أسبوع في سورية.. انطباعات شخصية وامتحان الأمل!
حمزة رستناوي | كاتب وباحث
(1)
عن الرايات وحرية التنقل:
للمفارقة، كم شعرت بالسعادة سعادة الناجي من الخطر وأنا أغادر حدود الوطن هاربا منذ 17 سنة، اليوم أشعر بسعادة ولهفة أكبر.. وأنا استلم جواز سفري من موظف الحدود مخاطبا (أهلا بك في بلدك). في الطريق من منفذ المصنع الحدودي مع لبنان الى مدينة حماة أوقفنا فقط حاجز واحد، سأل عنصر الأمن العام من وين الشباب؟ ممكن الهويات؟ بعد النظر لها سريعا أعادها لها مع ابتسامة لطيفة.. ربما يكون سؤال (من وين الشباب؟) عاديا أو يحتمل اشارة معينة كونه يتم التدقيق أكثر على الأشخاص من خلفية مناطقية علوية... ربما لأسباب أمنية أو انحيازات أخرى! لا أدري! عموما التنقل مريح ضمن المحافظات التي زرتها ولا يوجد رشاوى أو إساءات للمسافرين.. وحتى عند مروري في طريق حماة مصياف ومناطق الريف العلوي لمصياف لم أجد أية ازعاجات.. سؤال عابر من وين الشباب.. لعند مين رايحين؟
العديد من الطرق في مناطق الريف العلوي تبدو فارغة ليلا ويقتصر التنقل فيها نهارا بسبب حوادث خطف وسلب ونحوها... وتزداد هذه الحالات في الطرق الفرعية غير الأساسية.
في طريقي من حماة الى الرقة مرورا بسلمية والسعن، لم يتم ايقاف البولمان على حواجز الحكومة السورية، ولكن عند الانتقال الى مناطق قسد تم ايقاف الباص لحوالي نصف ساعة وتم إنزال كل الركاب الشباب وجمع هويات الركاب. طلب منا معاون الباص تغطية النوافذ بالستائر وقال ممنوع التصوير.. سألت المسافر الجالس في المقعد المجاور عن سبب ذلك، فقال لي (لازم يراضيهم ويدفع - أي رشوة).
وفقا لما سمعته من روايات الناس في سوريا خلال الحقبة الأسدية كان التنقل عبر الطرقات يشكل كابوسا بسبب حواجز الامن والدفاع الوطني والفرقة الرابعة.. ببساطة كانت الناس تتشاهد خوفا من احتمال الموت قبل المرور ببعض الحواجز سيئة الصيت التي شهدت اعتقالات وتصفيات ميدانية لأسباب طائفية غالبا! هناك شباب من أقرباء ومعارف العائلة كانوا فيما يشبه سجن منزلي لسنوات خوفا من توقيفهم على الحواجز بسبب التخلف عن خدمة الجيش والزج فيهم في خضم الحرب السلطة الأسدية على الشعب.
ثمة ارتياح كبير من قبل الشعب بقرار السلطة السورية الجديدة الغاء الخدمة العسكرية الإجبارية.. هذه الخدمة التي كانت سببا في تهجير مئات آلاف الشباب السوريين خارج البلد.. ومن ثم ابتزازهم ماليا عبر دفع البدل النقدي باهظ الثمن!
في الطريق وأثناء تجوالي معظم النقاط الامنية والعسكرية والدوائر الرسمية كانت ترفع العلم السوري الجديد الأخضر، ولكن بالمقابل هناك حواجز شاهدتها خاصة على طريق حماة - الرقة كانت ترفع علم هيئة تحرير الشام (علم ابيض مكتوب عليه: لا إله الا الله محمد رسول الله) كما إن هذا العلم يُشاهد مرفوعا في مواقع متعددة أحيانا على سارية خزان الماء او حتى من بعض الأهالي.
يمكن تفسير ذلك لكون الحد الفاصل ما بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة في أذهان الجماعات والحوامل الاجتماعية المحسوبة على السلطة الوليدة ما يزال هشا وغير واضح. بالمقابل عند عبوري لمناطق سيطرة المليشيات الكردية لم أجد سوى علم قوات سوريا الديمقراطية والراية الصفراء ذات النجمة الوحيدة مع غياب للعلم السوري الأخضر أو العلم السابق الأحمر.
