محضر لقاء قصير بين " صلاح جديد" والسفير السوفييتي "نور الدين محيي الدينوف"

وصلتنا المعلومات التالية عن فترة اللواء صلاح جديد
صاحب المعلومات لايحب ذكر مصدرها.
نحن سننشرها فقط لأنها كانت تخص بشكل ما حزن صلاح جديد على أخيه غسان وشعوره أن البعث غدر به
صحيح أن الفترة الزمنية تختلف ولكن على مايبدو أنه تم الغدر بصلاح جديد آيضا وبطريقة مختلفة.
(الشخص الذي كان مقربا من الاسد قبل الانقلاب كان المرحوم كامل حسين سفير سوريا في فرنسا.. وكان على مسافة واحدة من جناح الاسد وجناح جديد وقد قاد عدة محاولات للتقارب والاصلاح بينهما ورأب الصدع خصوصا خلال عامي 1969_ 1970
وقد تنحى عن تولي اي مسؤولية حزبية اوسياسية بعد عام 1967 (كان عضو قيادة قطرية اثناء نشوء الازمة) ثم عكف عن الترشح لاي منصب حتى يكون بعيدا عن التجاذبات السياسية ولا يكون محسوبا على احد.. وعشية انعقاد المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي رمى بثقله في اخر محا لة لنزع فتيل الانفجار. لكن سبق السيف العذل..
ولقد اعتقل في حزيران عام 1971م وافرج عنه 30 تشرين اول عام 1994م وتوفي في حزيران 2021م)
إلا أن ما يمكن قوله مبدئياً، كما قال تقرير رفعه سفير ألمانيا الديمقراطية في دمشق آنذاك، "ألفرد مارتر Alfred Marter "، إلى وزير الخارجية "أوتو فينزر Otto Winzer"، بعد انتهاء مهمته في دمشق في العام 1972م وعودته إلى برلين، إنهم "كانوا مجموعة من الدراويش البيوريتانيين (الطهرانيين) على مستوى الممارسة السياسية، بحيث أن الأسد استطاع أن يدير معركته معهم على مدى عامين، وأن ينتصر عليهم بعد ذلك بسهولة لافتة، دون إراقة قطرة دم واحدة. وهذا لا يغير بأي حال من حقيقة أنهم كانوا نخبة وطنية من أشرف وأنزه وأنبل ما عرفته سوريا في تاريخها الحديث".
لم تصدر حتى الآن دراسة علمية حقيقية عن "صلاح جديد" كفرد و"كظاهرة" في سوريا. أما ما ينشره ويعلكه المشعوذون ممن يعتبرون أنفسهم رفاقه وامتداداً له ، فليس سوى انطباعات خاصة وتهويمات في أفضل الحالات، وحكي عجائز طيبين لاقيمة علمية أو تأريخية له، ولا معنى له في علم الاجتماع والتاريخ والسياسة. فصلاح جديد، وبالتعبير الدقيق، "رائد بلا أتباع"، عاش يتيماً سياسياً وأيديولوجياً، ومات كذلك.
مع هذا، ثمة وثيقتان بالغتا الأهمية تلقيان الضوء على جانب هام جداً من الطريقة التي كان يفكر بها الرجل. وهاتان الوثيقتان مجهولتان تماماً حتى بالنسبة لرفاقه آنذاك و مشايعيه لاحقاً، وللمؤرخين عموماً. والصدفة وحدها سمحت لي بالإطلاع عليهما والحصول على صورة منهما. لكن للأسف ليس لي الحق بنشرهما، لأن حقوق ملكيتهما تعودان لصاحبهما.
