الذكرى الثالثة والثلاثون لرحيل الشهيد اللواء صلاح جديد
محمود جديد
نظراً لاستمرار استهداف الشهيد صلاح جديد بعد مرور ثلث قرن على رحيله بغرض تشويه سمعته، وطمس معالم المشروع الثوري الذي كان يطمح هو ورفاقه إلى تطبيقه عملياً في سورية، بحيث تتحوّل إلى بؤرة إشعاع في الوطن العربي صالحة للاقتداء، ولذلك سأذكّر بموجز عن صفاته الشخصية، وسلوكه: صفات وسلوك ومناقبيّة الشهيد:
——————————————-
عُرف أبو أسامة منذ طفولته بتميّزه عن أقرانه، ثم تبلور هذا التميّز ونضج عندما بلغ سنّ الشباب، فكان وسيماً أنيقاً ببساطة ودون تكلف، طويل القامة بهيّ الطلعة، ذا مهابة كبيرة، نظراته أفصح من أبلغ كلام، سواء عند رضاه أو عدمه،... وفي الوقت نفسه، كان قمّة في العفّة والطهارة والشرف، ولذلك استخدموا الذكاء الاصطناعي لتلطيخ سمعته زوراً وبهتانا، كما لم تُعرف عنه عادة سيئة واحدة، فهو الرجل الذي لا يتعاطى المسكرات، ولا يرتاد أماكن اللهو، ويكره الأضواء والتباهي وحب الظهور، ولا يلهث وراء الثروة والجاه والمال وملذّات الحياة، فكان بحق حصناً حصيناً من الأخلاق والفضيلة عجز أعداؤه والعملاء والجواسيس عن اختراقه...
-كان الشهيد صلاح صادقا، فإذا تحدّث فلا يمكن أن يكذب، ولكنه يعرف جيدا متى يتكلم بلسانه أو بنظراته، ومتى يصمت... ويمقت الكذابين ويتجنب التعامل معهم عندما يكشفهم أو يعرفهم ... وفي الوقت نفسه يحترم محدّثه، وينصت إلى حديثه باهتمام دون أن يقاطعه،...
-
-إن أبرز صفة اتّسم بها الشهيد هي تجسيد ما يؤمن به ويطرحه على نفسه أوّلاً، لأنه كان يرى أنّ غرس قيم صحيحة لابدّ منه لتغيير المجتمع وتطويره، وفي هذا السياق، كان متقشفا زاهدا بمفاتن الحياة ومباهجها، فهو من طليعة الرفاق الذين كانوا وراء إصدار قرار حزبي يحرم فيه أي موظّف أو ضابط يُرَفع ترفيعا استثنائيا في عمله أو رتبته من أية زيادة مادية في راتبه الشهري، ويبقى يتقاضى ما يأخذه في وظيفته السابقة، وكان أوّل من طبّق ذلك على نفسه فبقي يأخذ راتب عقيد عندما كان لواء، وعندما أحيل إلى التقاعد وتفرّغ للعمل الحزبي أمينا عاما قطريا مساعدا، ثم أمينا عاما مساعدا للحزب، وبقي يتقاضى راتبه التقاعدي فقط (ألف ليرة سورية)، علما أن راتبه منذ 23 شباط/1966 وحتى 13 تشرين الثاني نوفمبر 1970 كان يلي راتب رئيس الدولة، وكان يعود الفرق بينهما إلى ميزانية القيادة القطرية.. ولهذا كانت زوجته الفاضلة تلجأ إلى الاستدانة في كثير من الأشهر ولولا حكمتها وحسن إدارتها لما استطاعت تلبية حاجات أسرتها ومتطلًّبات المرحوم الإضافية تجاه رفاقه الزائرين، أو قاصديه، أو بعض المحتاجين من أقربائه.
. - حارب الشهيد أبو أسامة الوساطة واستغلال السلطة والمسؤولية، وكان أحد أخوته من الذين حاسبهم في هذا المجال عندما حاول التوسط لدى أطباء عسكريين لاعفائه من الخدمة الوطنية، ولما علم بالأمر أمر باحضاره فورا من قبل المباحث الجنائية أينما يجدونه، واقتياده مخفورا إلى أبعد مركز تدريب عسكري (حلب)، وقد تمّ تنفيذ ذلك وهو يتمشّى في شارع الصالحية... وفي إحدى إجازاتي رغبت بالتوجه إلى /اللاذقية/، وقبيل سفري سألته إذا كان يريد شيئا من هناك، فكان طلبه الوحيد: أن أزور رئيسي فرع المخابرات العسكرية أسعد غوثاني، ورئيس الشعبة السياسية لكونهما من أبناء دورتي، وأطلب منهما باسمه عدم إفساح المجال لأي مخلوق من أقربائه، أو أصدقائه أو رفاقه أن يستغلوا اسمه ومحاسبتهم على ذلك... وقد نفّذت ما رغب به...
كما أصدرت قيادة الحزب أمراً بمنع أي ضابط أو مسؤول من التدخّل في شؤون غيره والتوسّط لصالح هذا الشخص أو ذاك، وقد كانت التجاوزات في هذا المجال محدودة جدّاً، وبدون علمه.