ينبغي رفع العلم السوري الرسمي (الأخضر) كراية وطنية وحيدة في الدوائر الرسمية ونقاط التفتيش التابعة للدولة. يمكن لمن يرغب رفع أي راية يحبّها ضمن أملاكه الخاصة، أو يمكن رفع الرايات الفئوية الدينية ضمن وداخل المراكز الدينية- الاجتماعية الخاصة وليس خارجها. إن توحيد الرموز الوطنية ضروري في هذه المرحلة الحرجة من بناء الوطن السوري وسط انقسامات فئوية طائفية.. وقومية واسعة.
كان لدي معاملة وكالة في القصر العدلي في حماة، حيث تم انجاز المعاملة خلال ربع ساعة فقط ومن دون إعطاء أي رشاوي. وفقا لمرافقي: قبل سقوط الأسدية كانت هذه المعاملة تكلّف من الرشاوى ما يعادل ثلاثة أضعاف الرسوم الحكومية المطلوبة!
(2)
عن الحريات الشخصية والاجتماعية:
فيما يخص الحريات الاجتماعية في مدينتي حماة وحمص والمناطق التي مررت بها في ريف دمشق كان لباس المرأة مُتنوعا من جهة الألوان والأنماط ومن جهة غطاء الرأس ما بين الحجاب والنقاب والسفور وهذا ما عهدته قبل مغادرتي سوريا.. مع زيادة نسبية لعدد المنقبات. يمكن تفسير ازدياد نسبة المُنقبات بسبب انتشار التعليم الديني بشكل كبير وبسبب النزوح المُتكرر. وفقا للحوارات الودّية التي شاركتُ فيها مع الأهالي.. كان يتم تفسير لبس النساء للنقاب بناء على قناعات دينية خاصة أو يتم تبرير لبس النقاب بسبب ضعف الأمان أو لتجنب الأذى في الطريق سواء من قبل عناصر الجماعات السلفية المتشددة سابقا أو تجنب التحرش من قبل الزعران في الشارع. وفقا لبعضهنّ فإنه في حال عودة الأمور لنصابها وعودة الناس لقراها ومدنها الأصلية فأنهن سيرتدين الحجاب فقط.
من المشاهد النافرة التي شاهدتها في مدينة حماة شاب طويل الشعر بلحية وشوارب محفوفة كان يمتطي حصانا ويتمشّى على حصانه في طريق حلب القديم، لقد بدا المشهد بالنسبة لي كجزء من مسلسل تاريخي ليس أكثر.. وربما كان هذا الشاب فرحا بنظرات الفضول له من قبل الناس والصبايا ومحاولة للفت الانتباه لا أكثر! لم أشاهد لباس أفغاني أو باكستاني يرتديه أحد وهو يسير في الشارع مثلا!
لم أجد قيودا فيما يخص الموسيقى والغناء بشكل عام، فمنتديات مثل نادي الفارابي ومنتدى الاثنين الموسيقي في حماة، مثلا، لم تتوقف عقب سقوط النظام الاسدي. غالب المحلات التي كانت تقدم المشروبات الكحولية مازالت تقدمها في المدن الكبيرة. مستوى الحريات الاجتماعية كما لمسته كان مقبولا! بالتأكيد هناك جهات سلفية تسعى لفرض نمط حياتها المُتشدد على الشعب.. وتقوم بين الحين والآخر بتوزيع مُلصقات حول اللباس الشرعي وخطر التبرج مثلا، ولكن الذي يقوم بذلك ليست جهات رسمية حكومية.. بل جهات لا تملك صفة رسمية.. أو عبارة عن اجتهادات فردية من قبل مسؤولين ذوي توجه سلفي جهادي.. وما دفعني لهذا الاستنتاج إنها قرارات غير منسجمة لا تشمل وزارة معينة أو كامل مديرية معينة في المحافظة.. وكثيرا ما يتم التراجع عنها.. أو تبيان عدم صحتها لاحقا! عموما عموم الشعب والمسؤولين يتحرجون من التصدي لهكذا دعوات وقرارات لكون القائمين عليها ينتمون لجهات سلفية جهادية ذات صلة ومعارف بالسلطة الوليدة، وهم يخشون الصدام معهم! باختصار نحن أمام مشهد عشوائي يختلط فيه الرسمي بالشعبي... وفوضى الأفكار والمرجعيات.. حيث تقوم الفصائل السلفية بملء الفراغ الحكومي... وهو فراغ قابل للتنظيم تدريجيا من وجهة نظري.