ـ الوثيقة الأولى: محضر لقاء قصير بين "جديد" والسفير السوفييتي "نور الدين محيي الدينوف"(2):
===========================================
في 15 تشرين الثاني 1970م، وبعد اعتقال "جديد" بيومين، حاول السوفييت رمي آخر ورقة في أيديهم لإجراء مصالحة بين "المجموعتين" (جديد ورفاقه من جهة و الأسد ومجموعته من جهة ثانية)، وتجنيب سوريا حصول انقلاب عسكري آخر، بحيث تكون المصالحة والتسوية لصالح "الأسد" وخياراته السياسية الإقليمية دون أن يخسروا الفريق الآخر؛أي جمع ما لا يمكن جمعه. ولذلك، وبناء على توجيهات موسكو، توجه السفير السوفييتي في دمشق "نور الدين محيي الدينوف" إلى زنزانة "جديد" في مقر القوى الجوية (الآمرية) واجتمع به لحوالي نصف ساعة. وكان بصحبته الفريق " سلطان محميدوف"، رئيس البعثة العسكرية السوفييتية في دمشق(كبير الخبراء السوفييت ومستشار وزير الدفاع/ الأسد) . ما كان يهم السوفييت آنذاك، ومنذ العام 1967م، هو أن توافق سوريا على قرار مجلس الأمن 242 الذي يتضمن اعترافاً بإسرائيل وإبرام تسوية معها وفق القرار، وأن تتخلص من "المجموعة اليسارية المغامرة التي لاتسبب لنا سوى المشاكل مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط"، كما كانت الأدبيات الرسمية السوفييتية تصف "جديد" ورفاقه، و وقف الهجمات الفلسطينية على إسرائيل من داخل الأراضي السورية. ولهذا كان هذا الأمر أول ما طرحه "محيي الدينوف" على "جديد" مقابل " تعهد موسكو وضمانها بوقف العملية الانقلابية التي يقودها الرفيق الأسد وإعادة الأمور إلى طبيعتها". لكن "جديد" رفض ذلك بشكل قاطع، وقال للسفير "إن القرار يتضمن اعترافاً بإسرائيل، ويُسقط بشكل تام حقوق الشعب الفلسطيني حتى كلاجئين. وفوق ذلك كله يعطي الحق لإسرائيل حتى بالاستيلاء على أراضٍ سورية إذا ما جرى تفسيره وفق النسخة الإنكليزية التي تتحدث عن أراضٍ تحتلها إسرائيل وليس عن الأراضي بالمعنى الشامل كما يمكن فهمه من النسخة الفرنسية. وهذا لا يمكن أن أوافق عليه بأي شكل من الأشكال". واللافت أن "جديد"، كما بقية رفاقه على ما يبدو، لم يكن يعتقد أن "الأسد" قادر على الاستمرار في عمليته الإنقلابية أكثر من بضعة أشهر. وهنا جانب من جوانب"الدروشة" التي تحدث عنها السفير الألماني/ الشرقي في تقريره. فقد أردف "جديد" في حديثه مع "محيي الدينوف" بالقول" على كل حال، قريباً يا سعادة السفير سيكتشف الشعب السوري خطورة المشروع الذي يقوده إليه الرفيق حافظ الأسد. ومن المؤكد أنه (الشعب السوري) لن يقبل بذلك مهما تَكلّفَ من تضحيات". للأسف لم يكن "جديد" يدرك على نحو عميق أن الشعب السوري كان أصبح في مكان آخر، وأن نخبته الاجتماعية (كما سيعبر رئيس اتحاد غرف التجارة السورية "بدر الدين الشلاح" بعد سنوات)، أصبحت معنية بالتصالح مع إسرائيل، وقضاء لياليها الترفيهية في مطاعم حيفا، وإحياء فرع الخط الحديدي الحجازي (بين درعا وحيفا)، أكثر مما تعنيها القنيطرة أو الجولان، فكم بالأولى فلسطين نفسها.
وبحسب تقرير "محيي الدينوف" إلى وزير الخارجية " أندريه غروميكو" و"وزير خارجية الظل"، "بوريس بونوماريف"، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي ومسؤول العلاقات الخارجية في الحزب، فإنه التقى أيضاً في اليوم نفسه رئيس الدولة الدكتور "نور الدين الأتاسي" في منزله (لم يكن اعتقل بعد)، وشعر منه أنه "أكثر مرونة من رفيقه العنيد، جديد، الذي لا يزال يعتقد وهو في زنزانته أنه قادر على طرد الولايات المتحدة من العالم العربي والقضاء على إسرائيل، وأنه (أي الأتاسي) لا يمانع في الوصول إلى تسوية معينة مع الأسد تجنب سوريا خضة جديدة، ويمكن للرفاق السوفييت أن يلعبوا دور الوساطة فيها". وفي ساعة متأخرة من اليوم نفسه، 15 تشرين الثاني، جاءت برقية جوابية من موسكو إلى سفيرها "محيي الدينوف" تطلب منه إبلاغ "الأسد" بأن "يمضي في عمليته"، أو بتعبيرنا نحن في بلادنا "خليه يتوكل على الله ويريحنا منهم".
