فصل من مخطوطة ذكريات: المشتى في خمسينات القرن العشرين

حكايات قرية
عدنان بدر حلو- فينكس
مشتى الحلو قبل الدني كلا ومن قبل ما تتكون الأكوان
كانت قصيدة يدندنا ألله لمن يكون مزهزه ونشوانأ عدنان بدر حلو
ويوم اللي آدم جدنا تصلى نزلت نقوط الرب عالعرسان
ومن يومها وهيي بتتحلا تتذكر الإنسان بالجنات
وتذكر الجنات بالإنسان
المشتى الآن مدينة حديثة ومزدهرة، فيها الفنادق الفخمة والفلل الجميلة وازدحام السير.. والملاهي والمقاهي (حتى مقاهي الإنترنت) وغير ذلك من المستحدثات العصرية.. ويجوب أبناؤها العالم كله يبدعون في شتى حقول التجارة والعلوم والفنون والمعارف الحديثة.. ويظلون مشدودين إلى تلك البقعة الجميلة التي كانت، إلى ما قبل سنوات، قرية صغيرة وادعة تنام في أحضان تلك التلال والجبال الساحرة. ويضيء لياليها قمر مختلف عنه في كل أقطار العالم..
وما من شك في أن الأجيال الجديدة الشابة ترغب في معرفة الكثير عما كانت عليه الحياة فيها أيام طفولتنا وفتوتنا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي؟
سأحاول هنا، واعتمادا على الذاكرة أن أروي لأبنائنا من هذه الأجيال بعض سوالف المشتى وأحوالها في تلك الفترة. آملا أن يسارع أخوة آخرون إلى نبش ما هو مخزون في ذاكراتهم، عسانا ننجح في رسم لوحة تقريبية لذلك الماضي الذي تكونت فيه شخصية ابن المشتى، وتمتد إليه جذورها.
ومن الواضح أن هذه المادة ليست رواية أو قصة، بل هي سرد لخصوصيات من بلدة نحملها في جوارحنا أينما قذفت بنا المقادير في متاهات الحياة والمنافي والمهاجر.
اسم المشتى
يتساءل كثيرون عن التناقض بين اسم المشتى المشتق من الشتاء وبين طبيعتها كمنتجع اصطياف ساحر!
في الحقيقة.. لم تكن حوافز الاصطياف والإشتاء في الماضي كما هي الآن من حيث البحث عن المناخ المعتدل والطبيعة الجميلة والخدمات الترفيهية الجيدة.. كان الناس يعتمدون في حياتهم، بشكل أساسي، على تربية المواشي.. مما يضطرهم للبحث في فصل الشتاء عن مناطق فيها بعض الوديان الدافئة نسبيا، لاسيما ضد الرياح الشتوية القاسية مثل الهواء الشرقي في منطقتنا، وتتوفر على أشجار دائمة الخضرة (كالسنديان) تشكل مادة تغذية لمواشيهم.. حتى إذا أطل الربيع وطلائع الصيف وتحولت التلال الجرداء (ومنها اسم الجرد) إلى مراع خضراء، انطلقوا بمواشيهم نحو تلك المناطق العالية ذات الخصوبة الموسمية.
ولهذا السبب نجد في منطقتنا، كما في لبنان أيضا، قرى وبلدات كثيرة تحمل اسم المشتى: هنا مشتى الحلو ومشتى عازار والمشتاية، وهناك مشتى حسن ومشتى حمود وغير ذلك. في حين نرى في اسم بلدة مصياف دليلا على أنها كانت، مع ما جاورها من سهول وهضاب، مرتعا خصبا لقطعان الماشية في فصل الصيف.
