من التنظيم العمراني، فباشرت العائلة بمهامها، فاستصلحت الأراضي، وزرعت الزيتون والحمضيات، وأدخلت زراعة التين والصبار، وأسهمت في تنشيط العمران والتجارة، لتكون من أوائل العائلات التي ساهمت في إعادة الحياة إلى المدينة الساحلية، وربطها مجددًا بالمحيط الإقليمي، إدارياً وزراعياً وتجاريًا.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، برز اسم جَدُنا الأكبر عبد الرزاق بك العبدالله (وثيقة ١)، أحد أبرز أبناء العائلة، والذي لعب دورًا كبيرًا في خدمة الأهالي وإدارة شؤون المدينة، وبرز كوجه محلي له مكانة بين سكان الساحل. وقد ورث هذا الدور من بعده ابنه محمود بك عبد الرزاق (صورة ٢)، الذي يمكن عدّه المؤسس الفعلي للوجود المدني والإداري الحديث في طرطوس.
وُلِد محمود بك في طرطوس عام ١٨٩٠، في ساحة المدينة القديمة (مبنى الفندق حالياً) وترعرع فيها، وفي عام ١٩٢٢ انتُخب بالإجماع رئيسًا لبلدية المدينة، فبدأ مشوارًا طويلاً في خدمة الشأن العام، في وقت كانت فيه طرطوس تفتقر إلى أبسط مقوّمات الحياة الحضرية.
أنشأ البنية التحتية الأولى للمدينة، فاستخرج المياه من البئر، وشقّ الشوارع الرئيسية: شارع الجميل، وشارع الميناء، وشارع السرايا (صورة ٣+٤+٥+٦) أنشأ الحديقة العمومية (حديقة الكاتدرائية)، واستملك العقارات المحيطة بها وضمّها لتوسيع المساحة، وبنى فيها بركة ماء. وفي عام ١٩٣١، نفذ مشروعًا جريئًا حين حفر بئرًا باستخدام آليات ميكانيكية حديثة "نادرة الاستخدام حينها " لتوزيع المياه على المدينة، فأسّس بذلك شبكة مياه أهلية، ووضع نواة مشروع المياه الحديث في طرطوس. (صورة ٧+٨).
وعندما حاول الفرنسيون فرض شركة كهرباء أجنبية بامتياز احتكاري، وقف ضد المشروع، وخاض مواجهة قانونية وسياسية، انتهت بتأسيس شبكة كهرباء محلية بأيدٍ وطنية، بالتعاون مع رفيقه التاجر الوطني بشير هيكل. (صورة ٩+١٠)
إلى جانب مهامه البلدية، كان محمود بك عبد الرزاق ناشطًا سياسيًا في فترة حساسة من تاريخ البلاد، حيث انخرط في الحياة النيابية، وانتُخب نائبًا لمحافظة اللاذقية ممثلاً عن مدينة طرطوس (لم تكن طرطوس مركز محافظة في ذاك الوقت) في البرلمان السوري الفيصلي الذي أنشأته سلطات الانتداب الفرنسي، في سياق محاولة تقسيم سوريا إلى كيانات طائفية وجهوية (صورة ١١).
في ذلك الوقت، نشأت ما سُمّي بـ “دولة العلويين” (نسبة إلى جغرافيا الجبال وليس طائفة) ككيان سياسي مفصول عن دمشق، وقد شكّلت فرنسا لهذا الكيان مجلسًا تمثيليًا محليًا. إلا أن المجلس شهد بروز تيار وطني داخله رفض الانفصال، وطالب بالعودة إلى سوريا الأم. وكان محمود بيك عبد الرزاق من أبرز وجوه هذا التيار، ووقف مع زملائه عبد القادر بك شريتح والشيخ مجد الدين الأزهري واسماعيل الهواش وجابر العباس وحامد المحمود وعبد الكريم فياض واسبر بشور والدكتور اسكندر بشور والشيخ علي محمد كامل وأحمد صقر رسلان. وغيرهم
هذا التيار كان يمثّل الصوت العاقل من أبناء الساحل السوري، الذين رأوا أن خلاصهم لا يكون في الانعزال، بل في الاندماج الكامل ضمن الدولة السورية الواحدة. وقد شاركوا في المؤتمرات والاجتماعات التي عُقدت في طرطوس واللاذقية وبيروت، مطالبين بإنهاء التجزئة وضمّ الدولة العلوية إلى الكيان السوري. وقد ذكرهم المؤرخ عزيز الهواش في كتابه “تكون الجمهورية سورية والانتداب ” كشخصيات محورية لعبت دورًا مفصليًا في تعطيل المشروع الانفصالي، والسعي لوحدة البلاد.
تم على اثر اجتماعاتهم انهاء الانفصال والاتفاق على الوحدة السورية واطلاق اسم محافظة اللاذقية على الدولة الانفصالية. (صورة ١٢).
استمر محمود بك عبد الرزاق في منصبه البلدي والنيابي حتى وفاته سنة ١٩٤٦ عن عمر ناهز 56 عامًا. وبعد رحيله، انتقلت الزعامة إلى ابنه رياض بك عبد الرزاق، الذي تابع المسيرة في سياق سياسي أكثر اضطرابًا. (صورة ١٣+ ١٤+ ١٥+ ١٦).