(3)
عن النشاطات الثقافية
حاولت قدر الامكان الانخراط في نشاطات ثقافية فكرية خلال زيارتي القصيرة لسوريا. في سياق ذلك كان لا بد من شكرا الأصدقاء الذين قاموا بدعوتي وتسيير عقد هذه الندوات الحوارية وأخص بالذكر الشاعر عباس حيروقة- الشاعر رضوان السح- الشاعرة اباء الخطيب- المحامي علي محمود العمر.
عقب أمسية شعرية ونقاش فكري عفوي مفتوح حول العلاقة ما بين الدين والسياسة في نادي الفارابي في مدينة حماة، قرر النادي دعوتي لندوة حوارية بعنوان "سوريا غير قابلة للقسمة- إدارة التنوع السوري" يوم الاحد 13 نيسان 2025 وتم الاعلان عنها. لكن فوجئت قبل موعد الندوة بيوم بأن إدارة النادي اعتذرت عن النشاط بسبب قرار ايقاف النشاط مؤقتا من قبل مديرية الشؤون السياسية في محافظة حماة والطلب من إدارة النادي مراجعة المديرية. كان ذلك مُحبطا بالنسبة لي وبالنسبة لإدارة النادي كذلك. عقب مراجعة إدارة النادي لهم تبين وجود وشاية من قبل أحد شعراء المدينة... حيث أخبرهم بأنّي من مروجي الالحاد! مما استدعى توقيفهم للمحاضرة. ولكن عقب توضيح ينفي هذه الوشاية من قبل ادارة النادي تم السماح بانعقاد الندوة في الاسبوع التالي.. ولكن بما أنّ زيارتي كانت قصيرة لذلك اعتذرت عن تلبية الدعوة.
عموما كل نشاطات المراكز الثقافية وفروع اتحاد الكتاب العرب تحتاج حاليا لموافقات مُسبقة من مديرية الشؤون السياسية في المحافظات قبيل انعقاد النشاط.. وهذا مؤشر سلبي وغير مطمئن حول حرية التعبير والتجمع.. خاصة في عصر ثورة المعلومات وانتشار النشاطات الفكرية و الثقافية عبر منصات التواصل الاجتماعي.
في اليوم التالي 13 نيسان كنتُ سعيدا بأصبوحة شعرية تضمنت حوارات فكرية مختلفة غلب عليها الطابع الودي بحضور الأصدقاء في اتحاد الكتاب العرب- فرع حماة و تعرفت على كوكبة من الشعراء الشباب في مدينة حماة: أمير حجازي - انس شربتجي - خيرالله قندقجي - محمد الكامل - عمر كوجك. وأنا أستمع إليهم تذكرت بداياتي الشعرية.. وثمنتُ عاليا ما يقوم به اتحاد الكتاب العرب في حماة من تشجيع لهذه المواهب والطاقات الابداعية.
عقب ذلك تمت دعوتي لندوة بعنوان (الدولة والحيادية والمواطنة والتنوع) من قبل جمعية أصدقاء السلمية بتاريخ 15 نيسان. كانت ندوة حسنة التنظيم وضمّت حضورا نوعيا من مثقفي مدينة السلمية واستمرت حوارات الندوة للحوالي 4 ساعات في جلستين منفصلتين جلسة عامة رئيسية ومن ثم جلسة مصغرة.. كان حوارا مُثمرا حيث استفدتُ كثيرا من مداخلات وتساؤلات الحضور المشاركين.. وصولا الى نقاش شفاف ومسؤول حول هواجس السوريين في هذه المرحلة. كانت المرة الأولى التي أزور فيها مدينة السلمية.. وكان انطباعي ايجابيا حيث أتيح لي التعرف فيزيائيا على العديد من الأصدقاء في العالم الافتراضي كالشاعر د. فراس الضمان.. والعم خصر قاسم (أبو رامي) والشاعرة اباء الخطيب وزوجها طبيب القلبية المحترم.. وكذلك الشاعرة ديمة قاسم. كان رفيقي في السفر من وإلى سلمية الصديق الشاعر طالب هماش.. وما أجمل استدعاء الذكريات على طريق السفر!