أما اقترانها باسم عائلة الحلو فذلك نسبة إلى العائلة التي تحمل هذا الاسم وتعود بأصلها إلى بلدة عين حليا في منطقة الزبداني قبل أن تهاجر إلى بشري في لبنان. وقد استقر فرع منها في المشتى خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر.. (الجد الأول الذي حضر إلى المشتى من بلدة "حصرايل" (مسقط رأس الشهيد الشيوعي الكبير فرج الله الحلو) في لبنان هو يوسف نقولا الحلو وكان قدومه عام 1711).. وقد أصاب أبناؤها الأوائل ثروة كبيرة ونفوذا واسعا في المنطقة، لاسيما عندما تولى سليمان السمعان (باني دار بيت الحلو) منصب خازن مالية حكومة الحصن التابعة لعائلة بيت شمسين العلوية التي كانت تحكم منطقتي الحصن وصافيتا.. ويروي المعلم نسيم الحلو في مذكراته أن معظم تلك الثروة يعود إلى فترة احتلال إبراهيم باشا لسورية ولبنان، فقد فرض القائد المصري على سليمان السمعان، كنوع من الخوة، أن يوفر كمية كبيرة من الحبوب لجيشه. لكنه سرعان ما اضطر للانسحاب قبل تسليم تلك الكمية فلعب الحظ مع سليمان ومكنه من أن يبيعها ويحقق ربحا وفيرا فيها.
.. وقد امتدت ملكية سليمان أفندي وأبناء عائلته إلى قرى وإقطاعات واسعة جدا (يبدو أن الحصول على الثروة من المناصب الحكومية، ليس بدعة جديدة !!).
والغريب الذي لا أعرف له سببا هو أن الاسم الرسمي للمشتى كناحية كان حتى الستينات "ناحية حزور"!
-------------------
الفصل الأول
البوسطة
لقد اخترت البدء ب "البوسطة" (سميت كذلك باعتبارها كانت السيارة التي تحمل البريد: La poste بالفرنسية) لأنها كانت الصلة الوحيدة بيننا وبين العالم.. ولم يكن العالم آنذاك سوى مدينة طرابلس، قبل القطيعة التي حدثت في الأربعينيات وارتبطت باسم خالد العظم وأقامت الحدود الجمركية بين سورية ولبنان، وعبرت عن الخلاف بين مدرستين: إنمائية سورية تريد أن تحمي الصناعة الوطنية، وتجارية لبنانية مرتبطة بالاستيراد والتصدير ووكالات الشركات الأجنبية.
لقد تم شق الطريق بين المشتى وصافيتا عام 1920 وذلك بواسطة السخرة والتطوع إذ قامت كل قرية على ذلك الطريق بتوفير اليد العاملة لشق المسافة الموصلة بينها وبين القرية التي تليها. وما أذكره من مواصلات سابقة للبوسطة على تلك الطريق هو بوسطة صغيرة (مشابهة للميكروات المعروفة حاليا) يملكها سائق من صافيتا اسمه جميل القطريب. وكان لها رفرافان على الجانبين كثيرا ما يقف عليهما ركاب لم تتسع لهم المقاعد في داخلها.. وقد توقفت لسنوات ثم عاد القطريب في وقت لاحق مع سيارة جيب "ويللس" يلبي بواسطتها الطلبات الطارئة.. كما كانت تزور المشتى بشكل موسمي سيارة "فورد أبو دعسة" فوق ظهرها طاحونة برغل (كانت تقف في الساحة، فيحضر الناس قمحهم المسلوق والمجفف ليطحنوه فيها مقابل كمية معينة من البرغل) وكان سائقها يدعى فلوري وهو من سكان صافيتا لكنه على الأغلب من أصل إنكليزي..
أما البوسطة التي نتحدث عنها فهي "بوسطة طرابلس".. وكانت في الحقيقة عبارة عن بوسطتين تعملان كواحدة فقط.. إذ تغادر إحداهما المشتى صباحا باتجاه طرابلس، بينما تنطلق الثانية ظهرا من كاراج "باب التبانة" باتجاه المشتى.
وكنا نعرف البوسطتين بإسمي سائقيهما: واحدة باسم محي الدين وواحدة باسم سليمان الشاعر.. أو بلونيهما: الحمرا والزرقا. ومع كل سائق كان هناك معاون ينادي على الركاب ويساعد في توضيب الحمولة على السطح، ويقف وراء البوسطة ليرشد السائق عند التحرك إلى الخلف، كما يقدم له المساعدة في إصلاح الأعطال الميكانيكية. ومن أشهر المعاونين في تلك الفترة "الميكادو" من كفرون حيدر، وكان نحيفا جدا وطويلا جدا (بعد تركه لهذا العمل افتتح مقهى صيفيا على المخاضة في الكفرون. ومن المعروف عنه أنه بقي حتى آخر حياته يسافر إلى صافيتا وحتى إلى طرطوس سيرا على الأقدام).. ثم أتى بعده قريبه (أو أخوه) عزيز. وكانا محبوبين من كل الناس لأخلاقهما وحسن تعاملهما مع الجميع.