وفي اليوم التالي، 16 تشرين، صدر "بيان القيادة القطرية المؤقتة" الذي أعلن رسمياً الإطاحة بالقيادة السابقة قبل أن تكر سبحة الاعتقالات بحق رفاق "جديد" الآخرين (الدكتور الأتاسي والدكتور زعين.. إلخ)، باستثناء وزير الخارجية الدكتور "ابراهيم ماخوس" الذي قام السفير الجزائري في دمشق بتهريبه بسيارته الخاصة إلى لبنان، ومن هناك إلى الجزائر، كنوع من الوفاء الجزائري نحوه وهو الذي أدى خدمته العسكرية كطبيب (مع الدكتور نور الدين الأتاسي والدكتور يوسف زعين وآخرين) في صفوف "جبهة التحرير الوطني الجزائرية" خلال حرب الاستقلال.
الوفاء الجزائري نحوه وهو الذي أدى خدمته العسكرية كطبيب (مع الدكتور نور الدين الأتاسي والدكتور يوسف زعين وآخرين) في صفوف "جبهة التحرير الوطني الجزائرية" خلال حرب الاستقلال.
أما الفريق "سلطان محميدوف" فتولى بنفسه من مقر "سرايا الدفاع" في القابون، وبالتنسيق مع السفير "محيي الدينوف"، إدارة عملية انقلاب "الأسد"، بما في ذلك الإشراف على اعتقال بقية رفاق "جديد" والسيطرة على دمشق.
ـ الوثيقة الثانية: رسالة "صلاح جديد" المجهولة إلى زعيم ألمانيا الديمقراطية "فالتر أولبرخت"(3):
======================================
يوم الخميس، 15 آب 1970م، أي قبل انقلاب الأسد بثلاثة أشهر، أرسل "جديد" رسالة خاصة إلى زعيم ألمانيا الديمقراطية "فالتر أولبرخت" شكره فيها على إيفاده كلاً من الفريق "هورست يينكه"، نائب مدير المخابرات الخارجية ومسؤول "دائرة العالم الثالث وحركات التحرر الوطني" فيها، وزميله "بول ماركوفسكي"، عضو المكتب السياسي في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الألماني الموحد ورئيس دائرة تصفية الاستعمار في اللجنة المركزية، للاطلاع على الأزمة في "حزب البعث" (بين جديد ورفاقه من جهة و الأسد من جهة أخرى). ومن الواضح أن "أولبرخت" تقصد إرسال الفريق "هورست يينيكه" لأنه كان يحمل معلومات أمنية حصل عليها جهاز مخابراته من عملائه في بريطانيا عن "الأسد". ومن المعلوم، وكما ظهر لاحقاً، أن المخابرات الخارجية لألمانيا الديمقراطية كانت تخترق أجهزة مخابرات دول الحلف الأطلسي وتخردقها طولاً وعرضاً بفضل رئيسها العبقري "ماركوس فولف". ومما جاء في رسالة "جديد" بهذا الخصوص:
"في البداية أود أن أشكر لكم مبادرتكم الكريمة في إيفاد الرفيقين (بول ماركوفسكي) و(هورست يينيكه) مؤخراً للاطلاع آخر تطورات الأزمة التي يواجهها حزبنا منذ حوالي عامين بسبب ممارسات النهج اليميني الانتهازي الذي يقوده رفيقنا وزير الدفاع، حافظ الأسد، والتي ترتبط دون أدنى شك بزياراته إلى لندن ولقاءاته المشبوهة هناك بمشاركة ورعاية النظام الرجعي السعودي ورئيس جهاز مخابراته كمال أدهم، المرتبط بوكالة المخابرات المركزية. وبهذه المناسبة أود أن أشكركم على المعلومات المهمة التي زودتمونا بها فيما يخص تلك اللقاءات التي تؤكد أن سلوك رفيقنا المذكور ومجموعته لا يمكن أن يكون منفصلاً على الإطلاق عن المشاريع التي تعدها لمنطقتنا قوى الإمبريالية الأميركية – البريطانية بالتعاون والتنسيق مع النظام الصهيوني في فلسطين المحتلة والرجعية العربية، لاسيما النظام الأردني العميل لإسرائيل، الذي أخذ على عاتقه مهمة تصفية القضية الفلسطينية وثورة أبناء الشعب الفلسطيني من أجل التحرر الوطني".
