قومة حلب 1850
د. عبد الله حنا- فينكس
في عام /1850/ اندلعت ثورة العامة في حلب المعروفة باسم (قومة حلب). وقد اختلطت الأسباب العميقة لثورة العامة الحلبية مع الأسباب الظاهرية وتشابكت معها، إلى درجة أن عين المؤرخ العادي لم يعد بإمكانها استيعاب هذا التحرك الجماهيري وسبر أعماقه الاجتماعية الطبقية. ويعود أحد أسباب ذلك إلى مواقف الفئات الحاكمة، التي سعت لتغطية أهدافها ومراميها عن طريق افتعال أسباب جانبية للأحداث وتوجيه هذه الأحداث بما يخدم مصالحها ويحافظ على مواقعها. وهذا ما جرى في حلب عام 1850.
- الوالي وحاشيته.
- بقايا زعماء الانكشارية وعلى رأسهم متسلم حلب (نائب الوالي) عبد الله البابنسي، الذي كان كما يقول الغزي "نهاباً وهاباً" أي ينهب من الأهالي ويهب نفسه وخاصته ومساعديه. وبقي متسلماً مدة عشر سنوات (1840 – 1850).
- الأشراف وزعيمهم يوسف شريف زادة، الذي التزم جمع الأموال الأميرية دون أن يدفع، شأن البابنسي، كل ما جمعه لخزانة الدولة.
وبعد إلغاء نظام التزام الضرائب عام /1840/، عهد بجمع الضرائب إلى جباة خاضعين مباشرة لمصلحة المالية المركزية. وكان زعماء الانكشارية والأشراف في حلب يتنافسون قبل مجئ الحكم المصري على التزام الضرائب وابتزار الأموال. وعندما قُطع "باب رزقهم" قاوموا الإجراء الجديد وسعوا لاستغلال نقمة العامة وإثارتها بهدف ابقاء نظام الالتزام.
بتعبير آخر لقد تحالف الخصمان السابقان (بقايا الانكشارية والأشراف) ضد السلطة المركزية الراغبة في نزع السلاح وفرض الضرائب الدائمة والخدمة العسكرية الالزامية وسرقة الأراضي.
وعلى الرغم من تنافس هذه القوى على استثمار الأهالي وجمع الأموال وكسب الأنصار، إلا أنها اتفقت، في عهد غير مكتوب، على عدم دفع أموال الدولة وأكلها. وهم من هذه الزاوية ذوو مصلحة في قيام حالة من الفوضى حتى يختلط الحابل بالنابل وتضيع "أموال الدولة" ولا يتمكن أحد من مطالبتهم بها. ولكن اشعال النار في هشيم الجو الاجتماعي المشبع بالثورة في أواسط القرن التاسع عشر لم يكن بالإمكان اطفاؤه. وكثيراً ما تجري رياح الثورة بعكس ما تشتهي سفن المستثمرين الظالمين المتزلفين للعامة والساعين ظاهريا لكسب رضائها وعمليا لامتصاص دمائها.
تُرجع روايات ذلك العهد أسباب الفتنة إلى خلاف حول فرس اغتصبها متسلم حلب عبد الله بك البابنسي (الانكشاري أصلا) من يوسف زادة (من زعماء الأشراف)، كما تعيدها روايات أخرى إلى تمرد احدى العشائر في بادية الجبول. ولا حاجة إلى القول أن هذين السببين لا يمكن أن يؤديا إلى ثورة أو حتى اشعالها.
إن أسباب "قومة حلب" عام /1850/ تعود إلى جملة التغيرات، التي حدثت في الربع الثاني من القرن التاسع عشر وهي:
1 – الحملة المصرية على سورية وما رافقها من اصلاحات اقتصادية واجتماعية وادارية، أدت إلى تخلخل النظام الاقطاعي الشرقي العثماني وتصدعه، وإلى زرع بذور العلاقات الرأسمالية.