طبعا لم يكن في المشتى فنادق. فكان السائقان والمعاونان يستأجرون قبوا عند امرأة عجوز اسمها أم برهان كانت تعيش وحيدة بعد هجرة زوجها وأولادها إلى البرازيل، وكان بيتها المحاط
ببستان مشمش ورمان يقع على يسار نزلة “درجات حمود" الموصلة من الساحة إلى سوق الدلبة، مقابل بيت الدكتور حنا هنود ودكان غابيوس الحداد وبجوار بيت إيليا الواكيم. وعندما كان يأتي بعض الغرباء إلى المشتى (وهذا ما كان نادر الحدوث) فكانوا يستأجرون المنامة في بيت طنسي الابراهيم (أو التكتوك كما كان لقبه آنذاك)..
ويحكى أن أم برهان كانت تودع ما توفره من "عائدات" فندقها هذا عند قريب لها هو خالي وديع الديب البيطار (أبو حليم) وعندما كانت تسأله، بين الحين والآخر، عن رصيدها، كان يقول لها: لا تخافي كل شيء مسجل في الدفتر! فيطمئن قلبها، كأن ذلك الدفتر خزينة البنك المركزي!
وبمناسبة الحديث عن الخال وديع، لابد من الإشارة إلى أنه كان من ميسوري الحال. فقد ورث تجارة الحرير عن والده ديب الإسبر، ثم اشترى مع شركاء من حمص (اسطفان السمان وأخوته) وشركاء من لبنان (باعوا حصتهم لاحقا) معمل الحرير الذي كان يعرف باسم " الكرخانة"! (كلمة تركية تعني العمل المأجور). وقد دأب الخال أبو حليم على الاحتفال سنويا بعيد الرب (وفاء لنذر قديم) فكان يقيم وليمة كبيرة يدعو إليها العديد من الأقارب، رجالا ونساء وأولادا.. كنا نترقب ذلك الموعد بحماس شديد.
ومع أنه كان من المقتصدين، كان ينفق بسخاء على تلك الوليمة السنوية، كما كان يسخو أيضا على تعليم أولاده، أو مساعدتهم لبناء مستقبلهم التحاري.مشتى الحلو اطلالة جميلة
وتستوقفني عنده قصة طريفة.. ففي أواخر أيامه أمضى فترة غير قصيرة مقعدا في الفراش.. وفي إحدى زيارات والدتي له، قال لها:
- والله يا أختي لا يحرق قلبي غير الياس الزخور.
فسألته:
- ليش.. خطي.. شو عاملك الياس الزخور؟!
رد عليها:
- لقد أمضى حياته كلها تقريبا عاطلا عن العمل.. وعانى أولاده من الفقر ما دفعهم للهجرة إلى المدن بحثا عن العمل والرزق.. ومع ذلك تراهم اليوم لا يحلفون (يقسمون) إلا بحياة البابا!! في حين أولادي، رغم كل ما عملته لهم، لا يأتون لزيارتي إلا ليعرفوا متى سأموت كي يرثوني!!
فقالت له: الحياة يا خيي ليست بس بالمصاري.!
كانت البوسطة تنطلق من الساحة في وقت مبكر جدا، ما يضطر المسافرين للحضور مع الفجر، وحتى قبل ذلك.. وكان الميسورون ووجهاء البلدة يتنافسون على حجز المقعد المجاور للسائق أو المقعدين الأولين وراءه. وفي بعض الأحيان كان صاحب الحجز يأخذ معه وسادة المقعد إلى البيت من الليلة السابقة لكي يضمن مقعده في الصباح. وكثيرا ما كانت تحدث مشاجرات بسبب هذه المنافسة.
