المشتى –حكايات قرية.. الفصل الرابع والخامس
عدنان بدر حلو- فينكس
الأعياد
1- البربارة والحين حين: هو أول أعياد فصل الشتاء) في الرابع من كانون الأول) وكان من أهم الأعياد بالنسبة لنا.. فكنا نمضي كل ما بعد ظهر ذلك اليوم في حاكورة الحرش بحثا عن نبات خاص اسمه البربارة (نوع من القش الطويل اليابس) نجمع منه كميات كبيرة نحرقها فوق سطوح الشل الترابية عند غروب الشمس.. معتقدين أنها تقوي السطح وتمنعه من "الدلف" خلال الشتاء. وكان اشتعال هذا النوع من القش يطلق الكثير من الطقطسة والشرار كأنه ألعاب نارية.
ثم في الليل نكون قد هيأنا أنفسنا للحين حين، إذ كنا نستأجر شابا من المطاربة "النور" ونصبغ وجهه بالشحوار الأسود ثم نلبسه قبوعا على شكل برج إيفل من القصب والخشب وأوراق الجرائد نعلق فيه قلائد من قشور البزاق ونسير وراءه من بيت إلى بيت ونحن نغني:
حين حين حين حين
بدنا زيت بدنا طحين
هلي بيعطوا خايرين
وهل مابيعطوا معسفين
وعندما تلتقي مجموعتان في زواريب الضيعة، يبدأ العراك وضرب العصي، وأول هدف هو طربوش الحين حين. فتغنم المجموعة الأقوى ما كان بحوزة الأضعف.
وفي آخر الليل نذهب إلى بيت أحدنا لنقلي الزلابية ونأكلها مع طلوع الفجر.
2-الميلاد والدايم: الميلاد (طبعا لم نسمع بالشجرة أبدا) كان دائما عيدا دينيا وعائليا. مع ذلك كنا نسهر ليلته عدة عائلات في بيت واحد. وأهم ما يقدم فيه النبيذ الذي يسقى في هذه الليلة حتى للأولاد.
اما عيد رأس السنة فهو عيد الأعياد وكنا نسميه الدايم. فالشائع أن ما يحصل في ذلك العيد يتكرر طوال العام، لا سيما في لعب القمار الذي يمارسه الجميع لتجريب الحظ! ولم يكن بين أيدي الناس كثيرا من المال فكانوا يلعبون بالجوز.
كان يرافق السهرة والأكل (اساسه الكبة بصينية) واللعب، تقديم ما لذ وطاب من مخبآت المؤونة (الملبن والجوز والتين بسكر والهبول والدبس بطحينة والزبيب وغير ذلك من الطيبات).
أما الصباح فهو صباح البسترينة (من يسبق الآخر بالقول بسترينتي عليك يأخذ منه عيدية) لكن البسترينة المهمة كانت الخرجية من الوالدين وأقصاها في أيام الجخ ربع ليرة، ومعها صباط جديد (لكل الشتوية) أو قميص أوجاكيت كانت للأب ثم جرى قلبها عند الخياط بطرس المختص بذلك فكانت الجاكيت تعود من عنده جديدة لكن أزرارها على اليسار وجيبة الصدر على اليمين.
وكان فرحنا بالصباط الجديد يجعلنا نحضنه معنا في الفراش حتى الصباح..
3- الغطاس: هو عيد الغسيل والمعمودية والفواشات..
لا بد من اغتسال الجميع في مساء هذا العيد. (من ليس عندها مولود تغسل عود). وكانت الوالدة التي تحب الغسيل أكثر من أي شيء في الدنيا ترندح وهي تغسلنا:
غطس غطس يا مار يوحنا
بشفاعتك بعمادتك
ست السيدة عرابتك.
بعد ذلك نأكل الفواشات ونكمل السهرية.. ثم نمضي إلى النوم في فرش وملاحف وشراشف نظيفة، فيها رائحة ورق الغار المغلي التي تنعش الروح.
وفي الصباح يأتي الخوري ومعه سطل ماء ""مقدس"! يرشه بواسطة غصن زيتون في جميع أنحاء البيت وهو يصلي ويقودش.. فيعطى ما تيسر مقابل ذلك.
وكان بعض الشباب والرجال يتحدون البرد القارس في هذا الوقت من الشتاء ويسبحون هذه الليلة في النهر.
