البدو.. و البادية و المعمورة.. و الهجرات
د. عبد الله حنا- فينكس
البدو
ان المصدر الأساسي للبدو في بادية الشام هو قلب الجزيرة العربية، حيث كانت القبائل تهاجر على هيئة موجات متتابعة. وذلك لضرورات حربية أو معاشية عقب سني الجدب والحرمان في بلادهم فيأتون سواد العراق ومشارف الشام ويدخلون بين عشائر بدوية سكنتها من قبلهم.. فإذا استضعفوها عاركوها وأزاحوها. فإما أن يفنوها بتاتا و إما أن يجلوها ويوسعوا لأنفسهم مجالا (مدى حيوياً) فيما بينهم، كما فعلت في الماضي قبيلة "شمر" لما وفدت من نجد إلى براري الجزيرة ودفعت العشائر التي كانت فيها. وكما فعلت قبيلة عنزة لما وفدت من نجد أيضا إلى براري الشام ودفعت عشائرها القديمة كبني صخر والسردية والموالي وبني خالد وغيرها. وهكذا يحدث من جراء هذا الدفع والتوسع حزازات وعداوات يتوارثها جيل بعد جيل، وتؤدي إلى انقسام هذه العشائر وتعددها وإلى معاناتها حياة مضطربة مليئة بالشقاق والعراك الدائمين.
انقسم البدو في بادية الشام إلى ثلاثة أقسام:
1 – العشائر الجمّالة أو أهل الابل (البدو الرحل) وهؤلاء يتخذون بيوت الشعر لسكناهم والخيل لركوبهم والابل لمعاشهم. وبعد أن حظرت الحكومة في عهد الانتداب الغزو وظهرت السيارة أخذ هؤلاء يتحولون تدريجيا إلى أعراب من القسم الثاني وتمكن رؤساؤهم من امتلاك الأرض وسكنى القصور والعيش في المدن.
2 – العشائر الغنّامة أو أهل الغنم (نصف رحل أو نصف حضر) ويطلق عليهم أحياناً اسم (عربان الديرة). وهؤلاء أهل إبل وخيل وحل وارتحال وطعن وضرب ويقطنون بيوت الشعر. ولكن كل ذلك بنسبة أقل من بدو القسم الأول. وماشية هؤلاء إما لهم و إما أن تكون لأهل المدن في حلب وحماة وحمص ودمشق ودير الزور وغيرها يشاركونهم في تربيتها والمتاجرة بصوفها وسمنها. أي أن قسماً من ميسوري المدن استثمر هؤلاء الرعاة عن هذه الطريق فهم (يؤكلون ولا يأكلون).
3 – العشائر المتحضرة المستقرة (الفلاليح) ممن تركوا الأباعر والأبعار والظعون والأسفار وعمروا الخرب الدائرة وهجروا بيوت الشعر إلّا قليلاً، وتحضروا مع الزمن وسكنوا بيوت الطين والحجر واهتموا بالحرث والزرع في أراض أعطيت لهم أو تابعة لكبار ملاك الأرض أو الدولة.
هؤلاء البدو انقسموا طبقياً إلى فئتين:
أولا – فئة الأمراء والمشايخ: الذين شكلوا الأرستقراطية البدوية. ولكن ظروف معيشتهم أيام الدولة العثمانية لم تكن جيدة، خلاف أيام الانتداب الذي حول القسم الأكبر منهم إلى قاعدة في البادية والريف. وأخذ هؤلاء في النزوح إلى المدن والتنعم "بمباهج الحياة" على حساب البدو أولاً، وبفضل ما وهبتهم إياه سلطات الانتداب ثانياً.
ثانيا – جماهير البدو: الذين تعرضوا لاستثمار ذي ثلاثة أنيار: فالأرستقراطية البدوية كانت تستثمرهم بما تفرضه عليهم من ضرائب باسم "حق المشيخة"، والدولة الاقطاعية العثمانية نالت أيضاً جزءاً من جهودهم. وتجار المدن امتصوا دماءهم عن طريق بيعهم السلع المصنوعة بأسعار غالية وشراء منتوجاتهم (السمن والصوف) بأسعار رخيصة جداً ثم بيعها فيما بعد في الأسواق بأسعار مرتفعة.
وعلى الرغم من هذا الاستثمار الرهيب، فإن الوعي الطبقي لدى جماهير البدو كان معدوماً لأسباب متعددة منها: ثقل وطأة التقاليد الموروثة، التي حتمت الخضوع للأمير والشيخ، التخلف والجهل، تبعثر البدو وظروف حياتهم القاسية والمتنقلة وهكذا فقد كانوا أشد فئات الريف استثماراً وأكثرهم تخلفاً.