كان ذهاب البوسطة في الصباح حدثا بالغ الأهمية في الحياة اليومية الساكنة. فلا عجب أنك كنت تجد عددا كبيرا من غير المسافرين يقصدون الساحة في تلك الساعة المبكرة بهدف الحشرية وتقصي أخبار المسافرين وما يكون قد وقع من أحداث و"خبريات " خلال الليلة السابقة (من أمثال: ضبطوا فلانا عند فلانة، أو سطا جقل على دجاجات فلان، أو تعرض البيت الفلاني للسرقة.. وهكذا).
وبالإضافة للمسافرين والأغراض والبضائع التي كانت تزدحم على السطح (بما في ذلك المهربة إلى لبنان ومنه.. وقد اشتهر عدد من نشطاء تلك التجارة كالمرحوم الياس الزكزك الذي اضطرته ملاحقة الجمارك للهجرة إلى البرازيل)، كانت البوسطة تنقل من حين لآخر موقوفين، جنائيين أو سياسيين، برفقة رجال الدرك إلى صافيتا.. وفي مثل هذه الحالة يتضاعف عدد الحضور في الساحة. وأذكر في إحدى المرات - ربما أيام الشيشكلي - أن عددا من الشباب افتعلوا مشاجرة مع الدرك وعلى رأسهم شاويش قاس اسمه عارف، حتى تمكن الموقوف الشيوعي ميشيل العيسى من الهرب من بين أيدي الدرك.
بعد سفر البوسطة كان الجميع يتفرقون، ويقوم بعضهم بشراء اللحم أو اللبن. إذ كان القصابون وباعة اللبن يحرصون على عرض بضاعتهم في برودة الصباح لانعدام وسائل التبريد.
ومن أشهر قصابي تلك الفترة: جرجي الفاضل وديبو النصار في سوق الدلبة وفياض السليمان في الحارة الفوقانية (وكان فياض منادي الضيعة، فهو من يعلن بصوته القوي للضيعة كلها عن الأحداث الطارئة والهامة كوصول تجرة سمك سلور أسود من مستنقعات الغاب أو ضياع بقرة فلان أو غير ذلك.. وكان مشهورا أيضا بحبه للحلويات.. يقال إنه دخل في رهان في كاراج باليقة بحمص على صدر شعيبيات، فأكله كله ثم راح يلحس القطر المتبقي في الصدر. وقد كان معروفا في الضيعة كلها بنخوته وحماسه لنجدة الآخرين ومساعدتهم).
أما بيع اللبن فكان يتم في دكان العم جبرا المرشد الحلو (محل تكسي ميرنا حاليا) إذ كانت استقامته تجذب كل باعة اللبن من القرى المجاورة. (وكان الكثيرون يستودعونه ما لديهم من مقتنيات ثمينة وأوراق ووثائق وحجج).
كانت عودة البوسطة في المساء، الحدث الأهم. وكثيرا ما كان الناس ينتظرونها في الساحة حتى ساعة متأخرة من الليل، لا سيما في فصل الشتاء عندما "يضب الليل" باكرا، ويساهم الطقس في تأخير وصولها إلى ما بعد موعدها المعتاد.
كان الناس يشرعون صغارا وكبارا بالتوافد على الساحة من أول العصر.. يأتون من كل الحارات، وحتى من القرى المجاورة. فبالإضافة للمسافرين والبضائع كانت البوسطة تحمل أخبار العالم. إذ يروي القادمون أخبار كل ما شاهدوه أو سمعوا عنه خلال سفرتهم. ومن النادر أن يذهب العائد فورا إلى بيته، فلا بد من المرور على أحد الدكاكين حيث يتحلق حوله الأصحاب وغيرهم لسماع مروياته.
كان الأطفال والفتيان يتنافسون حول من "يلاقي" للبوسطة إلى مسافة أبعد على الطريق الغربي. فينتظرها بعضهم عند الصخرات الزرق، وآخرون عند الكوع الأبيض (موقع المنتجع حاليا)، في حين يصل المتحمسون إلى الكفرون وحتى الملوعة. وكان الجميع يترقبون ظهورها في رأس أكواع الملوعة... ومن أجل تقدير مدى اقتراب موعد الوصول، كانوا يضعون آذانهم على حجارة الطريق ويطرقون عليها بحجارة أصغر، وينصتون للطنين الذي يحدثه الطرق بحثا عن صوت هدير المحرك، كما كانوا يفعلون الأمر نفسه مع أعمدة الهاتف تقديرا منهم أن أسلاكه لا بد وأن تنقل صوت موتور البوسطة!!