-
كان الرفيق صلاح ينظر إلى الأمور نظرة شمولية مسؤولة عادلة، بعيدة عن الأهواء الخاصة، وهنا سأروي واقعة جرت مع أخيه الأصغر، فبعد حصوله على شهادة الثانوية العامة انتسب إلى جامعة دمشق-كلية الحقوق، وأقام في منزل أخيه صلاح، ولما كانت كلية الحقوق لا تتطلب حضورا دائما فإن أخاه /بسام/ فكّر في العمل وسعى لذلك، فعيُّن في وظيفة صغيرة في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وكان مديرها آنذاك المرحوم: علي الجندي، وعندما سمع الشهيد بالأمر اتصل به، وطلب منه تسريح أخيه، لأنه لا يحتاج لهذه الوظيفة، وبرّر ذلك بأن أخاه يسكن ويعيش عنده، ويتقاضى منه /25/ ليرة سورية (مصروف جيبه) بينما هذه الوظيفة إذا كانت ضرورية قد تنقذ حياة أسرة محتاجة. (وهذاما رواه لنا الشاعر علي الجندي ومعه الشاعر ممدوح عدوان في منزل المرحوم الدكتور: إبراهيم ماخوس، عندما كانا في زيارته أثناء تواجدهما فى الجزائر للمشاركة بمؤتمر للأدباء العرب).
. - كان الشهيد يرى أن حرب التحرير الشعبية هي الأسلوب الرئيسي الأفضل لتحرير الأراضي العربية المحتلة وتحرير فلسطين، لأنها قادرة على ردم الهوة في مجال التسليح بيننا وبين العدو الصهيوني، وخلق التفوق الاستراتيجي على العدو، وتجارب الثورة الجزائرية وفيتنام شواهد حية على ذلك... وفي الوقت نفسه فإن إمكانات القطر السوري المادية غير قادرة على الخوض بسباق تسلح مستمر ومتصاعد مادام الغرب عامة ، والولايات المتحدة الأمريكية خاصة يقفون مع عدونا الاسرائيلي ويعتبرونه قاعدة أمامية متقدمة لهم ، ويمدّونه بكل وسائل الحياة والقوة، ومادامت الثروة العربية بيد أنظمة تابعة للامبريالية، وتوظف لصالح أعداء الأمة العربية... ولهذا كله فقد اهتم الشهيد مع رفاقه اهتماما خاصا بموضوع العمل الفدائي، وضرورة ممارسة دورات خاصة بذلك من قبل كافة الرفاق الحزبيين لتأهيل الحزب لمعارك تحريرية طويلة الأمد، وتخليصه من العناصر الانتهازية التي يمكن أن تتسرب إليه في ظل وجوده بالسلطة، وفعلا فقد فُصِل العديد من الحزبيين، ومنهم أعضاء في قيادات فروع وشعب حزبية بسبب ذلك ..
-
بذل المرحوم أبو أسامة وبالتعاون مع رفاقه جهودا خارقة عقب 23 شباط مباشرة من أجل السير على طريق إعداد الحزب إعدادا ثوريا، فأصدروا تعليمات بتجريد الحزبين من أية امتيازات عن غيرهم كما أشرت سابقاً، وفرضوا قيما وطنية ونضالية وحزبية تقوم على البذل والعطاء ونكران الذات والتقشف ومحاربة الرشوة والفساد والبيروقراطية والوساطة.. وفي الوقت نفسه تم الاهتمام والعناية بالتثقيف السياسي والعقائدي ففُتِحت مدرسة خاصة للإعداد الحزبي، وحُدّدت دورات إجبارية حزبية تثقيفية لإعداد الكوادر المدنية و العسكرية سياسيا وفكريا... كما تحوّل القطر العربي السوري إلى ورشة عمل كبيرة سواء أكانت رسمية أم شعبية، وقد تحققت الكثير من الإنجازات الاقتصادية خلال العامين اللذين أعقبا قيام حركة 23 شباط، ولم يشهد تاريخ القطر السوري مثيلاً لها في فترة زمنية مماثلة..
-
كان يعمل عشرات المرات أكثر مما يتكلم ... ولذلك لم يستلم عملا إلا وأتقنه، وكبُر به ذلك العمل، وأصبح محط احترام وتقدير وحب رؤسائه ومرؤوسيه، وذلك منذ تخرجه من الكلية العسكرية حتى الردة في عام 1970، فحصل على درجة امتياز في دورة قائد كتيبة مدفعية ميدان، وكذلك في دورة أركان حرب، وحتىّ عندما سُرّح من الجيش عقب الانفصال عام 1961 وعمل في مؤسسة النقل البحري كان محطّ احترام الجميع في إدارتها المركزية.. وخلال العمل السياسي السري بعد الانفصال وحتى قيام حركة 8 آذار كان رأيه مرجعا أساسيا لا غنى عنه لرفاقه في كافة الأمور السياسية والتنظيمية والعسكرية علماً أنّه (كان مسرّحاً من الجيش).. وبعد قيام 8 آذار كان كلّ عمل يستلمه يصبح مركز استقطاب واهتمام دون الاعتماد على فرض آرائه بالقوة، أو التلويح بمغريات السلطة والمال، أو القفز فوق القوانين، أو تجاوز الرؤساء..
-
وبقي الشهيد 23 سنة في سجن المزّة بدون محاكمة، أو حتى توجيه تهمة، وخلالها لم تلن قناته أو يساوم، وقبيل عقد مؤتمر مدريد بأيام الذي سيلتقي فيه النظام المرتد مع العدو الإسرائيلي قرّر الطغاة اغتيال اللواء صلاح جديد عن طريق السمّ، وكانت الشهادة.
في: 19 / 8 / 2026