4- المرفع:
وهو الأسبوعان اللذان يسبقان الصوم الكبير، ويسمى الأول مرفع اللحم والثاني مرفع البياض.
الأول يجري التركيز فيه على طبخ اللحم تحضيرا للانقطاع عنه حتى عيد الفصح. والثاني يركز فيه على صنع الحلويات وبشكل خاص البرما والكنافة. وكان التحضير الذي يحتاج لتضافر جهود عدة نساء معا، يستدعي الحصول من عند القصاب على نخاع سلسلة الضهر التي تنقع بالزيت ليتم دهن الصدر الذي يسكب فيه العجين السائل بواسطة مصفي خاص للحصول على عجين الكنافة. وكانت هناك قلة معروفة من نساء المشتى البارعات في هذه المهمة، تماما مثل اللواتي يصنعن عجينة البرما، أو اللواتي يسطحن الملبن.
وتبلغ الاحتفالات ذروتها في يوم الأحد الأخير من الأسبوع الثاني حيث كنا نتزود ببعض ما صنعته أمهاتنا من حلويات ونذهب بها إلى النزهة سواء على جبل المشتى أو القشعات أو السهيلات فوق بيتنا أو الدقارات في قشموط, حيث تجدنا تجمعات من الشباب نتسلق الصخور ونمارس كل أنواع اللعب ثم نشترك جميعا في أكل ما حملناه معنا من طيبات قبل أن ينتهي النهار ونعود إلى بيوتنا لننتظر بعض نشاطات أيام محددة في فترة الصوم,, بانتظار عيد الفصح المعروف باسم العيد الكبير.
5- بعض نشاطات فترة الصوم:
آ- صلوات المدائح: وهي تجري بعد الظهر من أيام الجمعة ما عدا يوم الجمعة الأخير قبل العيد إذ تكون جمعة الجناز. كنا نعتبر هذه الصلوات مناسبات اجتماعية للعب كتجمعات كثيفة للأولاد والشباب في باحة الكنيسة.
ب – الآحاد الثلاثة: حد رعنا وحد شعنا وحد كلنا وشبعنا. وهي الآحاد الثلاثة الأخيرة من الصوم. لا أعرف ما هو حد رعنا، أما الثاني فهو الشعنينة وهي من الأعياد المهمة جدا للأولاد في فترة الصوم حتى أنها لا تكاد تقل عن العيد الكبير نفسه. كنا نتحضر لها من اليوم السابق بقطع أغصان الزيتون وقطف الورود من البرية لتهيئة الشعنينة وتزيينها، بانتظار صلاة العيد في صباح الأحد. وكان ذلك الصباح الربيعي مع الثياب الجديدة التي يلبسها الأولاد بهذه المناسبة ومع الشعانين المزينة بمختلف أنواع الزهور والورود التي كانت تجود بها الطبيعة في مثل ذلك الفصل.. وكان من عادة الأولاد عند قراءة الخوري للإنجيل أن يتدافعوا للتبرك منه وكان البعض يصل في المزاحمة إلى درجة ضرب الخوري نفسه بالشعنينة. وكان يساعد الخوري في هذا الفصل العم إبراهيم البوسمرة فيتصدى للأولاد المهاجمين ويلحق بهم حتى خارج الكنيسة. (سبق أن تحدثنا عن نشاط الأولاد في الشعنينة في فصل سابق). أما "حد كلنا وشبعنا" فهو أحد العيد الكبير نفسه. الذي يتوج نشاطات الأسبوع الأخير من الصوم المسمى أسبوع الآلام.
ج – سبت العازار: وهو السبت قبل الأخير من الصوم ويعرف أيضا بسبت البيض. حيث يبدأ الناس بجمع البيض وتحضيره ليوم العيد. وكنا ندور فيه على بيوت القرية كجماعات ونحن ننشد الأغنيات الخاصة بهذه المناسبة.. منها القصيدة الكبيرة التي مطلعها:
سلم على العازار معروفا ومسكينا
وعلّي مدائحه صوتا وتلحينا.
كما كنا نشدد على أغنية:
يا قصيد جويزاتي
ويا حرمه قومي هاتي
قومي هاتي كم بيضة
وكنك عجوز مريضة
يشفيكي ربي الفوقاني.
بعد سبت العازار يأتي أحد الشعانين وقد ذكرناه فيما سبق.