ومن يعرف مسبقا أن والده أو قريبا له سيكون قادما في البوسطة، كان يحظى بمكانة خاصة بين رفاقه الذين يسعون لكسب وده طوال النهار، على أمل أن يمون قريبه على السائق ليسمح لهم بركوب البوسطة من حيث يلتقون بها حتى الساحة. وكان ذلك يملأ قلوبهم بالسعادة والزهو.. أما الآخرون فكانوا يتراكضون خلفها للتعلق بالسلم غير آبهين لشتائم المعاون وضربات قضيب طويل كان يقتنيه خصيصا لهذه المهمة.
كان عدد لا بأس به من رجال المشتى مشتركين في صحف ذلك الزمان، التي تأتي بها البوسطة. كان الميسورون (وهم في الغالب غير حزبيين) مشتركين بجريدة " النصر" الدمشقية المستقلة. أما الحزبيون فكانت لهم صحفهم الحزبية (في البدء كانت " الأخبار" الشيوعية و"صدى لبنان" القومية تأتيان من بيروت)، ثم صدرت "النور" و" البناء" من دمشق بعد سقوط الشيشكلي وعودة الحياة الديموقراطية. وكنت ترى جمعا من الناس متحلقين حول أحدهم وهو يقرأ الجريدة فيما الآخرون منسطون باهتمام، مع صدور بعض التعليقات المؤيدة أو المعترضة بين الحين والآخر.
كان حزبيو المشتى يرسلون لصحفهم أخبار المنطقة ونشاطاتهم فيها.. وعلى سبيل المثال نروي لكم الحادثة التالية:
قام الشيوعيون بحملة يانصيب على طقم شراشف وأغطية تخت.. ثم قيل إن تلاعبا حصل في النهاية فربحته أم حكمت (امرأة الياس الحكيم خال ميشيل العيسى) مما أغضب امرأة قبلان (أم عبد الكريم) وجعلها تنقلب على الحزب وتنضم للقوميين... وبعد عدة أيام التقت الامرأتان على فرن إسبر التامر فتلاسنتا وتعاركتا ووصل الأمر إلى شد الشعر وغيره.. ثم وصلت جريدة "النور" الشيوعية من دمشق وفيها أخبار المعركة تحت عنوان: " عملاء حلف الأطلسي في مشتى الحلو يعتدون على المناضلة أم حكمت "!!
المسافة حتى جسر الأبرش (حيث يلتقي مفرق المشتى مع طريق اللاذقية – حمص الذي كان يمر من قلب صافيتا قبل شق الطريق الجديد أوتوستراد طرطوس - حمص) كانت تحتاج من البوسطة لأكثر من خمس ساعات في الأحوال العادية.
(نتوقف هنا لنتحدث عن وصول شحنة الأسلحة السوفياتية الأولى عام 1955 إلى مرفأ اللاذقية وعبورها الطريق المذكورة، فقد شاهد ركاب البوسطة في ذلك اليوم رتل الدبابات الروسية تعبر جسر الأبرش ونقلوا أخبارها إلى المشتى.
وقد التقى المبيض عيسى التامر(القومي) بالياس الزخور (الشيوعي) فقال له بشيء من الشماتة:
- سمعت يا بو أنيس؟
- شو؟
- ميقولو أنو كل هالدبابات عتيقة ومصداية!
فأجابه أبو أنيس بسخريته وسرعة بديهته:
- منشان تبيضها أنت!)
أما في الأحوال غير العادية، كالطقس السيء أو حصول عطل ميكانيكي، فكان الأمر يستغرق أكثر من ذلك بكثير.. وفي مرات عديدة كانت البوسطة " تنقطع" في الطريق بسبب خطورة العطل أو انغراس العجلات في الوحل، لاسيما وحلة "مزار البياض " اللزجة ما بين بدادا وكفر صنيف.
