《في احوال المسيحية في لبنان بالقرن السابع عشر الميلادي》
إلياس بولاد- فينكس
"منقول عن الفصل الثامن من: "تاريخ طائفة الروم الملكية والرهبانية المخلصية، سيرة المطران افتيموس الصيفي- بقلم الخوري قسطنطين الباشا المخلصي ١٩٣٨"
..."في سنة ١٥١٦م جرت موقعة حربية في مرج دابق، شمالي حلب، بين السلطان قنصو الغوري ملك مصر الذي كانت حينئذ بيده بلاد الشام وفلسطين ولبنان، وبين السلطان سليم العثماني، فانحاز فيها نواب الغوري وأمراء لبنان الى السلطان سليم وفتحوا له البلاد، فأقرهم على ما كانوا عليه واطلق لهم الحكم على الطريقة التي كانت جارية حينئذ في جميع الممالك العثمانية المعروفة المعروفة اليوم بالاستقلال الاداري او اللامركزية (Decentralisation) وفوض الامر في هذه البلاد الى وزير يقيم في الشام بلقب باشا، يرجع اليه حكام المدن والامراء والمشايخ والمقدمين.
وكان لبنان مقسوما الى قسمين: جنوبي وشمالي يمتاز الواحد عن الاخر، بحكامه وسكانه وبهيئة لباسهم وعوائدهم.
كان الاول (الجنوبي) تابعا لدمشق رأسا. ولما صارت صيدا ايالة صار تابعا لها. ويقال له من باب التغليب بلاد الشوف اعتبارا لمركز الامير فيه. واذ كان أكثر سكانه من الدروز كانوا يدعونه جبل الدروز ويعدونه لبنان الصميم. وكان المتاولة (الشيعة). محيطين بالشوف في جبل عامل وجزين والبقاع وبلاد بعلبك. وكان السنيون (المسلمون اهل السنة) يقيمون في صيدا واقليم الخرنوب.
ولم يكن فيه من النصارى (المسيحيون) حينئذ الا القليل جدا لأنهم بعد خراب عكا وكل مدن الساحل سنة ١٢٩٢م. نهاية حرب الصليبيين لم يبق في هذه البلاد بقية من النصارى.
وكان أهله يتألفون عشائر ويتبعون أصول الحكم العشائري والحكم الاقطاعي معا على الطريقة التي لم يزل يجري عليها في عهدنا، العرب المتحضرون من مسلمين ونصارى في حوران وغيرها من البلاد الداخلية. فكان لكل قوم شيخ منهم كامل العقل شجاع مقدام كريم الاصل، والفعل له الكلمة النافذة في قومه ما دام حيا. وكذلك المقدم ذو القدم السابقة في الحسب والنسب وكثرة التباع والاقطاع.
وأما الامير فإنه أعظم شأنا واقدم واجل نسبا واكثر اتباعا واقطاعا وهو رأس رؤساء العشائر المفوض اليه امر البلاد وصيانة العباد ويطلق عليه الحاكم العام. ولذلك كانوا يكتبون له ويخاطبونه بقولهم: "سلطانم" على طريقة التعظيم عند الاتراك.
وأشهر الامراء في ذلك العهد بنو معن وبنو علم الدين وبنو ارسلان وبنو شهاب في وادي التيم، وبنو الحرفوش في بلد بعلبك. وكلهم لهم أتباع من المقدمين والمشايخ والسوقة والفلاحين والخدم يقال لهم: "عزوة وسمية". وكان هؤلاء الأمراء يراعون حرمة اتباعهم اذا كانوا على غير مذهبهم. فلا يعارضونهم في شيء من امر دينهم اذا لم يعيبوا الاسلام بأمر.
اذ لم يكونوا على شيء من التعصب الديني كأهل المدن وحكامهم الاتراك. وانما كانت تقوم عندهم الاحزاب: "القيسية واليمنية" مقام العصبية، فكان يدخل الى الحزب الواحد: الدروز والمسلمون والمسيحيون معا ولا يختلطون مع الحزب الثاني غالبا الا ليحاربوا اصحابه او يقاتلونهم.
وكانوا يتخذون الكتاب من النصارى ويفوضون اليهم امر الخراج والمحاسبات لجباية الاموال الاميرية وصرفها في الوجهة المعين لها كما جرت العادة من اول فتح العرب للشام. ويدعون هذا الكاتب "كاخية" وهي لفظة تركية بمعنى الوكيل او المدبر. وكان الامير يلتزم ضمان الجزية والخراج من الوزير بمال مقطوع على وجه ثابت لا يزيد ولا ينقص ولا يزال الى اليوم يقال لهذا: "المال الاميري". وكذلك كان المقدمون والمشايخ يلتزمون خراج اقطاعاتهم بمال مقطوع يدفعونه الى الامير.
وكان القسم: "الشمالي"، تابعا لسنجق طرابلس ومقسما الى مقاطعات. وكل مقاطعة تنسب الى مدينة، كقولهم جبة طرابلس، وكورة طرابلس، وبلاد البترون وبلاد جبيل. وكانت كل طائفة من طواىف لبنان المعروفة تقيم في مقاطعة او في بعض القرى منها، لا تختلط مع غيرها الا نادرا. فكان المسلمون يقيمون في المدن الساحلية وضواحيها وكان يقيم معهم بعض المسيحيين من طائفة الروم الملكيين (الارثوذكس). في جهة منعزلة يقال لها: "حارة النصارى". اما الموارنة فلم يكونوا يحبون الاقامة في المدن حفظا لحريتهم الدينية فكانوا يتحصنون في الجبال العالية في الجبة والزاوية وبلاد البترون وجبيل وجرود كسروان. بل لم يكونوا يقيمون في الكورة التي معظم سكانها من الروم، وكان من هؤلاء قليل مع الموارنة في قرى الزاوية وبلاد البترون وجبيل وكسروان. وكانت المتاولة (الشيعة). يقيمون في بعض القرى من هذه المقاطعات ومنهم المشايخ بيت حمادي اصحاب الاقطاعات الواسعة والحكام في هذه المقاطعات. وكان في الكورة مشايخ بني عازار من الروم وبيت حبيش والخازن في كسروان من الموارنة.".
أكتفي بهذه النبذة هنا، نكون قد اخذنا فكرة عامة عن الأحوال العامة في لبنان بالقرن السابع عشر الميلادي...
بعد قراءة هذه الفقرة، جال في خاطري ومخيلتي، انه بعد ٢٧ عاماً من الانتداب الفرنسي للبنان وسوريا، واكثر من ٧٠ عاما من الاستقلال والحكم الوطني من خلال الأحزاب الوطنية والقومية والديمقراطية والشيوعية والاشتراكية.. هل استطعنا ان نحدث تغييرا في البنية السياسية والاجتماعية، عما كانت عليه الاحوال بالقرن السابع عشر الميلادي!؟ سؤال مفتوح للجميع..