د- أسبوع الآلام: وأبرز ما فيه صلوات الختم اليومية التي تحصل ليلا. كما أن لكل يوم فيه أسما خاصا:
الإثنين الطويل والثلاثاء القصير وأربعاء أيوب وخميس الزهور والجمعة الحزينة (الجناز) وسبت النور.
أما أبرز النشاطات فيه فهي الحمّام بوم الأربعاء، ثم قطف الزهور لاسيما المعروفة باسم زهر الزهور ونقعها بالماء مساء ثم غسل الوجوه بها صباحا. وبعد ذلك الانشغال بتحضير البيض وسلقه يوم السبت تحضيرا لليلة الهجمة مساء ذلك اليوم في الكنيسة. وكان البعض يقوم ب "تقيير" بيضة إذ يقصها من منتصفها بشفرة حلاقة ثم يفرغها من البيض ويستبدل به بعض الزفت وبعض الشمع للحفاظ على وزن مقارب ما أمكن لوزن البيضة العادية، ثم يعيد إغلاق القسمين على بعضهما، وهكذا يصبح مسلحا ببيضة خارقة القوة للمفاقسة.
وعند منتصف الليل يتجمع المصلون أمام باب الكنيسة خلف الخوري الذي يقرأ في الإنجيل أمام الباب المغلق ثم ينادي بصوته الجهوري:"انفتحي أيتها الأبواب الداهرية" فيقوم شخص مختبئ خلف الباب بفتحه ليتدفق الجمهور إلى داخل الكنيسة من أجل صلاة الفصح.
4- عيد الفصح:
رغم تأخرنا في ليلة الهجمة، لا ننام إلا قليلا مدفوعين بلهفة صباح العيد بانتظار الثياب الجديدة وخرجية العيد ثم الغداء الاحتفالي الذي تتربع فيه أقراص الكبة المشوية أو الديك المحشي وسط السفرة مع غيرها من المآكل الشهية التي نكون قد حرمنا منها طوال فترة الصوم.
ويلحق بالاحتفال يوم الاثنين التالي لأحد العيد ويسمى اثنين الباعود.
6- عيد مار الياس
في العشرين من تموز يأتي عيد مار الياس. حيث يقوم الناس بزيارة مقام مار الياس في الكفرون ويمضون الليل كله هناك حتى الصباح. ومن أهم حيثيات هذا العيد أنه كان على أيامنا يشتمل على مباريات بالشعر الزجلي بين شعراء المنطقة. وكان من أبرزهم نسيم المسوح من نبع كركر وعيسى الفرعون من كفرون سعادة ونخلة العركوش من بيت عركوش.. وما يزال في الذاكرة ما قاله نسيم في هجائه لنخلة:
نخلة جايينا من الحكر
ناتع قرعة طولا باع
من برا ما عليها شعر
ومن جوا ما فيها نخاع.
7- عبد الرب
في السادس من آب يقع عيد الرب، وهو من الأعياد غير المشهورة إنما يحتفل به بعض الذين يرتبط احتفالهم بندر، مثل خالي وديع بيطار الذي كان يقيم لنا نحن وجميع أقاربه حفلة سنوية كبيرة ننتظرها من العام إلى العام التالي.
8- عيد السيدة (ليلة الرابع عشر من آب):
طبعا يعتبر عيد صعود السيدة العذراء من أهم الأعياد التي تحتفل بها المنطقة كلها، وقد ازداد هذا العيد شهرة وبهجة احتفالات مع ازدهار السياحة والاصطياف في المشتى ومنطقتها. وكان العيد على أيامنا يتمحور حول الصعود إلى جبل السيدة سيرا على الأقدام إذ لم يكن هناك طريق سيارة إلى قمته. وكان عدد كبير من باعة المنطقة يحجزون لبضائعهم دكاكين في الجبل تلك الليلة. المليئة بالناس والمحتفلين من كل الأشكال والأعمار. وأكثر ما يتحلق الناس حول دكاكين القصابين الذين يعلقون الذبائح في أغصان أشجار السنديان العتيقة ويضرمون النار في مواقد حجرية من أجل شوي اللحم للزبائن.
يضاف إلى ذلك العدد الكبير من حلقات الطرب والرقص والدبكة التي كانت تشكل جاذبية العيد وذروة احتفالاته التي تستمر حتى صباح اليوم التالي فينصرف الكثيرون بينما يبقى من يرغب بالصلاة وراء الخوري في تلك الكنيسة الحجرية القديمة. وهناك قداسان أحدهما للموارنة والثاني للروم الأرثوذكس.