وفي مثل هذه الحال كان الركاب يضطرون لمواصلة الطريق إلى المشتى سيرا على الأقدام، بعد أن تفشل محاولاتهم لإنقاذ البوسطة من المأزق.. ويبقى السائق ومعاونه للحراسة حتى اليوم التالي بانتظار وصول البوسطة الثانية التي تقوم، مع مساعدة أهالي الجوار، بجرها وإخراجها من الوحل. وكانوا في بعض الأحيان ينجحون في إنقاذها بواسطة أغصان الشجر التي يقطعونها من الجوار ويضعونها في الوحل أمام دواليب البوسطة وخلفها.
مع ذلك ورغم وعورة الطريق والانهيارات التي تحصل بين الحين والآخر في جدرانه الاستنادية، كانت الحوادث قليلة بل نادرة.. وكل ما أذكره هو حادث واحد انقلبت فيه البوسطة عند "كفرصنيف" دون وقوع ضحايا.. وقد تناقلت الناس بشماتة روايات كثيرة عن مناظر بعض "الخواجات" من الركاب الذين سقطت على ثيابهم النظيفة مخلوطات الحمولة من اللبن والبيض والخضروات وغيرها.
أما أخطر مسافة في الطريق فكانت "كواع الملوعة " التي تلتف فيها الطريق مثل الحية صعودا من مخاضة الكفرون، وكان عددها سبعة أكواع حادة لا تستطيع البوسطة، أو أي سيارة شحن، أن تجتاز الواحد منها بلفة واحدة، فتضطر للقيام بمناورة تراجع إلى الخلف حتى حرف الجدار الاستنادي حيث يضع المعاون حجرا كبيرا وراء دولابها الخلفي قبل أن "تخلّص" وتستأنف الصعود.
ولم يسمع، مع ذلك، أن حادثا قد حصل في تلك المسافة الخطرة قبل أن يجري اختصار الأكواع بنزلة واحدة مستقيمة.. فقد كانت خطورة الطريق تجبر السائقين على توخي أقصى درجات الحذر.. لكن العامة كانت تردد، مقتنعة، أن ذلك يعود لحماية السيدة العذراء التي يقع مزارها على رأس الجبل المقابل. والغريب أن أول مشوار للبوسطة على نزلة الملوعة المستقيمة الجديدة انتهت بحادث مفجع إذ انقلبت عن الطريق وتدحرجت حتى قاع الوادي مما أدى لوفاة صاحبها العم سليمان المخول الحلو.
وقد ظلت بوسطتا طرابلس تنفردان بخدمة المشتى وجوارها وقرى الطريق لسنوات عديدة. وتناوب عليهما عدد من السائقين مثل داهود المقدسي المعروف باسم داهود الشوفير وحنا الياس الحلو والد المرحوم الدكتور الياس، قبل أن تأتي سيارات الجيب "المخصصة للطرق الجبلية الوعرة" وكان أولها-بعد جميل القطريب- جيب الياس الحكيم (أبو حكمت) ثم جيب حنا الخرفان وبعده حنا آخر من قرية بقرعوني باع دكان البالة واشترى سيارة جيب. وبعد ذلك اشترى نقولا وسميح الحلو مشاركة مع الياس السليمان (جد راتب ورامز العجي لوالدتهما من بيت شباط) بوسطة اخرى للعمل على خط المشتى – حمص إنما عن الطريق الغربي أيضا وكان سائقها بديع العم من المهيري، وأحيانا منير الفياض. وكان يحدث أن يأتي أحد أبناء المشتى العاملين في المدينة بسيارة سياحية عادية (كانت تسمى لوندونيه) فتصبح فرجة نادرة لكل أهل المنطقة. لكن نصف عمرها يكون قد انقصف بالعربشة على صخور تلك الطريق الوعرة وحفرها الكثيرة..
