وضع المناطق الريفية من ولاية الشام أثناء أحداث 1860 الطائفية

د. عبد الله حنا- فينكس:

نجملها على النحو التالي:
- حمص وقراها التي ضمّت أكثرية مسيحية وازنة لم تصلها رياح التعصب الطائفي الذميم وعاشت في هدوء.
- لم يجر اي اعتداء من مسلمي سهل حوران على مسيحييه إلا في حالات محدودة. وكان احمد الترك شيخ مشايخ حوران حامي المسيحيين في حوران كما ذكر فتزشتاين.
{أحمد الترك سكن شيخ مسكين وكان تحت امرته من الحريرية ألف شخص مسلح. وقف إلى جانب المسيحيين وحماهم في كل من خربا أزرع وقيراتا بصرى الحرير. وبناء على اقتراح فتز شتاين قلّد قائد موقع دمشق خليل باشا أحمد الترك وساما اعترافا بجميله في حماية المسيحيين. انظر:
Ingeborg Huhn: Der Orientalist Johann Gottfried Wetzstein als preußischer Konsul in Damaskus (1849–1861): dargestellt nach seinen hinterlassenen Papieren. Islamkundliche Untersuchungen Bd. 136. Berlin: Schwarz, 1989. ISBN 3-922968-89-9 . p 199}
- انقسام رجال الدين المسلمين في دمشق ازاء الموقف من المذبحة إلى ثلاث مجموعات:
محرضين على الهجوم (الشيخ عبد الله الحلبي)..
خائفين ومحتَمين في بيوتهم (الشيخ محمد سعيد الاسطواني).. واقفين في وجه الاعتداءات ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ومنهم: نقيب الاشراف والد أبو سعود الحسيبي، الشيخ محمود افندي حمزة، الشيخ عبد الرزاق البيطار، الذي ألقى خطبة في جامع الدقاق في الميدان داعيا الناس إلى انقاذ المسيحيين.
{انظر خطبته ففي كتابه: "حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر" حققه ونسّقه وعلّق عليه حفيده محمد بهجت البيطار دمشق 1961، 23}
- لم تلق الرسائل التحريضية المرسلة من دمشق إلى زعماء قرى جبل قلمون الشمالي المسلمين أذنا صاغية وعاش المسيحيون في أمان تام.
{تذكر مرويات المسيحيين في ديرعطية نقلا عن ذاكرة اجدادهم ان مختار ديرعطية المسلم ابو سليم شنينة طمأن المسيحيين بعد وصول رسالة التحريض من دمشق ان احدا لن يمسهم بأذى. أورد هذا الخبر كل من ملحم دندن وعبيد االبطل في مذكراتهما المخطوطة، التي قرأها كاتب هذه الأسطر. كما ان احد وجهاء المسيحيين في النبك يوسف موسى خنشت ذكر في، مفكرته لعام 1910، ان لآل سويدان في قارة وحسية اياد بيضاء على مسيحيي القلمون بمنعهم امتداد الفتنة من دمشق الى القلمون. ومفكرة خنشت قرأتها عام 1990 وكانت موجودة في حوزة ابنته ماري روز خننشت.
- مسلمو الزبداني حموا جيرانهم المسيحيين من أي اعتداء. اضافة الى ذلك فإن زعيم الزبداني قام فيما بعد بجمع منهوبات المسيحيين واعادتها الى اصحابها.
{يثستدلُّ على ذلك من مسودة رسالة بدون تاريخ وجهها فتزشتاين "إلى جناب الأكرم والمقام الأفخم الأمجد الشيخ شهاب سردار وادي بردا... بلغتنا الغيرة الكلية التي اظهرتموها قدّام نصارى ديرتكم في لمّ المنهوبات من الأشقياء... فشكرناكم على ذلك وعرفنا سعادة الحكومة عنه. فالآن واصلكم وكالة الدولة على عمار قرية بلودان بالمناظرة على الشغيلة في البناء القوي والخشب الماكن المُضَايِنْ للأمطار وثلوج الجرد. (صندوق 2). وحول الزبداني ذكر فتزشتاين انه لم يُحرق فيها سوى الكنيسة وثلاثة بيوت والنهب كان محدودا لأن مسلمي القرية كانوا عقلاء جدا حسب تعبير فتزشتاين. ونقدر ان الحرق والنهب جرى من غرباء عن القرية وسرعان ما وقف في وجههم عقلاء الزبداني. (صندوق 2). انظر أيضا:
Der Nachlass des Orientalisten Johann Gottfried Wetzstein in der Handschriftenabteilung der Staatsbibliothek zu Berlin - Preussischer Kulturbesitz. Kataloge der Handschriftenabteilung:}
- بعد قتل خمسة مسيحيين من ضمنهم شيخ القرية في بلودان ونهب البلدة وحرق 52 بيتا بالاضافة إلى حرق الكنيسة، التجأ المسيحيون وعددهم 150 شخصا إلى زعيمي سرغايا كمال الدين وأخيه محمود فاستضافوهما لمدة ثلاثين يوما إلى ان هدأت الأحوال.
