صفات الحوار الديني الاسلامي- المسيحي الصحيح وشروطه
اختار المادة الباحث الياس بولاد
إن صفة المناخ المؤاتي للحوار الصحيح بين أهل الانجيل وأهل القرآن، والبعيد عن الجدل المحموم، والمهاترة، والتحاذر، وتراشق التهم بين الطرفين، وأفضى غير مرة الى العنف والقسر وكبت الحريات، كان بسبب جهل الطرفين، حقيقة الآخر.
نقدم هنا نموذجا للحوار الصحيح وشروطه، من خلال مقتطفات من رسالة الهاشمي الى الكندي، في مناظرة بينهما في الدين. أما الهاشمي فهو عبد الله بن اسماعيل، والكندي فهو عبد المسيح بن اسحاق. وجاء التعريف بهما على رسالتيهما انه "كان في زمن عبد الله المأمون، رجل من نبلاء الهاشميين، قريب القرابة من الخليفة (لابن عم الخليفة)، معروف بالنسك والورع والتمسك بدين الاسلام وشدة الاغراق فيه، والقيام بفرائضه وبسننه، مشهور بذلك عند الخاصة والعامة.
وكان له صديق من الفضلاء ذو أدب وعلم، كندي الاصل، مشهور بالتمسك بدين النصرانية، وكان في خدمة الخليفة، وقريبا منه مكانا. فكانا يتواددان ويتحابان، ويثق كل منهما بصاحبه وبالاخلاص له وكان امير المؤمنين المأمون وجماعة اصحابه والمتصلون به قد عرفوهما بذلك...
فكتب الهاشمي الى النصراني كتابا" يدعوه به الى الاسلام، ورد الكندي على الكتاب بكتاب يدعو به الهاشمي الى المسيحية.
قال الهاشمي في صفة الحوار المطلوب مع المسيحيين:
"... ورأيت ايضا مطارنة واساقفة مذكورين بحسن المعرفة وكثرة العلم، مشورين بشدة الاغراق في الديانة النصرانية، مظهرين غاية الزهد في الدنيا، فناظرتهم مناظرة نصفة، طالبا للحق، مسقطا بيني وبينهم اللجاج والمراء والمكابرة بالسلطة، والصلف والبذخ بالحسب. وأوسعتهم أمنا ان يقول بحجتهم، ويتكلموا بجميع ما يريدونه، غير مؤخذ لهم بذلك ولا متعنت بشيء كمناظرة الرعاع والجهال والسقاط والعوام والسفهاء من اهل ديانتنا الذين لا أصل لهم ينتهون اليه، ولا عقل فيهم يعولون عليه، ولا دين ولا أخلاق تحجبهم عن سوء الادب، وانما كلامهم العنف والمكابرة والمغالات بسلطان الدولة بغير علم ولا حجة...".
ثم يطلب الامير الهاشمي الى الكندي المسيحي ما عنده بدون ما تحرج:
"....فأكتب اليك بما عندك من امر دينك، والذي صح منه في يدك، وما قامت به الحجة عندك، امنا مطمئنا، غير مقصر في حجتك، ولا مكاتم لما انت معتقده، ولا فرق ولا وجل. فليس عندي الا الاستماع للحجة منك، والصبر والاقرار بما يلزمني منه، طائعا غير منكر ولا جاحد ولا هائب، حتى نقيس ما تأتينا به وتتلوه علينا، ونجمعه الى ما في أيدينا، ثم نخبرك بعد ذلك. على ان تشرح لنا علته، وتدع الاعتلال علينا بقولك ان الفزع حجبك وقطعك عن بلوغ الحجة، واحتجت ان تقب لسانك ولا تبسطه لنا ببيان الحجة. فقد اطلقناك وحجتك لئلا تنسبنا الى الكبرياء، وتدعي علينا الجور والحيف، فان ذلك غير شبيه بنا.
فاحتج، عافاك الله، بما شئت، وتكلم بماأحببت، وانبسط في كل ما تظن انه يؤيدك الى وثيق حجتك، فانك في اوسع الامان..، ولنا عليك، أصلحك الله، اذ قد اطلقناك هذا الاطلاق، وبسطنا لسانك هذا البسط، ان تجعل بيننا وبينك حكما عادلا، لا يجور ولا يحيف في حكمه وقضائه، ولا يميل الى غير الحق اذا ما تجنب دولة الاهواء، وهو العقل الذي يأخذ به الله، عز وجل، ويعطي. فاننا قد انصفناك في القول، وأوسعناك في الأمان، ونحن راضون بما حكم به العقل لنا وعلينا، اذ لا اكراه في الدين...".
ففي مثل هذا المناخ من السلام والاطمئنان، ومثل هذه المصارحة والانطلاق، ومثل هذا الانصاف والتحكيم يمكن ان يقوم الحوار الصحيح المجدس بين أهل الانجيل واهل القرآن، وإلا فلا سبيل الى الحوار، لان كل "حوار" لا يفضي الى نتيجة الى معرفة الحقيقة، فياخذ بها كلا المتحاوين اخذا سويا كاملا، لا يمكن ان يسمى حوارا. فقد يكون مفيدا، وقد يفضي الى التعايش في سلام، ولكنه ليس حوارا.
"أهدي هذا المنشور، الى لجنة الحوار الوطني، ليكون مثالا يقتضى به بأعمالهم، ويفضي الى نتائج مثمرة وواعدة لجميع مكونات المجتمع السوري العظيم".