9- عيد الصليب (الرابع عشر من أيلول): المركز الرئيس للاحتفال بهذا العيد (والذي يسمى العرضي أيضا) هو دير مار جرجس في وادي النصارى حيث يؤمه الناس من جميع أنحاء المنطقة وحتى من مناطق أخرى بعيدة في سورية ولبنان. فيمضون الليل فيه وفي جواره تماما كما يفعل المحتفلون في عيد السيدة، غير أن العرضي أوسع كثيرا بمساحته من قمة جبل السيدة وتجتمع فيه أعداد أكبر بكثير. أما احتفالنا نحن به في المشتى فكان يتركز على مفهوم أنه نهاية فصل الصيف. فنسارع إلى نزع السياجات عن الأشجار المثمرة (لاسيما دوالي العنب وأشجار التين) ونأتي بها إلى ساحة البلدة حيث نحرقها ونتقافز من فوقها. وكان هذا "الطقس" الاحتفالي إعلانا عن أن الكروم والبساتين لم تغد لها أية حماية وبالتالي يصبح "غزوها" حلالا اعتبارا من ذلك اليوم.
************
البلدية ومعالم الساحة
في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن الماضي كانت البلدية في المشتى تضمن ضمانا إذ تجري مزايدة في أول كل عام يتقدم فيها أكثر من شخص أو مجموعة أشخاص لضمان البلدية لمدة عام. ويقوم من يرسو عليه الأمر بجباية الواردات طوال السنة ويحصل على الفارق بين مبلغ الضمان ومبلغ الواردات المحصلة.
أما مصدر تلك الواردات فكان بمعظمه من رسوم مفروضة على الباعة الغرباء الذين يأتون بأحمالهم ليبيعوها في المشتى: فكان يأتينا الجمّالة الذين يحملون الحبوب والجبس والبطيخ والعجور وسمك السلور من سهول حماه ومنطقة الغاب. كما كان يأتي بياعو العنب المشرقي من قرى ضهر القصير. وكان على هؤلاء جميعا أن يدفعوا مبلغا (عشرة قروش على الحمل في تلك الأيام).
وفي إحدى السنوات رسا الضمان على والدي والخال أيوب الجرجس فكان يتوجب على شقيقي الأكبر غسان وعلى فاروق الأيوب أن يرابطا من قبل الفجر عند قبر حسن (الكرم حاليا) لترقب الباعة القادمين من مشرّق وقبض الرسوم حتى لا يتمكنوا من بيعها ومغادرة المشتى بدون دفع.
أما سوق البيع الرئيس فكان في الساحة حيث تتحول مع الفجر إلى سوق شعبي مزدحم بالباعة والشارين والمتفرجين لاسيما في أواخر الصيف وبداية الخريف حيث ذروة المواسم لاسيما مواسم العنب المشرقي للملبن والدبس والعرق.
وما من شك في أن نجم السوق آنذاك كان المرحوم فياض السليمان الذي كان يتولى دور المعلن، فهو المنادي الذي يعلن عن وصول البضاعة بصوته القوي الذي كان يصل من فوق سطوح السوق إلى أربعة أركان المشتى.
هذا عن رسوم البلدية أما الرسوم الحكومية الأخرى كالمسقفات وغيرها فكانت تجبى من قبل جابي حكومي يسمى التحصيلدار ومن بين تلك الرسوم الحكومية ما كان يجبى عن المواشي تبعا لعدد الرؤوس التي يملكها كل شخص ويعطى أصحابها وصلا يسمى الكوشان.
بالنسبة للساحة كان هناك ساحتان: الأولى هي الساحة الحالية التي طرأ عليها بعض التغيير، أما الثانية التي اختفت نهائيا فكانت تسمى ساحة الجمال وهي تمتد من بركة بيت نقول (في أسفل الملزق أمام محل نسيم البحتور) شرقا إلى ما تحت بيت سليمان الندور، بعرض قرابة الخمسين مترا. وربما يكون اسمها ساحة الجمال مأخوذا من كونها "الكاراج" الذي يؤمه الجمالة ليفرشوا بضاعنهم وسوقهم هناك.
وفي غياب هذا النشاط التجاري كانت تتحول إلى ملعب لأولاد الملزق بألعاب الحيح والقواميع والكلل وأحيانا الكرة الطائرة.