كذلك تمت دعوتي من قبل التيار الوطني المدني الديمقراطي في مدينة مصياف لندوة حوارية تناولتُ فيها موضوع حيادية الدولة تجاه العقائد الدينية ومواضيع حق تقرير المصير والانفصال والتقسيم. استمرت الندوة لمدة ساعتين ونصف.. استمعتُ خلالها لآراء مُتعددة تعكس تنوع الطيف السوري... ومن ثم تم استكمال الحوار في منزل الصديق المحامي علي العمر (أبو صمود) على وليمة عشاء ثقافية دسمة.
من الافكار اللافتة التي استمعت اليها في المنتدى مقولة أن ثنائية المعارضة والموالاة... لم تعد صالحة في هذا المفصل المهم من التاريخ السوري... فمعارضة وجود السلطة الحالية يضعنا على احتمالات خطيرة بما يشمل تقسيم سوريا وحروب أهلية واندلاع مجازر على اساس طائفي... وبالمقابل ينبغي عدم مجاملة السلطة الحالية في حال وجود انتهاكات وتجاوزات.. بل ينبغي نقدها من باب الحرص على مصلحة الوطن والدولة السورية.. ودائما باستخدام الاساليب السياسية السلمية!
أتذكر الآن قبل عقدين والزمن في لقائي الأول مع "أبو صمود"، سألته لماذا صمود! ألا يكفينا جبهة الصمود والتصدي؟! أجابني: لا.. بل صمود المقاومة الوطنية الفلسطينية في وجه الاحتلال الاسرائيلي في قلعة شقيف، وصمود المقاومة الوطنية الفلسطينية في وجه الاحتلال الأسدي في تل الزعتر!
دعاني الصديق الشاعر عبد الرحمن الابراهيم (أبو علاء) لزيارته بعد طول اشتياق في محافظة إدلب حيث حطت بنا الرحال في قرية "قاح" على الحدود السورية- التركية، وكان لي شرف التعرف شخصيا على شاعر قصيدة النثر الجميل محمود باكير (أبو شيفان من سراقب) والشاعر الكلاسيكي الأردني تركي عبد الغني التي يكتب الشعر على طريقة صائغ الذهب والمجوهرات. كما أغنى هذه الجلسة حضور الاصدقاء براء الجمعة والشاعر عادل الاحمد وضياء عبد الحافظ. كانت جلسة اختلطت فيها نكهة الشعر بنكهة الكبة الخرافية (البيزنطية) التي أعدها لنا أبو العلاء. استحضرنا الاصدقاء الغائبين كالشاعر ماجد الأسود ومظهر أبو حسين، والأصدقاء الراحلين كالروائي المرحوم عبد العزيز الموسى الذي كان يشاركنا مثل هذه الجلسات قبيل الثورة السورية.
عموما، ما لفت انتباهي هو وجود أرض خصبة لدى النخب السورية.. للنقاش في الشأن العام والقضايا السورية الكبرى كعلاقة الدين بالدولة والمسألة الطائفية ومسألة الحريات والديمقراطية. كان النقاشات تتّسم عموما بالحرية والمسؤولية.
إنّ أهم ما يمكن التعويل عليه في هذه المرحلة هو الحفاظ على مساحة الحرية.. خاصة أننا في مرحلة انتقالية قابلة لاحتمالات ومسارات متعددة... والسلطة التي لا تجد ممانعة مجتمعية سوف تقوم بملء الفراغ.. لذلك من واجب السوريين عموما والمثقفين خصوصا الحفاظ على مساحة الحرية المتوفرة وتوسيعها سواء في الواقع أو الفضاء الافتراضي وتلك مسؤوليتنا، وانطلاقا من هذه الفكرة ورغم قصر زيارتي.. ولكني وجدت نفسي مُلزما بالمشاركة.. وإثارة حراك فكري- سياسي ثقافي قدر استطاعتي.
(4)
الصراع الطائفي السنّي العلوي- مشاهدات وتحليلات!
