أحداث 1860 في مدينة دمشق من منظور أسعد الأسطواني

د. عبد الله حنا- فينكس:

كانت الحلقة الأولى بمثابة تمهيد لهذه الحلقة وهي بعنوان:
أحداث 1860 في مدينة دمشق
من منظور أسعد الأسطواني، المثقف النهضوي الدمشقي السني
دوّن احداث دمشق في صيف 1860 شخصيتان دينيتان مسلمتان سنيتان لهما وزنهما في المجتمع الدمشقي آنذاك، وجرى نشر مخطوطهما بعد مرور أكثر من قرن على الأحداث. والمخطوطان يقدمان شهادة عيانية تنطلق من وجهة نظرهما وكيفية فهمهما للأحداث.
المخطوط الأول لمحمد ابو السعود الحسيبي، وهو ابن نقيب الأشراف، بعنوان "حادثة دمشق سنة 1260". والمخطوط موجود في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم 4668 نشره كمال الصليبي في مجلة الأبحاث العدد 21 لعام 1968 والعدد الذي يليه.
والمخطوط الثاني للشيخ محمد سعيد الاسطواني قاضي الديار الشامية صدر في دمشق مطبوعا عام 1994 تحت عنوان: "مشاهد وأحداث دمشقية في منتصف القرن التاسع عشر 1840 – 1861". وقام حفيد محمد سعيد الأسطواني د. أسعد الأسطواني بتحقيق ونشر المخطوط.
وقد وضع الأسطواني الحفيد مقدمة طويلة للمخطوط، ما يعنينا منها رأيه في أحداث 1860. وتنبع أهمية رأي الاسطواني الحفيد أنه يصدر عن شخصية دمشقية مسلمة تبنّت منطلقات النهضة العربية واستندت إلى المعلومات الواردة في مخطوط جده لتحليل الأحداث وعرضها باسلوب يعكس الجو التنويري السائد في منتصف القرن العشرين، لدى مثقفي النهضة العربية ورؤيتهم للأحداث من منظار المساواة في المواطنة بعيدا عن التمييز الديني السائد ايام الأحداث.
{ولد الحفيد أسعد الأسطواني في دمشق عام 1921 من عائلة دمشقية معروفة احتل عدد وافر من أفرادها مناصب هامة في الإدارة العثمانية، وهذا مما مكنهم من تملك الأرض في ريف دمشق. درس أسعد الأسطواني في مدرسة الفرير الفرنسية بدمشق. وهذا مما أهله لاتقان اللغة الفرنسية والاطلاع على الثقافة الأوروبية. بعد نيله شهادة البكالوريا عام 1941، انتسب إلى كلية الطب في الجامعة السورية وتخرج منها عام 1949. وسرعان ما شد الرحال عام 1949 إلى فرنسا لمتابعة دراسته الطبية، وعاد إلى الوطن عام 1952 مختصاً في طب الأطفال، وافتتح عيادة في حي الشهداء بدمشق. انتسب طالب الطب أسعد الأسطواني عام 1941 إلى حركة الإحياء العربي، التي تحولت فيما بعد إلى حركة البعث العربي. وهذا الجيل المثقف في اربعينيات القرن العشرين وخمسينياته لم يعد ينظر إلى المسيحيين كأهل ذمة بل نظر إليهم نظرة المساواة في المواطنة والعمل سوية لرفع شان الوطن.}
وسننقل فيما يلي مقاطع من مقدمة الاسطواني الحفيد:
1 - يطرح الاسطواني الحفيد جملة اسئلة حول المسؤلية عن أحداث 1860 ومنها:
"... من هو المسؤول.. من كان وراء الوالي وعسكره؟ هل هم معارضو الاصلاحات في استنبول؟ هل وَجد أعيان دمشق في الوالي ضالتهم؟.."
ويتساءل الاسطواني الحفيد:
"هل كان لأعيان دمشق الذين عارضوا الاصلاحات دور في إثارة الفتنة؟". ويميل الاسطواني الذي يتقن الفرنسية إلى نفي ذلك. وينقل عن تقرير لمساعد القنصل الفرنسي لانوس Lanusse أن أحمد باشا قد أخذ تعليماته من الزعماء المتطرفين المعارضين للإصلاحات في استنبول والذين كانوا يتهمون السلطان عبد المجيد بمسايرة الأجانب".
2 - من الأسباب الاقتصادية للفتنة في رأي الاسطواني الحفيد:
"منافسة البضائع الأجنبية... وراحت الدول الأوروبية تغدق الوكالات التجاريةعلى المحميين من الطوائف غير الاسلامية من خلال قنصلياتها، حتى أن عددا كبيرا من المسيحيين جَنَوا ثروات طائلة خلال العشرين سنة التي سبقت عام 1860...".
"وكان استيراد المنسوجات الأوروبية عن طريق هؤلاء الوكلاء سببا في تصفية القسم الأكبر من الحرف النسيجية المحلية فهبط عدد الأنوال القطنية من 4000 نولا في أواخر ثلاثينات القرن التاسع عشر إلى1666نولاً في أواخر الخمسينات ليصل العدد إلى 853 نولاً عام 1860. وهكذا ازداد الفقر والافلاس بين الحرفيين المسلمين فتهيّأت الفرص أمام العاطلين عن العمل للتمرد والثورة...".
ويمضي الاسطوني الحفيد قائلاً: "...نشبت من جراء انهيار المؤسسات الحرفية والاجتماعية أزمة حادة ذات جوانب وجذور اقتصادية واجتماعية ودينية انفجرت في شهر تموز من صيف 1860".
3 - دور المشاعر الدينية في اندلاع الأحداث كما يراها الاسطواني الحفيد:
"...و كانت المشاعر الدينية ولا تزال عرضة للاستغلال الرخيص في الأزمات. وقد عانى المسيحيون في ظل الدولة العثمانية من افتئات واضح على ابسط حقوقهم الإنسانية، مما يتعارض بشكل اساسي مع روح الاسلام. فلم يكن باستطاعتهم ركوب الخيل كما لم تكن شهادتهم مقبولة أمام المحاكم، كما الزموا بلباس خاص، مما سبب حقدا دفينا في أوساطهم. وقد انفجرت عواطفهم المكبوتة عندما استقبل المسيحيون ابراهيم باشا في حزيران 1832 بمظاهرات اتسمت بطابع الابتهاج والتحدي...".... "وقد عمّ الاستياء بين المسلمين عندما منح إبراهيم باشا المسيحيين حرياتهم المشروعة وفي مقدمتها إلغاء القيود على أزيائهم المميزة ومشاركتهم في مجلس الشورى حيث التقت جميع الطوائف. واصلاحات 1856 تضمنت المساواة في الحقوق والواجبات بين الطوائف المختلفة فأثار ذلك مشاعر الاستياء بين الأهالي".
ويلاحظ أن "...من تعرض للاعتداء مسيحيو المدينة القديمة فيما لم يصب مسيحيو الميدان أي أذى.. انسجم أغوات الميدان مع النظام الجديد واصبحوا الموردين الأساسيين للقمح داخل بلاد الشام وخارجها وتاجروا بالحبوب مع أوروبا وقاموا بحماية مراكز النسيج في حيّهم وتقاسموا مع المسيحيين مختلف أشكال النشاطات الزراعية والتجارية والحرفية... أغوات الميدان ضبطوا الأمن في حيهم وسارعوا لنجدة المسيحيين في المدينة القديمة بعد فوات الأوان".
الحلقة القادمة:
أوراق قنصل بروسيا بدمشق فتزشتاين وأحداث 1860