{ويبدو أن اشقياء دمر والهامة كانوا من المشاركين في الجريمة بدليل الرسالة الموجهة من فتزشاين بتاريخ 18 كانون الأول 1860 إلى "جناب الخواجة جرجس حمالية المحترم يطلب فيها فتزشتاين مساعدة الشيخ دياب شيخ قرية منين وشيخ شهاب التل شيخ الزبداني عند المرافعة امام الوالي اشتكى عليهما أهالي دمر والهامة" كونهم تأذوا منهم عندما لمّوا نهيب النصارى. ويطلب فتزشاين من جرجس مواجهة رئيس ديوان التحقيق وإفهامه أن الشيخين اجتهدا بجلب النهب حتى لا يصير عليهم ظلم من بعد المعروف الذي عملوه مع النصارى. المصدر السابق (صندوق 2)}
وفي حالة بلودان نلاحظ أن مسلمي القرى المجاورة تعاطفوا مع المسيحيين الهاربين وحموهم، بعكس الحال في دوما القريبة من دمشق والمتأثرة على ما يبدو بنهج المشايخ المتزمتين الضاربين عرض الحائط بالإتجاه الإسلامي الإنساني، ومتناسين أن الإسلام دين رحمة وهداية.
- لا نعلم السبب لوقوف مشايخ دوما موقفا متزمتا، ولعله بتحريض من تاجر الحرير الشيخ ذي النفوذ الديني الواسع عبد الله الحلبي (أحد المحرضين على المذابح في دمشق)، كما بدا واضحا من سير المحاكمات الجارية بعد الأحداث. فقد جرى إكراه المسيحيين في دوما على إشهار اسلامهم وختانهم مع نهب وحرق كنائس وبيوت وقتل من وصلوا إليه في عدد من القرى القريبة من دوما.
{ذكر الاسطواني "انه في الساعة نحو 30’8 طُلِبَ الشيخ (عبد الله الحلبي) إلى مجلس فوق العادة في الخميس المرقوم. وسُئِل هل خرجت إلى دوما أيام الفتنة؟ أجاب نعم خرجت في 15 الحجة. فأُخبر أن مشايخ دوما سئلوا: لماذا طهّرتم أهالي معرونة؟ فاجابوا أن الشيخ أمرنا. فأجاب بأني ما أمرت بشي بل قلت أنا ما بقارش (لا أتدخل) هذه المصلحة وكانوا حاضرين فواجههم بذلك. الاسطواني... ص 204. ونرى بأن مشايخ دوما خجلوا من تكذيب الشيخ عبد الله الحلبي في مجلس فوق العادة ولم يكن بإمكانهم معارضته نظرا لمكانته الدينية. والواقع ان الأمر لم يقتصر على ختان بعض مسيحيي معرونة بل تعداه إلى القتل لمن رفض اشهار اسلامه بدليل الرسالة الموجودة ضمن اوراق قنصل برووسيا فتزشتاين والموجهة للقنصل من الياس زخور وجاء فيها ما يلي: "سعادتلو افندم المعروض لمراجعكم عبدكم المقدم هذا الإعراض من قرية معرونة لنا اخوان قتلوهم في قرية دوما وأولادهم وعيالهم مقدار 25 نفر كبار وصغار محتاجين إلى القوت الضروري والأولاد المذكورين بائسين وجوعانين. ويكتب فتسشتاين بالألماني عددهم حسب كل عائلة (صندوق 2) ويتبين ان النهب وصل الى معرة صيدنايا بدليل الرسالة الموجهة من الياس الخوري شيخ المعرة الى "سعادتلو افندم قنسلوت دولة بروسيا الفخيمة معروض عبيدكم أن سعادتكم عطفت بالمساعدة لعبيدكم الفقراء بإعطاء اسعاف بذار وبهمة مساعدتكم حصلت بطلب المساعدة. (صندوق 2)}
- يتبين من أوراق قنصل بروسيا فتزشتاين أن الإعتداء الأكبر على المسيحيين في أرياف دمشق جرى في دوما وقراها. ولم يبادر المسلمون العقلاء فيها على حماية المسيحيين كما جرى في المناطق الأخرى. ويبدو أن للشيخ عبد الله الحلبي أحد مشعلي الفتنة في مدينة دمشق دور في تأجيج التعصب ودفع ذوي الرؤوس الحامية إلى قتل المسيحيين أو إجبارهم على إعلان إسلامهم، وختانهم رغم تقدمهم في السن وما يتبع ذلك من مخاطر جسمية...