******
المعمورة والبادية
لم يكن الخط الفاصل بين المعمورة (الأراضي المزروعة من الفلاحين المستقرين) والبادية في بلاد الشام ثابتاً طيلة العهد العثماني. فالمناطق المتاخمة للبادية كانت دائماً مصدر اغراء للغزوات البدوية. ولهذا فإن حدود الاستيطان الدائم على سيف الصحراء (البادية) لم تكن ثابتة. ففي الفترات التي كان فيها الحكم قوياً ومستقراً في ولاية من ولايات بلاد الشام كانت تقوم القرى وتمتد على أطراف المنطقة الصالحة للزراعة، في حين كان العديد من هذه القرى يهجر في الفترات التي ينعدم الاطمئنان فيها، ويتراجع الفلاحون إلى داخل المعمورة ويتجمعون في الجبال، وتُترك السهوب الصالحة للزراعة مراعي للبدو الأشداء.
والواقع أن حكومات الولايات العثمانية في بلاد الشام لم تستطع أن تبسط نفوذها الكامل على السهوب المكشوفة إلّا نادراً وفي فترات محدودة. وقليلاً ما خضعت القبائل البدوية للسيطرة السياسية وللضرائب المالية. ولذلك فإن الحد الفاصل بين أراضي الفلاحين الخاضعة لسيطرة الدولة والمعروفة اصطلاحاً بالمعمورة، وبين أراضي البدو لم يكن خطأ محدداً و إنما كان حزام انتقال عريض يتسم بتضاؤل نفوذ الدولة كلما توغلنا في البادية(30).
وهكذا تداخل التعريف الجغرافي مع التعريف القانوني للبدو والعشائر في سورية حيث قُسمت سورية إلى قسمين هما:
أ – المعمورة: وهي القسم العامر بالقرى والمدن، والآهل بالسكان المتحضرين.
ب – البادية: وتقع شرق المعمورة، وهي على ضربين، السهوب وأمطارها بين 100 – 200 مم سنويا، والحماد وأمطاره دون 100 مم سنوياً.
******
هجرات القبائل البدوية وضغطها على المعمورة
في أواخر القرن السابع عشر كانت الامبراطورية العثمانية آخذة في الانحدار بعد أن توقف توسعها على أثر هزيمة الجيش العثماني على أبواب فينا عام 1683. وأخذت السلطة العثمانية في الأقاليم البعيدة والنائية بالتراجع، في الوقت الذي تدعّمت فيه سلطة القوى المحلية في الأقاليم التي لم تعد ترتبط بالعاصمة، إلا بأربطة واهية.
وفي الوقت نفسه كان نظام التيمار الاقطاعي آخذا في التراجع والتقهقر ليحل محله شكل آخر للنظام الاقطاعي الشرقي العثماني قائم على مبدأ غياب السلطة الاقطاعية عن الريف وإقامتها في المدن وسعيها للحصول على أموال الميري لتأمين متطلباتها الترفيهية في عاصمة الولاية وارضاء أعمدة الحكم الاقطاعي في استنبول.
وجاءت الأوبئة والمجاعات وموت مئات الألوف من الناس لتدمر القرى وتحول السهول الخصبة على حافة البادية إلى أرض جرداء. وقد أشار الرحالة الفرنسي فولني، الذي زار المنطقة في ثمانينات القرن الثامن عشر، إلى الخراب الذي أصاب البلاد. "ولا يرى المسافر إلّا بيوتاً خربة، وآبارا ناضبة، وحقولاً مهجورة، وهؤلاء الذين زرعوها قد هربوا" وتدل الاحصاءات الرسمية على مدى التدمير الذي أصاب الريف. فبعد أن كانت أكثر من – 3200 – قرية مسجلة في سجلات الحكومة فإن محصّل الضرائب لم يجد أمامه في ثمانينات القرن الثامن عشر إلا – 400 – قرية. ومع ضعف الدولة العثمانية في القرن السابع عشر ابتدأت القبائل البدوية النجدية بالهجرة إلى الشمال والتوسع باتجاه أرض المعمورة. وقد استمر هذا التوسع زهاء مئة وخمسين سنة دافعا أمامه حدود الرعي غرباً مع انحسار واضح للزراعة باتجاه سواحل البحر الأبيض المتوسط.
