حركة الإصلاح الريفي في الجبل العلوي تجمع بين الولاءات الوطنية والمشاعر الطبقية الفلاحية

ننشر أدناه هذا الفصل الهام من كتاب "من الجبل العلوي إلى عاصمة بني أمية- دروب الكفاح للطلائع اليسارية ودور دانيال نعمة ورفاقه" لكاتبه الدكتور عبد الله حنا:

مع فجر الاستقلال وقيام الدولة الوطنية السورية, تنادت للعمل للصالح العام مجموعة من الطلاب الشباب المتقدين حماسة وطنية والمتطلعين إلى تحسين أوضاع الريف في أرجاء الجبل العلوي, الذي نشؤوا وترعرعوا فيه. اجتمع هؤلاء الطلاب في صيف 1946 في دريكيش لبحث وسائل تطوير ريفهم المفتقر إلى الطرق والمدارس والمستوصفات والمشافي, وكان همهم الأول تنظيم أنفسهم لنقل مطالب ريفهم وهموم فلاحيهم إلى الدوائر المسؤولة في الدولة الوطنية السورية المستقلة حديثاً.

محمد سلوم أحد الطلاب المجتمعين في دريكيش كتب لنا أسماء من بقي عالقاً في ذاكرته من الحضور وهم: أحمد سليمان الأحمد ومحمد علي صالح وجودة قاسم من ريف اللاذقية وجبلة, ظاهر معلا ربيع ومحمد محمود معروف ومحمد سليمان خضر من ريف حماة, عبد اللطيف عبد الله (وآخرون نسي اسمهم) من ريف طرطوس, محمد علي يونس من ريف صافيتا, علي غنام ونجم الدين صالح ومحمود بركات ومحمد سلوم وإبراهيم هوارة وصلاح أحمد وحبيب حسن ديب وأحمد علي ديب ويوسف دخيل وعزة جديد وعبد الهادي حسين ومحمد عمران وفضل الدين معلا ومحيي الدين ديب ونديم يوسف ومحيي الدين صالح من دريكيش وريفها.

ونلاحظ أن أكثرية الحضور كانت من دريكيش وقراها, كما تمحورت قيادة هذا التجمع في دريكيش وريفها, ويذكر محمد سلوم أنه جرى في الاجتماع انتخاب الهيكل القيادي للحركة ووزعت المهام على المجتمعين وفق واقع ومقتضى الحال.

وتنفيذاً لذلك الاجتماع كتب سلوم ما يلي:

"أذكر أني قمتُ مع رفاق بجولة سيراً على الأقدام استغرقت ثلاثة أيام, نظمنا خلالها عرائض بتواقيع المخاتير والمواطنين مضمونها ربط الساحل السوري بالداخل وتعبيد طريق طرطوس دريكيش مصياف, الذي شقته فرنسا, وقد رفعنا مطالبنا إلى المسؤولين في دمشق, ونشرت الصحف الدمشقية نص العرائض التي قدمنّاها, وتتابع النشاط حتى وصل إلى ريف حمص.

كان نشاط أعضاء حركة الإصلاح الريفي, وهم من الطلاب, يبلغ ذروته في الصيف أثناء العطلة الصيفية, متمثلا في زيارة القرى والاتصال بالفلاحين. وفي صيف 1950, أشرفت حركة الإصلاح على أربع مدارس لمكافحة الأمية بين الفلاحين, وهذا مما دفع الدرك والإقطاعيين إلى مقاومتهم بمختلف الوسائل".