العامل الطائفي ليس هو العامل الوحيد الفاعل في اثارة الصراعات المجتمعية، فالانقسام السياسي والمصلحي لعب دورهما كذلك. أثناء سنوات سيطرة النظام الأسدي، قامت محافظة حماة ببيع محاصيل الفستق الحلبي في المزاد العلني للأراضي المملوكة للمُهجَّرين شمالا والمعارضين له والذين يقدر عددهم بحوالي نصف السكان في بلدة "مورك" وضمنا محاصيل عائلتي! كان النظام السوري يعتمد على سماسرة وشبيحة من أبناء البلدات السّنية نفسها يتعاملون مع الاجهزة الامنية وعصابات من آل الأسد. عقب سقوط النظام فرّ هؤلاء الشبحية المحليين الى مناطق العلويين في الساحل السوري، ومن تم القاء القبض على كثير منهم لاحقا.
أثناء جلساتي المختلفة مع سكان المناطق السنية المنكوبة في حمص وحماة وادلب بدا واضحا حجم الهولوكوست الذي تعرضوا له. غالب العائلات تم قتل أو تصفية أحد افرادها تحت التعذيب في السجون الأسدية. أغلبية الشباب تم اعتقالهم، فمثلا في جلسة خاصة مع عائلتي والتي لا تعتبر من العائلات الأكثر تضررا كونها لم تشارك في العمل المسلح وانكفئت على نفسها عقب انتهاء الطور السلمي من الثورة، نجد أنه من أصل 10 رجال كانوا جالسين في السهرة (الجلسة)، قد تم اعتقال 7 منهم، وتعرضوا للتعذيب وتم دفع رشاوى باهظة لإخراجهم!
حاليا وعقب سقوط الأسدية غالب النازحين من المدن والقرى السنّية المنكوبة... سواء أكانوا من النازحين للمخيمات في ادلب أو الى مناطق النظام... يواجهون مشكلة عدم استطاعتهم العودة بسبب الخراب الهائل للبنية التحتية... معظم البيوت مدمرة وغير صالحة للسكن كليا أو جزئيا. إذا توجهت بالسيارة من بلدة مورك الى ما بعد سراقب مثلا... لن تجد بيتا فيه باباً أو شباكاً أو سيراميك او أي أثاث منزلي، كلها تم تعفشيها وسرقتها.. عداك عن عدم وجود شبكة مياه شرب وصرف صحي وخدمات أساسية يحتاجها الانسان.
العصبية الطائفية السنّية ازدادت بشكل كبير نتيجة سياسات التوحش الأسدي ذات الطبيعية الطائفية، بالإضافة إلى تغلغل الفكر السلفي الجهادي، وضمنا انتشار مظاهر التدين الطقوسي الشكلاني. ثمة احساس كبير بالفجيعة وضرورة عدم السماح بعودة حكم (الأقليات) مستقبلا، ثمة اصطفاف مجتمعي كبير مع السلطة السورية الوليدة بقيادة أحمد الشرع ليس بالضرورة إعجابا بسياساتها أو تعاميا عن مكامن قصورها.. بل تخوفا من سقوطها وعودة حكم وانتقام الأقليات المدعوة دوليا (وفقا لتعبيرهم).
من دلائل العصبية الطائفية التساهل مع السنّة غير المتدينين مقارنة بالسوريين غير السنة.. وهذا مؤشر حول ظهور العصبية السنية منزوعة البعد الديني.. وهي ظاهرة شائعة في الحالة الطائفية السورية على اختلاف تعبيرها. لم يكن معظم الأشخاص الذين تحدّثتُ إليهم قادرين على التعاطف مع المجازر التي تم ارتكابها ضد المدنيين العلويين عقب قمع التمرد الأسدي منذ أشهر قليلة (أوائل آذار 2025)... ولكنهم بالمقابل غير مؤيدين لقتل المدنيين الأبرياء! كانوا يستشهدون بممارسات سلبية ومواقف الابتهاج والتشفي التي عبّر عنها علويون عندما كانت البراميل تسقط فوق رؤوسهم.. وعندما كانت المجازر ترتكب بحقهم ... غالبا ما يتم استذكار أسواق السنة في أحياء العلويين.. وكذلك اغتصاب النساء السنّيات في الفروع الأمنية من قبل علويين.. وكذلك الاهانات ذات الصبغة الطائفية وتحقير الهوية والرموز الدينية السنّية من قبل علويي السلطة.