2 – أدت عملية تركّز التطور الرأسمالي الجنيني في يد أقلية مسيحية إلى تحجيم امكانية هذا التطور داخليا وجعل الهوة واسعة بين أقلية دينية حاملة لواء التطور البورجوازي وبين العامة المسلمة المفروض أن تسير وراء القوى البورجوازية في صراعها ضد العلاقات الاقطاعية وممثليها . ولم تتمكن البورجوازية الناشئة، بسبب وضع المدن الشرقية وانعزالها عن العامة في حارات معينة من عقد أواصر الحلف الذي جرى في أوروبا بين نواة التطور البورجوازي والعامة الحرفية في المدينة والفلاحين في الريف ضد العلاقات الاقطاعية.
وفي حلب عام /1850/ كما في دمشق عام /1860/ لم يستطع حملة بذور العلاقات الرأسمالية المبكرة – وهم في غالبيتهم من المسيحيين – من قيادة العامة في المدينة والفلاحين في الريف ضد العلاقات الاقطاعية. ولهذا تمكنت قوى الثورة المضادة للتطور البورجوازي من تحويل مسار الثورة الاجتماعية إلى احتراب ديني.
3 – ردود فعل خط شريف كلخانة عام /1839/ الذي كان من الناحية الاجتماعية محاولة للتوفيق بين السلطة الاقطاعية ذات اللون الديني وبين البورجوازية التجارية النامية والملاكين الأحرار الليبراليين من جهة أخرى. وفي حلب وقفت القوى الاجتماعية المختلفة من الاصلاحات مواقف معبّرة عن مصالحها أولا ومدى تأثرها بالتيارات الفكرية الهابطة أو الصاعدة ثانيا. والسلطان عبد المجيد الذي وقّع مكرها على منشور كلخانة، أبدى مقاومة واضحة للإصلاح مؤيَداً من كبار الموظفين وقسم من رجال الدين الساعين إلى قبر حركة الاصلاح في مهدها. أما العامة البائسة المسحوقة فكانت تتلمس الفرج معبّرة عن استيائها إما بالنكات والأمثال والهروب من واقعها بإقامة الشعائر الصوفية من جهة، أو بتطلعها إلى الحرية وطموحها إلى التمرد والثورة كلما سنحت الفرص.
4 – في منتصف القرن التاسع عشر وجدت في الدولة العثمانية قوى اجتماعية متوترة الأعصاب ثائرة أو مهادنة، حائرة في رسم طريق المستقبل بين المحافظة على العلاقات الاقطاعية الشرقية دون تغيير، أو اجراء بعض الاصلاحات عليها لتتلاءم مع التطورات الجديدة في العالم وبخاصة اصداء الثورة البورجوازية في أوروبا، وما رافقها من تحركات للعامة أولا وللعمال ثانيا.
كان فرض الجندية الاجبارية لأول مرة في حلب وريفها السبب المباشر لقومة حلب.
- "في /5/ تشرين الأول /1850/ أرسل الباشا (والي حلب) أوراقا للحارات وللضيع وللبلاد الواقعة في منطقة حلب(2) وقال أن السلطان عبد المجيد بدّه من واحد من عشرة وسنهم من /20 – إلى 25/ شباب نظام".
يومية المعلم الحلبي الحلبي نعوم البخاش أشارت إلى ردة الفعل الأولى ضد التجنيد الإجباري بالآتي: "وقام أهل قسطل الحرامي وهاجموا القره قول (المخفر) فأكلوا ثاني يوم عصي بالصرايا (دار الحكومة) فتوغرت صدورهم".
في البدء تكوّنت جموع الثائرين من العامة في المدينة وسرعان ما انضم إليها البدو والقرويون. وكان لانضمام البدو والقرويين المحيطين بحلب اثاره السلبية والإيجابية على قومة /1850/. ايجابيا اشتد عضد الثائرين وقويت شوكتهم، وسلبيا رجحت كفة الميول الراغبة في السلب والنهب من ذوي الثراء غير المسلحين. ومعنى ذلك ان كفة العامة الرثّة غير المنظمة أمست راجحة على كفة العامة الواعية اجتماعيا لمصالحها وغير الراغبة في السلب والنهب عشوائيا أومن احياء مسيحية معينة معروفة بثرائها وتحمل بذور التطور البورجوازي.