ما من شك في أن أهم مواسم الساحة كان موسم العنب المشرقي حيث تمتلىء بالباعة الذين ينشرون صناديقهم المليئة به في كل زاوية ويبلغ الزحام أوجه. وكان على البائع أن يقوم هو أو مساعد له بإيصال الحمل (عبارة عن سحارتين) إلى منزل المشتري ليقوم بتفريغه واستعادة السحاحير.
معالم الساحة والسوق:
تبدأ الساحة في جهتها الشمالية من مدخل دار بيت الحلو، وأول ما يطالعك خربة ما تزال قائمة حتى الآن وفيها أشجار تين بري.. وكانت بالأصل بيت شل ملحقا بالبناء المجاور الممتد من هناك إلى الساحة وكان يملكه لبس الحلو وقد رهنه لسنوات طويلة عند وديع بيطار ومصطفى الحلو ثم باع الأخير حصته منه للسيد عبدو حلال. استخدمت هذه الخربة في حينها ككراج للبوسطة عندما كان يقودها حنا الياس الحلو. ثم يليها البناء الذي فيه تكسي ميرنا حاليا ويبدأ من دكانين (شغلهما إلى فترة قريبة محمود عوكي)، وكانا في الأصل منفصلين تشغل الأول سيدة اسمها ملكة الحلال وكان لديها داخل البيت نول لحياكة السجاد من الأنواع الفاخرة. في حين تقطن في الثاني عائلة أرمنية عندها ولدان جرجي وعازار وكان الأب يعمل سمكريا لتصليح بوابير الكاز واللوكسات وغيرها. وبعد أن غادروا المشتى شغل المحل عطا بيطار من مشتى التحتاني وكان حدادا وسمكريا ونجارا يتقن مهنته بشكل كبير ويقصده الناس حتى من القرى البعيدة. أما الدكان الثالث فكان يشغله نهارا جبرا المرشد الحلو الذي تحدثنا عنه في حلقة سابقة بينما تتحول درجات الباب المطل على الساحة خلال الليل، إلى ملتقى ومجلس لمعظم أولاد الحارة وحتى أصدقاؤهم من الحارات الأخرى.
يجاور ذلك المبنى من الغرب الكراج القديم الذي مايزال قائما حتى الآن وكان مستأجرا لمبيت بوسطة طرابلس. يليه ثلاثة دكاكين أمامها مسطبة فسيحة فيها أربع شجرات أكاسيا، يشغلها إيليا الواكيم ،يستخدم الدكان الأول للنجارة وهي مهنته الأساسية، في حين يشغل الدكانين الآخرين كمقهى للعب القمار.
أما من الشرق فكان أول دكان هو الذي يشغله حاليا الأفيوني، وكان يشغله عبدو رشيد الحلال ومعه والده. وبالإضافة للأقمشة التي كانت تجارته الأصلية كان يقوم بمقام المصرف حيث يشتري الشيكات التي تأتي للناس من أقاربهم المهاجرين ويعيد صرفها في المدينة عندما يذهب للتسوق.
بعد هذا الدكان يأتي دكان آخر للعم سليمان العدلة الحلو، وكان تاجر حبوب ثم يأتي بيته (الأولد هاوس حاليا). أما الدكان الأخير فكان في ذلك الوقت مجرد بناء غير مكتمل أي بدون سقف، وبالتالي كان الناس يتعاملون معه كمجرد خربة مثل كل الخرب القديمة (رغم حداثة بنائه) إلى أن قام نقولا وسميح الحلو باستكماله ويناء بيتهما المشترك في الطابق الذي يعلوه.
وعندما نجتاز الطريق الذي ينزل إلى سوق الدلبة يواجهنا دكان العم أسيد نوفل الحلو الذي ورد ذكره في حلقة سابقة ويلاصقه من الغرب على الزاوية المطلة على الساحة والسوق معا دكان الخال وديع البيطار الذي كان يستخدمه كمكتب يتعاطى فيه تجارة القز والحرير، وكان مشاركا للخال أيوب في تشغيل المخنق المعروف على الطريق الغربي قبل أن يشارك في صفقة شراء معمل الحرير مع بيت السمان من حمص وينقل تجارته وإقامته إلى هناك. ليتولى ابنه حليم إشغال الدكان وكان أول من تعاطى بتجارة النوفوتيه في المشتى حيث صار يستورد ألبسة نسائية متنوعة من طرابلس وحمص، كما كان أول من مارس الدعاية إذ اتفق مع أكثر من امرأة على القيام بزيارات للبيوت والترويج للبضاعة الجديدة التي يعرضها. وكان يوجد على جداره الخارجي علبة بريد.