ثمة حالة نكوص مُجتمعة ضمن المُجتمعات السورية عموما بما يشمل المجتمعات السنّية باتجاه التدين.. ليس بأبعاده القيمية- الاخلاقية بل بأبعاده الطقوسية الشكلانية والتي تجسد هوية دينية سنّية للمجتمعات المحلية. ثمة اهتمام كبير بدورات تحفيظ القرآن الكريم عموما وللأطفال خصوصا. يمكن فهم ذلك وفقا لثلاثة نقاط:
- 1- يحظى القرآن الكريم بمكانة كبيرة ويمكن وصف المجتمعات السورية المُتدينة بكونها مجتمعات (كتاب مقدس) تستند الى عقل بياني مرجعي (وفقا لتعبير محمد عابد الجابري).
- 2- دورات تحفيظ القرآن الكريم هي نتيجة سياسات وتمويل خارجي خليجي أساسا، كما أنّ هناك جهات رسمية أو شبه رسمية تدعمها. خصصت وزارة الأوقاف في حكومة الإنقاذ «مديرية شؤون القرآن الكريم» التي تعمل على تنظيم دورات تحفيظ في المساجد والمعاهد الشرعية في محافظة إدلب. من أبرز المبادرات التعليمية التي تدعمها هيئة تحرير الشام مدارس «دار الوحي الشريف» التي تأسست نهاية عام 2017، وشعارها «نحو جيل قرآني فريد». توسعت هذه المدارس بشكل كبير ووصل عدد طلابها في عام 2021 إلى 13,500 طالب وطالبة، كما تم الاعلان عن حفل تخريج 1500 طفل وطفلة يحفظون القرآن الكريم في احتفال وسط حشود شعبية ورسمية في أواخر نيسان 2025.
ثمة تيار سلفي-جهادي وسلفي-دعوي موجود في مدينة حماة... أخذ يعبّر عن نفسه تدريجيا حيث أن الكثير من قادته كانوا مُبعدين عن سوريا خلال الحقبة الاسدية. كثير منهم شاركوا في تحرير المدينة من النظام الأسدي ويحتفظون بصلاة قوية مع مسؤولين داخل السلطة الجديدة. وفي هذا السياق يمكن الاشارة الى حدثين، الأول مشاجرة تمت بين أنصار الصوفية وأنصار السلفية في مسجد مصعب بن عمير في حماة في أواخر شهر آذار 2025! والثاني قيام الشيخ عبد الناصر علوان (أبو اسلام الحموي) بتنفيذ تدريبات بالأسلحة خارج إطار الدولة لمجموعة من الشبيبة والمراهقين.
هنا يمكن الاشارة الى أن الاتجاه الاسلامي الغالب في مدينة حماة.. ليس هو الاسلام السلفي بل هو الاسلام الأشعري الشعبي. إن عملية انتشار الاسلام السلفي خاصة ببعده العنفي الجهادي مُهدِّد للسلطة والحكومة السورية الجديدة.. كما أنّه يهدّد السلم الأهلي والمجتمعي أيضا. يمكن التمييز هنا بين السلفية الدعوية والسلفية الجهادية فلا يجوز المُماثلة بينهما. إن سحب السلاح من هؤلاء الاشخاص والمجاميع السلفية بالضافة إلى ضبط التحريض الطائفي على العنف هو أولوية قصوى في هذه المرحلة.. لكي تكون دولة قانون قابلة للحياة والاستمرار.
في قرية علوية استمعت الى شكاوى الناس.. والتي كانت تتعلّق أساسا بضعف الامن والأمان بالإضافة الفقر.. بسبب الفصل من الوظائف وكذلك التخوف من وقوع مجازر طائفية بحقهم من قبل مجاميع المقاتلين الأجانب خاصة... بالإضافة الى هجوم مجموعات من قطاع الطرق المجهولين تسبَّبت بنهب ممتلكاتهم. أعربوا عن رغبتهم بالعيش بسلام وبدخل مادي يحقق الحد الادنى لحاجاتهم الاساسية. بالتأكيد هي مطالب مُحقة.. لأنه ببساطة في حال اهمالها قد يصبح هؤلاء فريسة سهلة للاستثمار الطائفي.. ويسهل تجنيدهم في حركات وتمردات مسلحة ضد الحكومة.