{حسب وثائق فتزشتاين كانت الخسائر في ريف دمشق هي التالية: دوما قتل رجل والبقية أعلنوا اسلامهم) لم يحدد العدد.. معربا قتل شخص نهبت القرية بالكامل وحرق 300 بيت (وكان أهل معربا قد التجؤا إلى دير صيدنايا الحصين فنجوا من القتل والإهانة.. معرونة قتل 15 شخص ونُهبت الكنيسة وأربعة بيوت. ويستدل من قائمة فتزشتاين أن أهلها عاشوا في فقر مدقع. وتُبين أوراق قتزشتاين أيضا أن سر عسكر حليم باشا وجد في جيرود منهوبات للمسيحيين، التي جمعها دعاس آغا زعيم جيرود. كما تمكن الجند من الحصول في جيرودعلى منهوبات في أربع قرى جنوبية من جبل قلمون... انظر:
Ingeborg Huhn: Der Orientalist Johann Gottfried Wetzstein als preußischer Konsul in Damaskus (1849–1861): dargestellt nach seinen hinterlassenen Papieren. Islamkundliche Untersuchungen Bd. 136. Berlin: Schwarz, 1989. ISBN 3-922968-89-9}
- حمى المسلمون المسيحيين في صحنايا وجديدة عرطوز من محاولة الدروز المجاورين لهم في الاعتداء عليهم.
{بتاريخ 20 تموز 1977 روى، لكاتب هذه الأسطر، خوري صحناي المسن نقلا عن والده ان مسيحيي صحنايا التجؤا الى مسلمي داريا وعرطوز هربا من القتل وان شقيق والد الخوري كان من الضحايا.... ويتبين من قائمة قرية صحنايا لدى فتزشتاين ان عدد القتلى بلغ في صحنايا 13 قتيلا. انظر:
Ingeborg Huhn: Der Orientalist Johann Gottfried Wetzstein als preußischer Konsul in Damaskus (1849–1861): dargestellt nach seinen hinterlassenen Papieren. Islamkundliche Untersuchungen Bd. 136. Berlin: Schwarz, 1989. ISBN 3-922968-89-9
وطالت المصائب ايضا مسيحيي جديدة عرطوز بدليل العريضة الموجودة في اوراق فتزشتاين والموجهة له من اهالي جديدة عرطوز عن نهب طرشهم وبقرهم وخيلهم وأثاثهم الذي رجع منه النصف ولازم لهم بذار ثلاثة عشر فدادين بذار نصف قمح ونصف87غ شعير ولازم لهم مأكول وعددهم مايتين نفر وهم جميعهم من طايفة الروم وبدهم كساوى (صندوق 2)}
- نلاحظ موقفين درزيين مختلفين: فدروز جبل حوران لم يعتدوا على جيرانهم المسيحيين وكانت العلاقات عادية قبل أحداث 1860 وأثناءها وبعدها . أما القرى الدرزية القريبة من دمشق مثل جرمانا ودير علي والديرخبية والجديدة وصحنايا واشرفيتها
{وردت اسماء هذه القرى وخسائرها في: Ingeborg Huhn . كما أن مذكرت ابو سعود الحسيببي.. تدعم ما كتبه فتزشتاين في أوراقه}
فإن رجال هذه القرى قاموا بالاعتداء على جيرانهم المسيحيين وشاركوا بنشاط مع البدو والأكراد والتكارتة وغيرهم في التظاهر والتحريض في الهجوم على الحي المسيحي ونهب ما وصلت إليه أيديهم.
- يقدم قنصل بروسيا فتزشتاين لوائح باسماء القرى التي تعرضت للاعتداء من قتل ونهب وحريق في البقاعين الشمالي والجنوبي...
{تحت عنوان: بيان المحلات المحروقة والمنهوبة وعدد القتلى في لواء بعلبك. والأرقام هي التالية: القرى المنهوبة والمحروقة عددها 25. القرى المنهوبة دون حرق عددها10. عدد القتلى 34 قتيلا. انظر:
Der Nachlass des Orientalisten Johann Gottfried Wetzstein in der Handschriftenabteilung der Staatsbibliothek zu Berlin - Preussischer Kulturbesitz.}
- يتبين من هذا العرض أن أن مسلمي أرياف دمشق ، ما عدا دوما، حموا المسيحيين من الإعتداءات وآووهم في بيوتهم. وهذه الظاهرة سرت في مدينة دمشق أيضا، حيث قام، كما رأينا، أصحاب المرؤة والتقوى من المسلمين بحماية المسيحيين في بيوتهم.
{انظر: حسر اللثام عن نكبات الشام لمؤلف مجهول مصر 1895 ص 38. وكذلك الحسيبي محمد أبو السعود "حادثة دمشق سنة 1260: مخطوط في المكتبة الظاهرية بدمشق نشر المخطوط بتحقيق كمال صليبي في مجلة الابحاث العدد 21 1968 والعدد 22 1969.
الحلقة القادمة:
شتان بين حملة طائفية لاسماعيل الأطرش 1860
وحملة وطنية يعربية لزيد الأطرش 1925