يجاوره صعودا على الجانب الشرقي من السوق دكان نديم الحلال (الحمصي) وقد باعه لجرجي العم من المهيري عندما انتقل إلى بانياس للعمل في شركة نفط العراق. يليه الدكان الثاني للخال أيوب الجرجس بمقابل دكانه الرئيسي. ثم يأتي دكان جبرا نقولا وهو من أهم تجار الأقمشة في حينه. ثم دكان جرجي جميل نعمة الذي كان شبه مقر لقيادة الحزب السوري القومي أكثر منه دكانا تجاريا. وبعده دكان مطانيوس القاموع الذي كان أيضا من التجار الأقوياء في السوق وكان مشهودا له بالاستقامة، وقد ترك هذا الدكان عندما بنى دكانا وبيتا في أول نزلة سوق الدلبة، فحل محله مطانيوس الموراني من المهيري. وبعده كان هناك ثلاثة دكاكين شل تعود ملكيتها لليان سليم الحلو (لم أعد أذكر من كان يشغل الأول منها آنذاك)، أما الثاني فكان المبيض عيسى التامر والثالث الكندرجي الياس زخور الحلو. ويروى أنه كان مع بعض أقرانه في ذلك الدكان فيما كانت زوجته في حالة ولادة في البيت على يد داية من المهيري، وعندما أطل ابنه إسكندر عاجله بالسؤال:
خلفت أمك؟
أجابه: نعم.
شو صبي ؟
لا!
لكن بنت؟
لأ!
لكن شو؟
أجابه :بنتان
فقال له: برافو الما كبرت ما يتصغر.
وقد تم هدم هذه الدكاكين الثلاثة وإعادة إعمارها مع توسيع الطريق على حسابها وشغل الأول منها يوسف نجيب الحلو بتجارة الحبوب، بينما ظل الثاني لعيسى التامر وشغل الأخير جرجس البوسمرة.
بعد ذلك ينعطف السوق قليلا ليطالعنا دكان سعدو البيطار ويليه دكان (المدلل) عيسى النسيم وكان يبيع الخضار والفواكه. ليليه بشكل جانبي دكان طنسي الذي كان أيضا من التجار الكبار في السوق، ثم يليه دكان عيسى البيطار (زوج خالتي يمنى) وكان بيطارا فعليا يحدي الخيل والبغال والحمير، لكنه كان في الوقت نفسه طبيب الأسنان للمنطقة كلها. وكانت طبابته هذه عبارة عن عملية القلع. وفي بعض الأحيان النصح ببعض المسكنات وأهمها المخمضة بالعرق. يليه دكان إبراهيم البوسمرة وبعده دكان المبيض إيليا الطنوس. وهو آخر دكان في الجهة الشرقية من السوق. أما الجهة الغربية فتبدأ من الطريق الغربي حيث يطالعنا دكان عفيف الحلو(كندرجي) يليه دكان حسيب الحلال الذي كان، بالإضافة للتشابه مع الآخرين ببيع كل شيء تقريبا، يهتم بما يحتاجه الفلاحون لحيواناتهم وخاصة للحمير كالجلال والرسن والمخلاة وغيرها.
يليه دكان مخاييل مرشد الحلو الذي كان أمينا لصندوق الكنيسة وأوقافها. وكان خير من يقوم بهذه المهمة لشدة استقامته وأمانته. وقد مر معنا أنه واخيه جبرا كانا مقصدا للكثير من الناس لإيداع ما لديهم من موجودات ووثائق وحجج وحتى أموال تحتاج لمكان أمين.
وكان لهذا الدكان واجهتان وبابان على الساحة وعلى السوق، يليه دكان ليوس العبدوش من مشتى التحتاني ثم دكان الخال أيوب، الذي كان يبيع الأقمشة مثل الآخرين لكنه امتاز بأكثر من بضاعة أخرى كالمازوت والطحين وغيره. وكان أول من استخدم الهاتف للعامة (كان الهاتف قبل ذلك محصورا بالبريد)، وبالإضافة لذلك كانت له ميزة هامة جدا. إذ قام بدور الصيدلاني فكان يشتري الأدوية من حمص بتوجيه من الدكتور حنا هنود الذي كان يرسل له المرضى مع روشيتة خاصة منه. وفي إحدى المرات كان الخال أيوب قد اشترى حملة كبيرة من البطيخ الأحمر (جبس) ولم تنفق معه فعمد الدكتور حنا إلى إضافة على الروشتات تقول : مع بطيخة حمرا من عند أيوب.