أحد أبرز الناشطين في حركة الإصلاح الريفي صلاح أحمد انتسب إلى كلية العلوم في الجامعة السورية, وكان قريباً من الشيوعيين, وشاركهم في نشاط اتحاد الطلاب الجمهوريين. وعند نهاية العام الدراسي في ربيع 1952 أعلم صلاح أحمد أحد مسؤولي الحزب الشيوعي في الجامعة بتفاصيل وافية عن "حزب الإصلاح الريفي" والدور القيادي لصلاح فيه واستعداده لتنفيذ ما يطلبه الحزب منه, وعلى أثر ذلك رفع المسؤول الشيوعي في الجامعة (واسمه الحركي فريز) تقريراً إلى قيادة الحزب سرد فيه ما سمعه من صلاح أحمد حول حزب الإصلاح الريفي, وننقل فيما يلي ما جاء في مقدمة التقرير:

"بدأ (هذا الحزب) على شكل جمعية محلية في الجبل العلوي, هدفها النهوض بمستوى الفلاحين هناك وتعليمهم وتحسين أحوالهم, وإلى درجة ما مقاومة الإقطاعية المتفشية, وكان القائمون على هذه الجمعية نخبة من الطلاب والمثقفين الناقمين على تلك الأوضاع, وكان ذلك منذ سبع سنوات".

ويمضي كاتب التقرير قائلاً:

" تطورت الجمعية منذ ذلك الحين, حتى أصبحت اليوم تضم, على ما ذكر لي, 211 شابا معظمهم من الطلاب, وبدأت تأخذ اتجاها أكثر وضوحا من ذي قبل, اتجاه تحضير الفلاحين لعمل سياسي ومقاومة الإقطاعيين ونفوذهم و إثارة الفلاحين ضدهم".

وتحت عنوان: يريدون أن يصبحوا حزبا, جاء في التقرير لاقت الجمعية خلال نشاطها:

"لاقت الجمعية خلال مضايقة شديدة من الإقطاعيين أولاً, ومن رجال الدرك ثانياً, مثال ذلك: أن أحد أعضائها, واسمه حبيب حسن معروف, قد اعتقل وضرب من رجال الدرك, ثم هدد بأنه إذا دخل قرى الجبل جرى له ما لا يحبه, وهو يقيم الآن في طرطوس حسب ماقيل لي, كما أن سبعة آخرين قد أوقفوا, وقدموا إلى المحاكمة بتهمة أن لهم علاقة بالفرنسيين, وأنهم جمعية إرهابية..."

محمد سلوم, كتب لنا ما يتذكره عن حركة الإصلاح الريفي كما يلي: "عام 1949 عندما كنت طالبا في دار المعلمين الابتدائية بدمشق تبلغت مع عدد من أعضاء الحركة مذكرة دعوى قضائية إلى محكمة صلح صافيتا. أبلغنا القاضي مذكرة اتهام بالعمل في إطار الطائفية, التي يعدها القانون عنصر هدم في كيان الوطن, ويعاقب مرتكبها, وأنكرت ورفيقي هذه التهمة, فأخلى القاضي سبيلنا"

و أضاف سلوم أن قائم مقام صافيتا مصطفى الحوراني, وهو عم أكرم الحوراني, أقنع القاضي قبل الجلسة ببراءة أعضاء حركة الإصلاح الريفي.

وبسبب المضايقات التي واجهها أعضاء حركة الإصلاح الاجتماعي أرادوا أن يصبحوا حزباً رسمياً باسم حزب الإصلاح الريفي, فوضعوا دستوراً للحزب, وتقدم لطلب الرخصة له ثلاثة هم: صلاح أحمد و حبيب حسن معروف, الذي اعتقله الدرك وضربوه ثم منعوه من الإقامة في قرى الجبل, والاثنان من ذوي الميول اليسارية, أما العضو الثالث, الذي طلب الرخصة فهو نجم الدين صالح الطالب في كلية الحقوق آنذاك, وكان يؤمن بالقومية العربية, وعلى خلاف سياسي مع اليساريين صلاح وحبيب, لكن الثلاثة كانوا متفقين في العمل على مساعدة الفلاحين.