شارك رياض بك في العمل المقاوم ضد الاحتلال الفرنسي (صورة ١٧)، وكان من بين من نظّموا حركة تسليح محلية، وموّلها من ماله الخاص، وتهريب جنود منشقين عن الجيش الفرنسي وارسالهم إلى الداخل السوري، ومن أبرز تحركاته أيضاً تنظيمه ل “حادثة الميناء” (انظر الرابط في الهوامش)، ومن ثم وقيادته لمظاهرة تاريخية في باحة كاتدرائية طرطوس أثناء زيارة الجنرال ديغول، مطالبًا برحيل الانتداب الفرنسي (صورة ١٨+١٩+٢٠+٢١). وقد كانت تلك الوقفة مفصلية في تاريخ المدينة، حيث اتفق مع اهلها برفع علم التحرير السوري (الحالي) في وجه الجنرال والنداء (Vive la Syri، Vive la Syri) عاشت سوريا، باللغة الفرنسية.
وبعد الاستقلال، انتُخب رياض بك عبد الرزاق نائبًا عن طرطوس لأربع دورات متتالية، حتى توقّف العمل النيابي مع إعلان الوحدة السورية–المصرية، وكان من احد أعماله في الفترة النيابية مرفأ طرطوس. (صورة ٢٢).
في بداية الستينيات، ومع صعود حزب البعث إلى السلطة، شارك رياض بك في إضراب تجار دمشق الذي عرف ب إضراب الستين احتجاجًا على تغوّل السلطة الجديدة، فاعتُقل في سجن المزة، وتعرّض للتعذيب ، بعدها بفترة سجن في تدمر، مع رجالات سوريا الوطنيين وبقي فيه عامًا كاملاً. وبعد خروجه من السجن، قرر اعتزال العمل السياسي، ورفض الاستجابة لطلب حافظ الأسد باستقباله أثناء زيارة الأخير إلى طرطوس بداية عام ١٩٧١، ما أثار غضب رأس النظام، فصودرت أراضيه، وهُدمت بحقد منازل العائلة على رؤوسهم في شارع ما سمي بالثورة، (صورة رقم ٢٣) وبقيت الاستملاكات تطال العائلة حتى سنة ٢٠٠٦ في إطار سياسة استهداف ممنهج طالت كثيرًا من العائلات والشخصيات الوطنية.
ورغم كل تلك الممارسات، ظلّ اسم العائلة حيًّا في وجدان المدينة، وانتقل إلى الجيل الثالث، لي أنا، حيث لم اعمل في المناصب السياسية انسجاماً وإيماناً بموقف العائلة من جرائم النظام والبعث وحقده، لكنني لم اتوانى عن خوض معارك الذاكرة والتاريخ والتراث.
حفيد رياض بك، ابن محمود بك، أنا المحامي هشام عبد الرزاق، اخترت أن اسلك طريقًا آخر في زمن الرعب والخراب. فأنشأت صفحة “tartous madinati” على فيسبوك، لأكتب عن تاريخ المدينة وآثارها المنسيّة، ولأوثق ما لم يُكتب، وليحمل ذاكرة من سبقه بكثير من الأمانة وبدون شعارات.
عملت قبلها في خدمة تراث مدينتي منذ سنة ٢٠٠٤ وتوقفت بتاريخ ١٥ حزيران ٢٠١١ بعد انطلاق الثورة السورية المباركة بشهرين، وقمت خلال تلك السنوات بعدد من المبادرات المتواصلة لحماية المواقع الأثرية في طرطوس القديمة، وعمريت، وأرواد، وسعيت جاهدًا لتسجيلها على قائمة التراث العالمي اليونسكو.
وصل صوتي حينها إلى زوجة المجرم الهارب وتم مني حينها طلب المساعدة في التسجيل … لكن دون فائدة طبعاً.
لم أكافئ يوماً على ما فعلت، وهو أمر لا ابتغيه، بل على العكس تماماً، فقد فوجئت في زمن النظام البائد بأن المديرية العامة للآثار قامت بمكافأتي بحقدٍ عليّ كما حقد البعث على جدي ،فقد أقدمت المديرية على استملاك ما تبقى من الأقبية القديمة عام ٢٠٠٦ التابعة لعائلتي والواقعة على الواجهة البحرية لكورنيش طرطوس (المدينة القديمة)! ودون سابق انذار…
يا له من حقد…
واليوم، بعد تحرر البلاد وهروب الطاغوت وأعوانه، انقشعت الغمّة، وعادت البلاد إلى مسارها الوطني بقيادة الرئيس أحمد الشرع ورفاقه، تنفّس السوريون الصعداء، وبدأت الحياة تعود إلى طبيعتها خطوةً خطوة، بكل ما تحمله من كرامة وهدوء واستقرار.
تدقيق لغوي: الشريفة علوية آل الفضل
بحث وتدقيق واعداد: المحامي هشام عبد الرزاق.
وثائق محمود بك عبد الرزاق: أرشيف الاستاذ خلدون عجان، له مني ألف شكر.
هامش: ميناء الجلاء
- صفحة Tartous Madinati صفحة متخصصة (بتاريخ) مدينة طرطوس القديمة فقط، الصفحة مستقلة لا علاقة لها بصفحات أخرى.
- حقوق النشر محمية ومحفوظة للصور ولكل المعلومات الواردة للكاتب في هذه الصفحة.
- يمكن الاقتباس والنشر مع الإشارة إلى الصفحة ومالكها.
- تعتبر المواد والعبارات المنطوقة الواردة تراثاً مادياً نعمل على الحفاظ عليه وتسجيله.
صفحة طرطوس مدينتي