وللخال أيوب الذي كان عصبي المزاج، قصص كثيرة من بعضها أنه قد جاءه زبون من نبع كركر لشراء جاكيت، وقد عرض عليه عدة جاكيتات دون أن تعجبه أي منها، فما كان من الخال أيوب إلا أن أمسكه بيده وأخذه لعند حسيب وقال له هنا تجد أفضل جاكيت مناسبة لك (يقصد جلال الجحش الذي كان حسيب يبيعه في دكانه).
ومن قصصه أيضا أن زوجته سامية التي ذهبت إلى الحج في القدس قالت له قبيل النوم: شو رأيك تقرا شوية بالإنجيل لضمان آخرتك بدلا من هذه المجلات ذات الصور المزلطة؟ فوافق وبعد أن قرأ فيه عدة صفحات، أعاده لها وعلق قائلا: والله محروق الدين حكيو كيس.
بعد دكان أيوب كان هناك فراغ حتى مفرق طريق المهيري الذي يبدأ بدكان نايف النقولا وهو أيضا تاجر أقمشة كشقيقه جبرا، وبعده باتجاه المهيري دكان النجار العم عيسى المخاييل الجرجس والد ميشيل وجرجس. يليه دكان لشخص غريب اسمه الحاماتي (إما من وادي النصارى أو من لبنان) وبعده عيادة للدكتور مهران الأرمني وهو الدكان الأخير على طريق المهيري.
نعود لمتابعة الجهة اليمنى من السوق فيطالعنا على يمين دكان نايف دكان شل في رأس السوق (حيث يقوم الآن دكان خضار وفواكه) وكان يملكه الياس الطنوس أبو جوزيف. وبعده كان هناك فراغ يستخدم لحدي الأحصنة من قبل عيسى البيطار وأخيه يوسف البيطار (أبو سعدو) الذي كان يشغل الدكان التالي.
ثم يأتي دكان أيوب النسيم الذي كان متخصصا بالحلويات المختلفة ولذلك كان معظم زبائنه من الأولاد الذين يشترون من عنده الألعاب أيضا لاسيما ضروب الفلين ليأخذوها معهم إلى دار الكنيسة في الأعياد. وكذلك البيض المسلوق الملون في عيد الفصح.
بعد ذلك يطالعنا دكان حنا البوكس. ثم دكان القصاب فياض السليمان. وبعده بيت اسحق الطرطوسي وزوجته مريم القسطون التي كان قريبها (وربما أخوها) الياس الموسي يشغل فيه قهوة للقمار قبل أن نصل إلى دكان الحلاق بحتور وولده نسيم وهو كان آخر دكان في الحارة.
ونختم هذه الحلقة بأحد أبرزمعالم المشتى وهو الهوى الشرقي:
لهوا الشرقي مع المشتى حكاية ........... قديمة كتير ما إلها نهاية
ألو بتشرين موعد ما تغير ........... مرافق هالخليقة من البداية
بيصوفر بالليالي تقول عسكر........... هجومي بمية قطعة ومية راية
إذا سمعتوه عند الصبح زمجر...........عرفوا أنو الغضب عالكون جايي
******************
بيجمّع زمهريرو موت أحمر........... وبيهاجم هالبشر من دون غاية
صقيعو يدور عالدنيا مبكّر ........... لا لبس الصوف يحمي ولا العباية
بيجي عاصوبيات الناس يسكر ........... الشرب مازوت والمازا حماية
ما خلا بجيبتن متليك أحمر ........... متل جابي عمينفذ جباية
وما في سلطات عاصدّو بتقدر........... ولفي قاضي تقدملو شكاية
*********************
سعى الكريب بين الناس ينشر ........... كفاعل خير مشكور السعاية
لا خلا بيت من شرو مسوكر ........... ولا خلا شخص مضمون الحماية
وما خلا عالشجر شي عرق أخضر........... ولاخلا بالأرض ميّة سقاية
ولفي قرميد إلا ما تكسر........... ولفي شباك صامد عا بناية
صحي الزلزال عالتدمير أقدر ........... ولكن هزتو بتضل تكة
...................... وهوا الشرقي بيهز بلا نهاية........................