ويتابع "جديد" في رسالته:
" لقد استمعت بتركيز شديد إلى الأفكار التي حملها الرفيقان (ماركوفسكي) و(يينيكه)، وحاولت أن أجيب بأقصى درجة ممكنة من الدقة و الشفافية على أسئلتهما التي تعبر عن حرصكم النبيل على استمرار النهج التقدمي في الجمهورية العربية السورية، وعن قلقكم بشأن الأزمة التي يعيشها حزبنا و وطننا.
إنني أدرك أن الرفيقين (ماركوفسكي) و( يينيكه) نقلا لكم بأمانة ودقة النتائج التي خلصا إليها من لقاءاتهما هنا، لكني رأيت أن من واجبي أن أكتب لكم بشكل خاص في ضوء بعض التطورات والمعطيات التي استجدت بعد سفرهما.
ـ إننا نفكر جدياً بعقد مؤتمر وطني استثنائي لحزب البعث العربي الاشتراكي يكون على رأس جدول أعماله محاسبة الرفيق وزير الدفاع ومجموعته التي تمكنت خلال العامين الماضيين، بسبب عدد من الأخطاء التي ارتكبناها، وبسبب نوايانا الصادقة،من وضع يدها على القوات المسلحة بعيداً عن سياسة الحزب وقيادته. وهنا أود اغتنام الفرصة للإشارة إلى أن التدخل السلبي الذي يقوم به الرفاق السوفييت، من خلال الرفيق السفير (محي الدينوف) والفريق (سلطان محميدوف)، رئيس البعثة الاستشارية العسكرية السوفييتية، لدعم المجموعة اليمينية أصبح سافراً ومكشوفاً. وقد وصل هذا التدخل إلى حد تحريض المجموعة ضد قيادة الحزب ودعوتها للتخلص ممن تسميهم (اليساريين الماويين المغامرين الذين يريدون توريط الاتحاد السوفييتي ومنطقة الشرق الأوسط في مواجهات وحروب). إن الرفيقين (محي الدينوف) و(محميدوف)، اللذين يرسلان تقاريرهما التحريضية إلى موسكو، يعرفان أنه لا يوجد (ماويون) في حزبنا، ولكنهما يعتقدان أن مجرد الإشارة إلى وجود (الماوية) في سوريا يكفي لإصابة رؤسائهما (في موسكو) بالذعر ودفعهم إلى القيام بأعمال غير مسؤولة".
