سجن المزة.. منذ تأسيسه حتى إغلاقه
Arfan Nakshbandi
يقول الرئيس خالد العظم عن فترة اعتقاله في سجن المزة (وقبيل خروجي من سجن المزة أصبت بأزمة عصبية وقلبية بسبب استمرار الاعتقال وفقدان الحرية، لا سيما إغلاق باب الغرفة. وصرت كلما قابلت عائلتي لدى رئيس الحرس تنهمر دموعي وارتجف أطرافي، دون أن أقدر على التغلب على هذا الاندفاع. فعملت زوجتي كل ما استطاعت من اتصالات. واستدعت أطبائي للكشف علي وأعطوا تقريراً طبيّاً بعدم جواز استمرار الاعتقال، خشية من العواقب الخطيرة، وتكللت محاولاتها بالنجاح. فجاءت مساء العاشر من نيسان إلى رئيس الحرس وسلمته أمراً بإطلاق سراحي).
أفيما يصف الأديب محمد الماغوط فترة اعتقاله في السجن ذاته بأنها «كانت سببا في انفتاحه على موهبته قائلا، جعلتني تلك الفترة شاعرا دون أن أدري، أؤكد.. دون أن أدري».
مثل هذا اليوم، في 13 أيلول/سبتمبر 2000، صدر القرار بإغلاق سجن المزة وتحويله إلى معهد للعلوم التاريخية. وبعد إغلاقه، أُفرج عن بعض نزلائه، فيما نُقل آخرون إلى سجن صيدنايا.
يقع سجن المزة على هضبة مرتفعة جرداء، ملاصقة للجبل الذي بُني عليه في بداية الثمانينيات قصر الشعب المطل على مدينة دمشق. شيّد الفرنسيون عام 1923 الطابق الأول من السجن العسكري على أنقاض قلعة عثمانية، ليكون مخصصاً لتوقيف الجنود المذنبين أو المدنيين المحالين إلى المحاكم الفرنسية العسكرية. وكان السجن تحت إشراف الشرطة العسكرية. ويُذكر أن خالد بك العظم كان أول نزيل سياسي فيه عندما كان رئيساً للوزراء، غداة انقلاب حسني الزعيم، حيث قضى في السجن 24 ساعة قبل نقله إلى المشفى العسكري، حيث كان يُحتجز الرئيس شكري القوتلي.
في عهد الرئيس أديب الشيشكلي، شُيّد الطابق الثاني من السجن لاستيعاب معارضيه، فيما أضيفت خمس غرف واسعة مع مطبخ وحمام مطلع السبعينيات من أجل رفاق حافظ الأسد الذين اعتقلهم بعد استيلائه على السلطة. كما خُصصت غرفتان صغيرتان مع مطبخ وحمام للقيادة السابقة، وفق ما يذكر المعارض نزار نيوف.
يُعد سجن المزة من أشهر السجون في سوريا، إذ ارتبط اسمه بالانقلابات العسكرية، ابتداءً من انقلاب حسني الزعيم مرورا بانقلاب الشيشكلي وصولاً إلى انقلاب حافظ الأسد. وقد استقبل السجن خمسة رؤساء للجمهورية:
شكري القوتلي، سامي الحناوي، ناظم القدسي، أمين الحافظ، ونور الدين الأتاسي كما اعتُقل فيه رؤساء وزراء مثل خالد العظم، صبري العسلي، يوسف زعين، مأمون الكزبري، إلى جانب وزراء ورؤساء مجالس نواب، وزعماء أحزاب أبرزهم: أكرم الحوراني، صلاح البيطار، ميشيل عفلق، رشدي الكيخيا، عصام محايري، جولييت المير، صلاح جديد، يوسف فيصل الأمين العام للحزب الشيوعي، سعيد حوى القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى نواب مثل لطفي الحفار، جلال السيد، مصطفى الزرقا، فيضي الأتاسي، عوض بركات، حنين صحناوي، سهيل الخوري، فيصل العسلي، وعبد الوهاب حومد الذي وقّع شهادات التخرج الجامعية بصفته مكلّفاً بتسيير أعمال وزارة المعارف سنة 1951 من داخل زنزانته. كما ضم السجن معتقلين سياسيين عرب من لبنان والعراق وفلسطين، من أبرزهم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 1966.
ومن ضباط الجيش الذين مرّوا فيه: عبد الحميد السراج، عدنان المالكي، فهد الشاعر، أحمد سويداني وعبد الكريم زهر الدين، جاسم علوان. كما ضم أدباء كباراً مثل محمد الماغوط وأدونيس. وعلى سطحه أُعدم سليم حاطوم، فيما قضى فيه مؤسس الطليعة المقاتلة الشيخ مروان حديد. و الكثير من الشيوعيين و أعضاء من الحزب السوري القومي الأجتماعي.