هذا التوسع البدوي النجدي تم على مرحلتين متميزتين. المرحلة الأولى مجهولة الأسباب ويعتقد أن منطقة نجد مرت بمرحلة جفاف مع تفجر سكاني واضح أضيف إليه ضعف السلطة العثمانية فشكل مركز جذب للقبائل للاتجاه نحو الشمال. والمرحلة الثانية كانت نتيجة توسع الحركة الوهابية في نجد وما رافقها من صراع بين القبائل المؤيدة للسعوديين والمعارضة لهم.
ظل الموالي يضربون في أرجاء السلمية ويرعون أنعامهم (أغنامهم) بين أطلالها الخربة بعد الاجتياح المغولي. وكانت منطقة السلمية اقطاعا ومنزلا لقبيلة الموالي يؤدون عليها الاتاوات للدولة العثمانية، التي عدت براري السلمية لواء تابعا – كحمص وحماه – لايالة طرابلس الشام. وعندما لمع اسم فخر الدين المعني في أوائل القرن السابع عشر بسط نفوذه على منطقة السلمية وتحالف مع الموالي مدة من الزمن.
في تلك الأثناء امتد نفوذ الموالي من أبواب حمص وحماه إلى ضواحي حلب والرقة وبينما هم على هذه الحال داهمتهم في أواخر القرن التاسع عشر قبائل شمر، التي فشلت في التوغل باتجاه دمشق فاتجهت نحو الشمال تغير وتنهب. واصطدمت بالموالي. وبعد حروب دامت عشرات السنين تراجع الشمّريون واتجهوا شرقا إلى منطقة الفرات، و ما ان استراح عرب الموالي من شمر حتى بدأت في مطلع القرن الثامن عشر موجات قبائل عنزة تصل وتتغلغل في المناطق المحيطة بدمشق. وعندما فشلت في تثبيت أقدامها اتجهت نحو منطقة القريتين – النبك وواصلت تقدمها شمالاً باتجاه حماه واصطدمت بالموالي. وبعد حروب طويلة اضطرت الموالي لمصانعة عنزة واخلاء قسم من ديار حمص لبطن من بطون عنزة وهو الحسنة. وعندما توالت غارات عنزة اضطرت قبيلة الموالي إلى اخلاء سلمية والانسحاب نحو الشمال إلى بقاع أكثر وعورة ومنعة في كورة العلا (شرقي منطقة معرة النعمان).
وفي الوقت نفسه كانت تجري تحالفات بين قبائل عنزة مع الموالي ضد قبيلة شمر مما أجبر إلى عبور الفرات والاستقرار في الجزيرة.
***
لقد اتصف نزوح القبائل البدوية وتوسعها نحو السهول الساحلية (المعمورة) بالنزاعات والعداءات والحروب. مما أثر على بلاد الشام بكاملها. وفي مستهل القرن التاسع عشر كانت شمر قد استقرت في الجزيرة، في حين سادت قبائل عنزة في بادية الشام واحتفظ الموالي بالقسم الشمالي الغربي من البادية. وحالما تخلصت قبائل عنزة من شمر ودفعتها عبر الفرات، شرعت في الاقتتال فيما بينها بسبب الخلاف على تقسيم المراعي التي تم الاستيلاء عليها حديثا. فبالاضافة إلى الحسنة التي استقرت في بيادي حمص وحوران التي أزاحت الموالي واستقرت شرقي حماة وصلت قبائل أخرى من عنزة مثل الاسبعة وولد علي وعمرات وأخيرا قبائل الرولا.
***
حول أثر البدو عموماً وهجرات شمر وعنزة خصوصاً كتب أحمد وصفي زكريا واصفاً الحالة بما يلي:
"ولم يكْفِ براري الشام ما كانت تقاسيه من عبث (أعراب الديرة) حتى ازداد الطين بلة بالمعارك التي كانت تنشب بين شمر وعنزة وبين عشائر عنزة نفسها التي انصرفت للاقتتال والاغارة بعضها على بعض أو على أعراب الديرة المذكورين، وازداد أيضا بقدوم الوهابيين بقيادة عبد الله بن سعود وغاراتهم على حوران وأفحاشهم في قراه وتهديدهم دمشق سنة – 1225 هـ .وهكذا ظلت هذه البراري خالية من العمران وظلت القرى المتطرفة التي على سيف البادية مضطربة خائفة لا تنجو إلا بدفع (الخوة) لعشيرة أو لعدة عشائر معا. وقد أدركنا قرى المناظر كتدمر والسخنة تدفع هذه الخوة إلى عهد قريب جدا يتقاضاها الموالي والحسنة والأسبعة كل منهم في دوره.