وبعد شرحه خلفيات الاتهام السوفييتي له ولرفاقه بـ"الماوية"، يكشف "جديد" خفايا بعض ما جرى معه خلال زيارته إلى موسكو في العام 1967م، وكيف تعامل معه برجينيف ورفاقه كما لو أنه "متهم في مخفر شرطة"، ليتساءل عما إذا كان "برجينيف" يعمل ممثلاً للأميركيين ولغولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية. فيقول:
"في الواقع، ورغم أن علاقتنا العسكرية بالرفاق الصينيين والفيتناميين لم تكن ذات أهمية في العام 1967م، إلا أن الرفيق بريجينيف استغل زيارتي إلى موسكو في يناير من العام المذكور ليلعب دور الشرطي الذي يحقق مع مجرم. فقد كرس جزءا كبيرا من اللقاء، الذي كان مفترضاً أن يخصص لتعزيز القدرات العسكرية لجيشنا، من أجل (التحقيق معي) عن (انتشار الماوية في حزبنا) وعن (علاقتنا مع الصينيين والفيتناميين). ولم يكتف بذلك، بل مارس ضغطا كبيرا من أجل إقناعي بأن نبرم تسوية مع إسرائيل بشأن مشكلة نهر الأردن كخطوة أولى على طريق إبرام اتفاقية سلام مع إسرائيل. وقد تعهد بأن يلعب الاتحاد السوفييتي دوراً في ذلك. وفي الحقيقة لم أكن أعرف ما إذا كان (برجينيف) مجرد سمسار لـ(مئير) و(نيكسون)، وما إذا كنتُ مجتمعاً مع زعيم (البيت الأبيض) أم (زعيم البروليتاريا العالمية). الأكثر مرارة من ذلك هو أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي أعطت توجيهات للصحف السوفييتية بشن حملة تشهير ضدي وضد رفاقي باعتبارنا (مجموعة من المغامرين الذين يريدون تحويل سوريا إلى كوبا الشرق الأوسط، وتوريط الاتحاد السوفييتي في مواجهة مع الإمبريالية وإسرائيل).
أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي أعطت توجيهات للصحف السوفييتية بشن حملة تشهير ضدي وضد رفاقي باعتبارنا (مجموعة من المغامرين الذين يريدون تحويل سوريا إلى كوبا الشرق الأوسط، وتوريط الاتحاد السوفييتي في مواجهة مع الإمبريالية وإسرائيل). وقد فعلوا الأمر نفسه عند زيارة الرفيق رئيس الدولة، الدكتور نور الدين الأتاسي، في مايو 1966م. وقد فهمت من الرفيق ألكسندر ساخاروفسكي [مدير المخابرات الخارجية في الاتحاد السوفييتي]، الذي يتحلى بروح أممية حقيقية وبدا أنه ضد هذا المنطق، أن الرفيق برجينيف هو شخصياً من وقف وراء هذه الحملة من خلال اللواء (تسفيغون). والأمر المفجع، إذا ما صدقت تسريبات وسائل إعلام العدو الصهيوني، فإن السفير السوفييتي في إسرائيل (ديمتري تشوفاخين Dmitry Chuvakhin) دعا الحكومة الإسرائيلية خلال الفترة نفسها إلى (تأديب المجموعة المغامرة الحاكمة في دمشق بسبب موقفها من موضوع نهر الأردن)(4).
(....)
المفارقة في الأمر أن "أولبرخت" الذي كتب له "جديد" هذه الرسالة، لن يتأخر عن ملاقاة المصير نفسه، ولكن ليس في السجن. فبعد انقلاب "الأسد" ببضعة أشهر أمر "برجينيف" بعقد مؤتمر للحزب الاشتراكي الألماني الموحد وإزاحة "أولبرخت" من الأمانة العامة وتعيين "إريش هونيكر" مكانه. ولم ذلك إلا لأن "هونيكر" كان من أنصار تعميق العلاقة مع "ألمانيا الغربية"، وهذا ما كان يريده "الكريملن" آنذاك. وكان "أولبرخت"، صاحب التاريخ النضالي العريق منذ زمن الكفاح ضد النازية الهتلرية، ثم مع "الألوية الأممية" خلال الحرب الأهلية الإسبانية ضد نظام "فرانكو"، ينظر بعين الريبة إلى السياسة السوفييتية وانتهازيتها ودورها في التآمر على حركات التحرر الوطني في كل مكان، فضلاً عن تواطؤها مع الولايات المتحدة على وقف البرنامج النووي السري في ألمانيا الديمقراطية. أما الكريملن فلم يكن يرى في "أولبرخت" إلا "صانع مشاكل للاتحاد السوفييتي مع الولايات المتحدة وأوربا الغربية"، ولذلك كان لا بد من التخلص منه أيضاً كما جرى التخلص من "جديد" ورفاقه.
(انتهى ).
صفحة العميد غسان جديد