كاتب التقرير لقيادة الحزب الشيوعي يصف حال مقدمي الرخصة على النحو التالي: "أما أوضاع هؤلاء الاشخاص الاجتماعية, فيبدو أنهم من الطبقة الوسطى بصورة عامة, وأستطيع أن أتحدث عن وضع صلاح بصورة عامة, فهو ابن أخت بدوي الجبل, ومن الاقطاعيين الصغار الخاسرين. في الجبل, فهو يملك بعض الأرض, التي يعمل فيها فلاحون, لكنه مفلس دوما, و أرباحه لا تكاد تقوم بمصاريف معيشته مع عائلته, وله نفوذ في الجبل باعتبار أن جده كان كبير شيوخ الجبل العلوي, والآخران. هما أقل مرتبة في السلم الاجتماعي في الجبل".

أشار محمد سلوم فيما كتبه عن حركة الاصلاح الريفي إلى أن الخلاف سرعان ما أخذ يدب بين أعضاء الحركة, وأدى إلى توزع بعضهم على الاحزاب العلمانية الشيوعي والبعث والسوري القومي, وهذا دليل أن حركة الاصلاح الريفي التي اقتصرت عضويتها على الشباب العلوي لم تكن حركة طائفية, رغم وجود تيار مذهبي علوي داخلها مثله محمود علي كامل, والدليل على الروح الوطنية ذات الأرضية الفلاحية لحركة الاصلاح أن صلاح أحمد أخبر المسؤول الشيوعي في الجامعة أنهم في حال حصولهم على الرخصة, سيعملون على مد نشاطهم, إلى سائر الأرياف السورية. والدليل الأهم أن دانيال نعمة أشار في كتاباته إلى أن الشباب المثقف في ريف صافيتا, ويقصد أعضاء حركة الاصلاح الريفي, تصدى للعائلية والعشائرية. واتصال صلاح أحمد, الوجه القيادي الأول في الحركة, عام1951, برفيقه مسؤول الحزب الشيوعي في الجامعة السورية, واستعداده للعمل بما يقول به الحزب الشيوعي, ينفي عن أكثرية أعضاء حركة الاصلاح الريفي تهمة الطائفية أو المذهبية وتهمة تسميتهم بحركة الشبيبة العلوية, فالحركة تتميز بوطنية أعضائها وبوجهها الاصلاحي ومحتواها الطبقي الفلاحي.

الشيوعي يونس صالح, وهو المتحدّر من منطقة دريكيش وشقيق صلاح أحمد, والخبير بأحوال المنطقة, قيّم حركة الإصلاح الريفي, ويسميها حزباً, على النحو التالي:

-استمر نشاط الحزب قرابة الثماني سنوات (بدءاً من عام 1946).

-قدم الحزب خدمات مطلبية لأهالي المنطقة, مما أعطاه شعبية واسعة بين الفلاحين الفقراء.

-لم تتوسّع الأطر التنظيمية للحزب لتشمل الفلاحين, واقتصرت على الطلاب والمثقفين آنذاك, مما أفقده القاعدة الجماهيرية الصلبة, الأمر الذي أدى إلى زواله لاحقاً.

اقتصار نشاط الحزب على العلويين واتهامه بالمذهبية وافتقاره إلى برنامج واضح جعله عرضة لنقد شديد وتهجّم من القوى السياسية الموجودة في الساحة.

 -فقدان الحزب لإيديولوجية واضحة, مما جعله عرضة لتأثيرات محتلف التيارات السياسية القائمة آنذاك, وقد مهد ذلك لحصول انقسامات داخلية في صفوفه, فبعض أعضائه اتجه نحو الحزب الشيوعي, وآخرون انضموا إلى حزب البعث العربي الاشتراكي, والفريق الثالث اتخذ مواقع دينية (علوية).

-رشّح الحزب عام 1953 صلاح أحمد عن منطقة صافيتا, وتعرض لضغوط من سلطات الشيشكلي والقوى الاقطاعية المحلية.