كانت للبوسطة وظيفة اتصال أخرى هي الراديو الذي كان موضع اهتمام كبير من قبل كل الناس الذين يتحلقون لسماع الأخبار والأغاني قبل مبيت البوسطة في الكراج الذي يقع في صدر الساحة ملاصقا لدكان العم جبرا المرشد.(تكسي ميرنا حاليا) ففي النصف الأول من الفترة التي نتحدث عنها لم يكن في المشتى راديو (باستثناء واحد كان في معمل الحرير الذي كانت تسكن فيه وتديره عائلة فرنسية باسم بيت ديلوم ..وكانت بنات تلك العائلة يسبحن في بركة كبيرة تقع في أعلى أراضي المعمل وتأتيها المياه من نبع " البغلة" الذي صار يعرف لاحقا باسم نبع"الخوري". وكن يتعرضن للكثير من البصبصة من قبل الشباب المتلهف لرؤية ما تيسر من مفاتن تلك الأجساد الشقراء المتحررة).
كان الالتمام حول راديو البوسطة يبلغ ذروته عندما تذاع نتائج "البروفيه" التي كان النجاح فيها حدثا خطيرا في حياة شباب ذلك الزمان. أذكر أن واحدة من بنات مخاييل المرشد لم تنجح في إحدى الدورات فعزت أم إميل (الحمصية) السبب لكون الشوفير على زعل معهم!
كنا نركض إلى بيوت الناجحين للمشاركة في الاحتفال بالمناسبة السعيدة والحصول على الحلوان. كان الناجح يصبح مؤهلا للعمل كمعلم مدرسة ابتدائية وكانت آنذاك وظيفة محترمة وذات دخل كاف لحياة لائقة في ذلك الزمان. وقد دخل عدد من شباب المشتى سلك التعليم على هذا الأساس.
ويذكر أن ولدين للعم سليمان المخول الحلو (نقولا وجميل) تقدما إلى امتحان الكفاءة معا، فرسب نقولا مما جعله يهرب خجلا إلى حمص عند شقيقيه ميشيل وسميح فدبرا له عملا معهما في"شركة نفط العراق " حيث نجح وارتقى إلى أعلى المناصب. في حين تعين جميل الناجح والمحتفى به معلما براتب محدود طوال العمر تقريبا!
ويروى أن أول تعيين لأبو عدنان كان في منطقة الحسكة. وقد بعث لوالده من هناك بصورة له في قارب يعبر نهر الفرات، فعلق الوالد عليها قائلا: الخرى خرى ولو قطع الفرا.
كان العم سليمان، رحمه الله، خفيف الدم يملأ الساحة، حيث بيته ودكانه (الأولد هاوس حاليا) بالحياة والحركة ومداعبة الأصحاب وتدبير المقالب الطريفة لمجايليه أمثال جبرا النجيب وابراهيم البوسمرة وسلهب وغيرهم. منها أن العم أبو نجيب كان ذات صباح قد ارتدى أفضل ثيابه: الشروال الكحلي المقصب والعباءة الشقراء الطرابلسية. وقصد الساحة مبكرا للسفر في زيارة واجب اجتماعي لأقاربه من بيت بشور في صافيتا. وبانتظار سفر البوسطة جلس في باب دكان العم سليمان وأخذ ينكرزه ويناكفه بينما الآخر صامت منهمك بسلخ بقرة كان قد ذبحها للتو. حتى إذا فرغ من السلخ حمل الجلد بسرعة وألبسه للعم جبرا وراح يفركه به حتى امتلأت ثيابه بالدم والوسخ مما اضطره لإلغاء السفرة وهو يلعن العم سليمان والساعة التي جاء فيها لعنده.
وقد ذكرنا أن العم سليمان قد توفي بحادث البوسطة في نزلة الملوعة وكانت عائدة من سفرة خاصة بنقل موقوفين إلى صافيتا ولم يكن فيها ركاب خلال العودة وهذا ما أزعج العم الياس الزخور كثيرا لأنه كان يحب أخبار السوء لاسيما الوفيات وهي "خصلة" مشهورة جدا عن العم الياس.. فقد نقل عنه أنه قال عندما حدث الزلزال في لبنان: بلغ عدد القتلى ثلاثة آلاف حتى الآن وما يزال الخير لقدام. أما عندما فاض نهر أبو علي في طرابلس وسبب خرابا وضحايا، فقد جاءنا مع الفجر ليخبرنا بالكارثة وهو يقول:
- لم يبق المخبر في طرابلس.