هذه الجموع الثائرة من الحرفيين والبدو والقرويين أخذت تجوب شوارع حلب طوال الهزيع الأخير من مساء /11/ ذي الحجة /1266/ هـ /1850/م، وقد علت ضوضاؤها وهي تهزج الأناشيد الزجلية على انغام الطبول مرددة:
"عسكر ما نعطي فردي ما نعطي"، أي أنهم يرفضون الذهاب إلى الجندية لخدمة دولة لأناقة لهم فيها ولا جمل، ويرفضون أيضا دفع الضريبة الجديدة الفردي وهي ضريبة الأملاك (الترابية) التي ستذهب كسابقتها من الضرائب إلى جيوب الطبقة الاقطاعية الحاكمة ومن يطبل لها ويزمر من الاتباع.
هذه الجموع الثائرة وصلت إلى محلة الالماجي والماوردي، وهنا أخذت العناصر المتخلفة منها والدخيلة في اطلاق الرصاص وتكسير الأبواب والسلب والنهب حتى طلوع شمس يوم الثاني عشر من ذي الحجة.
في صباح /12/ ذي الحجة أمسى واضحا أن روح السلب والنهب والتخريب سيطرت على مزاجية الجماهير الثائرة، وبخاصة العناصر المتخلفة منها (العامة الرثّة). وتعود أسباب ذلك إلى تخلف أقسام كبيرة من العامة وانضمام البدو المعتادين على الغزو والسلب وسعي عناصر الثورة المضادة في توجيه الثورة بعيداً عن هدفها الجوهري. كما أن ضعف البورجوازية الناشئة، والتي لم يكن بمقدورها، بسبب كونها اقلية دينية مسيحية، من تزعم حركة العامة، بل جرى الأمر بالعكس تماما اذ سرعان ما تحوّلت أهداف الثورة وتوجّهت الأقسام المتخلفة من الثائرين لضرب تلك النواة البورجوازية. ولهذا سارت الجموع الثائرة باتجاه حي الصليبة وهو حي مسيحي، وشرعت في تحطيم الأبواب والنهب. وكان أكثر أغنياء الحي المذكور قد غادروا بيوتهم وتحصنوا في الخانات، ومنهم من دعا إلى بيته بعض أصحابه من المسلمين أو ممن يتلقون أجرا فحموهم من النهب. كما أن عددا من المسلمين المجاورين للمسيحيين في حارتي المحبي والشرعوس حموا جيرانهم من النهب والاعتداء.
وعلى الرغم من محاولة توجيه مسار قومة حلب في اتجاه مخالف لأهدافها، فإن الاتفاق الذي جرى بين ممثلي السلطة والثائرين حقق بعض مطالب العامة، ونصّ على أن تُستثنى حلب من "القرعة العسكرية" أي أن تعفى من التجنيد الالزامي، وكذلك من عدة ضرائب أميرية.
ولكن عندما وصلت الإمدادات العسكرية إلى حلب تمكّن واليها من أخذ زمام المبادرةوالبدء بمهاجمة حلب وجرت معارك في الشوارع زاد من حدتها وصول النجدات إلى أهالي حلب من رجال العشائر المحيطين بحلب. ولم تكن نجدات العربان البدو هذه في صالح الثورة لأنها بعثت الفوضى والاضطراب في صفوف الثوار المنضبطين نسبيا. وعندما تمكن جنود الوالي من فتح ثغرة في صفوف الثوار دبّ الرعب في صفوف العربان، الذين ولوا الأدبار هاربين إلى مضاربهم في البادية تاركين الثوار يقاتلون بمفردهم. مما ألحق بهم الهزيمة في مساء /6/ محرم (1267) هـ.
وعلى الأثر شرع جند الوالي في تعقب الثائرين في احياء بانقوسا وباب النيرب وقارلق وشرعوا في نهب الأسواق وقتل من لاقوهم من الاحياء. وبعد ان تمت عملية النهب قام جنود الوالي بحرق أسواق تلك الاحياء وملاحقة الثائرين الفارين إلى القرى. وقامت السلطات التركية مستغلة انتصارها بالحد من نفوذ الاشراف وقادة الانكشارية القدامى. ولكن هؤلاء سرعان ما استعادوا مواقعهم القديمة في المدينة.