يعتبر ناظم القدسي أكثر السياسيين زيارة للسجن حيث تعرض في حياته السياسية للسجن ثلاث مرات، كانت الأولى لدى انقلاب الشيشكلي سنة 1951، ثم سجن في المرة الثانية من قبل ضباط الانفصال خلال الفترة: 28/3/1962 - 12/4/1962، وسجن مرة ثالثة عقب انقلاب اذار 1963.
فيما يعتبر الضابط مصطفى فلاح، المؤيد لبعث العراق، السجين السياسي الأطول بقاءً في سجن المزة، إذ قضى فيه 27 عاماً. فقد أُدخل إليه عام 1971 وحُكم بخمسة عشر عاماً، لكنه بقي حتى مطلع 1998.
ومن أكثر الحوادث إثارة ودراماتيكية في تاريخ السجن كانت عملية تهريب عبد الحميد السراج، والتي تمت عبر أحد الحراس، وبمساعدة من الزعيم اللبناني كمال جنبلاط الذي كان وزيرا للخارجية في لبنان، واللواء شوكت شقير، ورئيس الأستخبارات اللبناني سامي الخطيب، وكل ذلك بتوجيهات الرئيس جمال عبد الناصر، الذي نسّق مع الرئيس فؤاد شهاب للسماح بدخول السراج إلى لبنان ومنه إلى مصر. (التفاصيل في كتاب ذئب المخابرات الأسمر للصفحي المصري نبيل عمر).
وكانت قد سبقتها عملية هروب لمحمود جميل نعمة الذي كان ضابطاً قوميا سوريا في الجيش السوري برتبة ملازم أول، والذي كان قد اعتقل وأودع سجن المزة في العام 1956 على إثر اتهامه بالاشتراك بمحاولة انقلابية أو ما سمي آنذاك “المؤامرة العراقية” واستطاع الهرب من السجن أواخر العام 1957 وسجل بذلك أول عملية هروب.
يتألف بناء السجن من كتلتين، تحوي كل منهما طابقين، تفصل بينهما ساحة داخلية. تطل الكتلة الأولى على مدينة دمشق والساحة الخارجية، ويؤدي إليها درج ضخم يقود إلى البوابة الرئيسية، محاط بأروقة تخدم غرف الجنود ومهاجعهم. وقد حُوّل أحد هذه المهاجع في الثمانينيات إلى مكتب فاخر لمدير السجن. أما الطابق الثاني من الكتلة الأولى، فيضم غرفاً للجنود ومستوصَفاً صغيراً يطل على المدينة من خلال شرفة حديدية.
وقبيل ولوج البوابة الخارجية، هناك فسحة صغيرة على جدرانها شعارات "ترحيبية"، مثل: "أنا بعث وليمت أعداؤه... عربي عربي عربي"، أو: "السجن: إصلاح، تهذيب، تقويم". ووفق صحيفة الشرق الأوسط، يصف أحد الزوار السجن بأنه يحتوي على زنازين متفاوتة الاتساع، بينها زنزانة "الطومبو" أو "القبر"، بطول مترين وعرض 80 سم وارتفاع أربعة أمتار، كانت مخصصة لفرد واحد، لكن أحياناً يُزج فيها شخصان، دون أي مرافق صحية.
وقد نُشرت العديد من المذكرات التي تناولت حياة السجناء خلف أسواره، منها:
30 يوماً في سجن المزة: ذكريات سوداء من العهد الأسود – نهاد الغادري.
مذكرات كتائبي في سجن المزة.
من وراء القضبان في سجن المزة وقلعة دمشق – محمد عزة دروزة.
من ضيافة صدام إلى سجن المزة – العميد الركن فؤاد عون.
الجلاد: عشرة أيام في سجن المزة – جورج كسّاب.
كما تحدث الرئيس خالد العظم مطولاً عن تجربته داخل السجن مع عدد كبير من الوزراء والنواب بعد انقلاب النحلاوي في عهد الانفصال، وكتب عن مشاعره ومعاناته في فترة الاحتجاز. وقد دفعته هذه التجربة لاحقاً إلى تأجير الطابق السفلي من شقته للسفارة التركية، كي يتمكن من اللجوء إليها في حال حدوث انقلاب جديد، تجنباً لعودة قسرية إلى زنزانات سجن المزة الباردة و هو ماحدث فعلا.
كان اغلاق السجن قد جاء بعد مطالبات لمجموعات حقوق الانسان والتي استجاب لها بشار الأسد كجزأ من عملية الأصلاح والتطوير التي بدأ بها عهده، وكانت قد بدأت السلطات السورية في صيف 2000 بنقل جميع المعتقلين من سجن المزة الى سجون أخرى فى عدرا الواقعة على مسافة 30 كيلومتر عن العاصمة وصيدنايا التى تبعد 35 كلم و الذي أصبح في عهد بشار الأسد من أسوأ و أخطر السجون في العالم و أكثرها وحشية.