فسألته والدتي بلهفة:
- ويلي يا خالي الياس ... واسكندر؟ (ولده) ووهيب؟ (ابن حماه)
فقال لها بسرعة:
- سيرة اسكندر.! سيرة وهيب...! منقلك ما بقي المخبّر.
وطالما انفتحت سيرة العم أبو أنيس، وهو شخصية ظريفة جدا ربما تمر معنا حكايات كثيرة عنه، فلا بد من رواية قصته مع مدير الناحية النقيب سهيل الجعفري الذي عين أيام الوحدة (كان أول مدير ناحية عسكري) وفرض نوعا من الإرهاب في المشتى خلال ملاحقة الشيوعيين.
لقد أصدر ذلك المدير أمرا لجميع أبناء المشتى بوجوب بناء مرحاض لكل بيت كي يتوقف الناس عن "عملها" في الهواء الطلق ... وأعطاهم مهلة شهر للتنفيذ.
كانت والدتي نازلة صباحا إلى السوق لشراء بعض الأغراض وإذا بالعم الياس يعمل في خربة تحت الطريق وقد حفر حفرة صغيرة وأخذ يسقفها.. سألته عما يفعل فقال لها "بيت مي" (مرحاض).. فسألته:
- شو بدها تساع هالجورة الصغيرة؟
أجابها:
- تساع ولا ما تساع ... شو نحنا بدنا نخرى فيها؟ بدنا نسد فيها بوز هالمدير..
نعود إلى الراديو.. فقد وصلت أول وجبة راديوات إلى المشتى عام 1949 أو عام 1950، (على ما أذكر). وكانت راديوات سوداء صغيرة الحجم تعمل بواسطة بطارية أكبر منها حجما، وتحتاج لأنتينات تنصب فوق السطوح مثل حبال الغسيل. وقد اشترى عدد من الميسورين تلك الوجبة.. أذكر منهم خالي وديع ومعلمنا في المدرسة الإبتدائية فريد بشور ومخاييل الشاهين (كان تاجرا له دكان ملاصق للقنطرة في سوق الدلبة وكان أولاده رفاقا لنا في المدرسة. لكنهم هاجروا جميعا إلى الأرجنتين، ما عدا الابنة الكبرى سميرة وقد تزوجها أستاذنا سميح عطية الذي أنقذتني من قسوته الشديدة محبتي لدرس الحساب.. كان يمسك الطالب من سوالفه ويؤرجحه قائلا: هذه أرجوحة الأبطال.. وقد صار لاحقا محاميا مشهورا في دمشق كما تولى منصب وزارة المواصلات عدة مرات).
كان وصول تلك الراديوات محطة هامة في مسار تطور المشتى، وحدثا كبيرا في الحياة اليومية الساكنة. فتحولت بيوت أصحابها إلى مجمعات لسهر الأقارب والمحظوظين من الأصدقاء والجيران.
أما محطة الإذاعة المشهورة آنذاك فكانت "الشرق الأدنى" التي تبث من قبرص. ثم انتقلت إلى لندن (بثا واسما) خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.. وكان أقصى طموحنا آنذاك أن تذاع أسماؤنا في برنامج ما يطلبه المستمعون.
وعندما كان يذاع قداس يوم الأحد كانت رمزا زوجة سليمان النايف تقسم بالله العظيم أنها تشم رائحة البخور في الراديو!

وقبل أن نختم الحديث عن البوسطة لا بد من ذكر حادثة دهس حصلت في كفرون سعادة أصيب فيها شاب من تلك الضيعة اسمه جواد، تم نقله فورا إلى المشتى للمعالجة من قبل الدكتور فايز لكنه فارق الحياة فوضعت جثته في الكنيسة بانتظار وصول ذويه. وعندما وصلوا وعلموا أن الجثة في كنيسة الروم جن جنونهم.. وقد علق الخوري الذي كان معهم قائلا: ألا تكفينا مصيبتنا بوفاة الولد لتلحقوها بمصيبة أكبر هي وضع جثته في كنيسة الروم؟ طبعا كان ذلك قبل التطور الكبير الذي شهدته الكنائس الكاثوليكية على صعيد الانفتاح والتعاون مع الكنائس الأخرى..