ويمضي زكريا واصفا صراع البدو مع المعمورة كما يلي:
واستمر الحال على هذا إلى أن جاء ابراهيم باشا المصري واحتل بلاد الشام ودام حكمه نحو تسع سنوات (1248 – 1256) وقد وطد هذا القائد الكبير الأمن في الحواضر واكره البدو على احترام سلطة الحكومة وحمى السكان من اعتداءاتهم، فعاد كثير إلى سكنى المدن والقرى المهجورة وإلى حرث الأراضي المهملة في حوران وحمص وحلب. وقد أكد لي بعض المعمرين في حمص أنه عمرت في تلك المدة الوجيزة بعض قراهم الشرقية كالمشرفة وشنشار والزعفرانة.
ولكن لم يكد ابراهيم باشا يخرج من بلاد الشام ويتقلص ظل سطوته حتى عادت 1842 فوضى الأحكام في الحواضر واستأنف أعراب البادية غاراتهم على المعمورة فرجع الخراب إلى القرى والمزارع المأهولة حديثا. وظلت المدن منكمشة وراء أسوارها وأبوابها مدة ربع قرن آخر (في عهد السلطان عبد المجيد والسلطان عبد العزيز).
فحمص مثلا كانت تغلق أبوابها بعد الغروب لا يخرج منها أحد ولا يدخل.
حدثني المعمرون – والكلام لزكريا - الذين أدركوا حدود سنة – 1275 – هـ ان أهالي القرى القريبة كزيدل وفيروزة كانوا اذا خرجو لحرث أرضهم وزرعها يعودون مساء إلى مساكنهم في مدينة حمص ولا يجسرون على المبيت في البرية من توالي عبث الأعراب، وان أبواب حمص ظلت تغلق بعد الغروب إلى حدود سنة – 1287 – هـ ويقف وراءها الحراس وموظفوا المكس.
ويذكر معمرو دمشق أن امتداد الشجر في الغوطة كان لا يزيد عن نصف ما هو عليه الآن – 1945 – خوفا من ابل البدو وعدوانهم. ويذكر معمرو حلب أن منتهى العمران خارج باب النيرب كان في عسان وسفيرة والباب فقط، وان أهل هذه القرى كانوا لا يهبطون حلب ويعودون إلا زرافات زرافات وهم مدججون بالسلاح. ويذكر معمرو حماه ان سلمية لم تعمر بعد خرابها الذي دام قرونا إلا في حدود سنة – 1260 – هجري أو بعدها لما جاءها نفر من اسماعيلية جبال اللاذقية والتجأوا إلى حصنها القديم الذي كان في وسطها وصاروا يردون عبث البدو بتماسكهم وتناصرهم كما عمل الدروز قبلهم لما نزحوا في القرن الحادي عشر بعد موقعة عين دارة في سنة – 1112 – إلى جبل حوران وتحصنوا في قراه الخربة المنيعة وامتدوا رويدا رويدا ووقفوا في وجه قبائل الرولة والفضل وأهل الجبل. أي أنه ما من قرية كانت تنجو وقتئذ من (الخوة) وأمثال الخوة من السلب والنهب ورعي الزروع واتلاف الأشجار والكروم والطغيان والعدوان. إلا إذا امتنعت وراء قلعة أو اكمة وعرة وكان أهلها ذوي عصبية واحدة وشكيمة قوية يردون كرات البدو بسواعدهم لا بسواعد الدولة التي كانت وقتئذ مهملة ضعيفة لم تستطع مثلا أن ترد في سنة – 1275 – المعركة التي نشبت في سفح جبل زين العابدين قرب حماة بين الموالي والحديديين، ولم تستطع أيضا أن ترد غزوات جدعان بن مهيد عقيد الفدعان وغاراته في شرقي حلب. فاضطرت إلى أن تمنحه وتملكه في سنة – 1870 – عشرين قرية داشرة في جبل الشبيط انتقلت إلى يد حفيده الأمير مجحم بن مهيد، الذي لعب دورا هاما في أحداث شمالي سورية في النصف الأول من القرن العشرين.
وفي عام – 1875 – تمكّن رؤساء عشيرة الفضل من تسجيل أراضي الرعي باسمهم. ولم يتم ذلك إلا بعد صراع ومعارك مع الأكراد والدروز والشراكسة، الذين ادعوا ملكيتهم للمنطقة.