إنّ الاحساس بالتهميش والتمييز بالإضافة الى الفقر والحاجة هي وصفات مُجربة للانفجار الطائفي والتشظي المجتمعي. ما لفت انتباهي قولهم بأن مُمثلي الحكومة الجديدة يتعاملون مع الوجاهات الاجتماعية التي كانت موالية للسلطة الاسدية باعتبارها ممثلة للعلويين في القرى والمدن، وأنه غالبا ما يتم تجاهل الأصوات العلوية التي لم تصفق للأسدية أو التي كانت خارج منظومة السلطة السابقة على مبدأ (خياركم في الأسدية.. خياركم الآن!).
من المهم في هذه المرحلة تجفيف منابع الطائفية والنزعات الانفصالية في المجتمعات السورية العلوية عبر تعزيز سلطة الدولة والقانون وتفعيل دور المخافر والامن العام والضابطة العدلية، وكذلك وإعادة الموظفين الحكوميين العلويين- وغير العلويين- وفقا لمعايير الكفاءة والنزاهة، بالإضافة الى قضايا وشروط تتعلق بكامل الجغرافيا السورية.. كتحسين الاستثمارات والمشاريع الناشئة لتقليل نسبة البطالة.. حيث أنّ القطاع العام المُترهل الذي يضم الملايين من السوريين ينبغي ان يتقلص إلى الحد الأدنى.. مع افساح المجال لنمو القطاع الخاص والمبادرات الأهلية اقتصاديا واجتماعيا.
بالإشارة إلى موضوع مخازن السلاح وحركة التمرد الاخيرة والمجازر الجماعية التي حدثت في مناطق العلويين.. حدثني ضابط متقاعد من عائلة محترمة أعرفها سابقا (نحن أهل البلدة سنكون أول الناس الذين سيبلغون عن فلول الأسد... لقد طلبنا منهم مغادرة البلدة وأن يحاربوا بدمهم وليس بدم أطفالنا وأهلنا.. ولن نكون حزينين على إعدامهم في الساحات على شرط أن يتم ذلك عقب محاكمات عادلة.. ولكن ليس في سياق انتقام واهانات طائفية!).
على بعد كيلومترات من القرية العلوية التي تعاني الفقر والخوف من قادمات الأيام، كان أهالي القرى السنّية في حيرة من أمرهم... فبعد تحرير سوريا من الأسدية رجعوا من مخيمات الشمال ليجدوا قراهم ومساكنهم مهدّمة منهوبة.. غالبها غير صالح للسكن.. من دون الحد الأدنى من الخدمات. بعضم قرر عدم العودة لبلداتهم.. حيث أن تكلفة رفع الركام واصلاح المنزل.. لا يستطيعون تحملها.. بعضهم قرر اصلاح غرفة واحدة لينام بها مع عائلته ويتخلص من دفع الايجار في ادلب او حماة مثلا! بعضهم وضع كرفانه أو نصب خيمة في ارضه... ريثما يتدبر أمره!
وفقا لملاحظتي، إنّ سكان القرى السنية المدمرة غير قادرين على التعاطف مع معاناة سكان القرى العلوية الخائفة الفقيرة! وسكان القرى العلوية... لا يفكرون في معاناة وحجم الدمار المادي والانساني الذي لحق بجوارهم من المحيط السنّي! عند الحديث مع أحد المعارف من القرى السنية عن الفقر الذي يعانيه العلويين والفصل من الوظائف قال لي: أنا مفصول من وظيفتي منذ 14 سنة وتم اعتقالي في فرع الامن العسكري بحماة.. حيث كان يعذبني ويحقق معي علويون وقد دفعت عائلتي ما يعادل نصف قيمة منزلي رشاوى لضابط علوي عبر سمسار سنّي لكي أتجنب الاحالة لمحكمة الارهاب! ثم انتقل بالحديث لشأن آخر!
وختاما، ما أقوله أن موضوع السلم الاهلي وبناء الدولة أخطر من أن يترك لانطباعات وآراء وردود أفعال المجتمعات السورية المنكوبة ومواقف الاصطفاف الطائفي واسعة الانتشار. على السلطة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع أن تفكر بعقلية بناء الدول عبر:
- تحقيق السلم الاهلي، تجريم الخطاب الطائفي والتحريض على العنف. منع أي موظف حكومي -بما يشمل قوى الأمن العام - من سؤال المواطنين السوريين عن انتماءاتهم الدينية والطائفية.
- تحقيق العدالة الانتقالية ومحاكمة مجرمي الحرب بغض النظر عن خلفيتهم الطائفية سواء قبل أو بعد سقوط الأسدية.
- تطوير البنية التحتية وتشجيع الاستثمارات وتقديم الخدمات للمواطنين السوريين دونما تمييز. فالفقر هو أبو المشاكل.
- الحفاظ على مساحة الحريات الشخصية والاجتماعية للناس، وعدم تدخل أجهزة الدولة بها إلا بالحدود الدنيا ولضرورات السلامة العامة.
- ينبغي التخلص تدريجيا من احتكار رجال الدين والشخصيات العشائرية للتمثيل السياسي للسوريين، والانتقال لتمثيل سياسي يليق بالمجتمعات السورية.
- سن قانون أحزاب والسماح بتشكيلها واشهارها. من الضروري انفتاح السلطة الحالية على القوى السياسية الوليدة وتحقيق درجة مقبولة من التشاركية السياسية. إن افساح المجال للتشاركية السياسية هو البديل الموضوعي عن المحاصة الطائفية أو الاستئثار الكامل بالسلطة.. بما قد ينبني على ذلك من تداعيات سلبية على مستقبل البلد.
- التخلص من سياسة التعينات والانتقال الى سياسة الانتخابات.. ويمكن تجريب ذلك كمرحلة أولى في انتخابات النقابات المهنية وغرف التجارة والصناعة مثلا.. ومن ثم في مرحلة ثانية انتخاب مجالس البلديات والادارة المحلية مثلا.. وصولا إلى انتخابات برلمانية لاحقا الخ.
أعرف مقدار التحديات والمخاطر التي تواجهها هذه السلطة.. ولكن بمقدارانفتاح هذه السلطة على النخب السياسية والمجتمعات السورية وإدارة حوار سوري- سوري وبرامج مصارحات ومصالحات مجتمعية.. عندئذ ينمو الأمل السوري في وطن سوري و دولة عادلة.
أخيرا، ما يميز الحياة في سوريا هو العشوائية والفوضى، خلال زيارتي القصيرة لم أستأجر سيارة لأني حقيقة غير قادر على القيادة في المدن وسط هذا الكم الكبير من السيارات والازدحام والدراجات النارية.. لا يوجد تقيد بأنظمة المرور. هذه العشوائية في الشارع يمكن نقلها في توصيف حالة السلطة السورية الجديدة.. هناك حالة فصائلية ضمن السلطة والجيش السوري الجديد.. هناك مجاميع مسلحة أجنبية تشكّل خطرا على السلطة والمجتمع السوري أيضا.. هناك عشوائية في اتخاذ القرارات الحكومية والتراجع عنها... وكأننا في حقل تجارب... أداء إعلامي مرتبك يفتقد للمواكبة وللشفافية.
إذا سألتني وبكلمة واحدة ما الذي تحتاجه سوريا اليوم؟ سأقول لك: التنظيم والانتقال نحو إدارة منظمة.. تقوم على الكفاءات بعيدا عن ذهنية الولاء للسلطة.. وبعيدا عن الولاءات الاجتماعية الضيقة بمختلف أشكالها.
ما لفت انتباهي هو تفاؤل الناس وأملهم في بناء دولة سوريا جديدة. قد لا يستند هذا التفاؤل الى عناصر موضوعية ولكنه حقيقي.. ثمة احساس نفسي بالقطيعة مع الحقبة الأسدية. عموما يحظى الرئيس الشرع بشعبية هائلة ضمن المجتمعات السنية.. لا يمانعون في انتقاد السلطة السورية الجديدة وانتقاد سلوكياته وسياساته في حال تمّ التعبير عنها دونما تجريح وبدافع الحرص على مصلحة الشعب والدولة السورية.. وهذه تجربة شخصية عايشتُها هناك في جلسات خاصة وعامة.
مصافحات