زيارة إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا اللاذقية حوالي 1835م

إعداد المحامي أيمن يحيى حمدو
في الثالث والعشرين من تشرين الأول سنة 1247ه/ 1831م: "زحفت جيوش إبراهيم باشا باتّجاه بلاد الشّام، وبدأت حصارها لعكّا في عشرين تشرين الثاني من نفس السّنة" وبعد إحكام الحصار على عكّا: "انقضت ثلاثة أشهر من غير أن ينال من المدينة منالاً، ولكن إبراهيم استغل هذه المدة والحصار قائم في احتلال المواقع المهمة في ولاية صيدا (وقاعدتها يومذاك عكا) وما حولها، فاحتلت قوة من جنوده صور وصيداء وبيروت وطرابلس ثم قام إبراهيم باشا بتعيين مصطفى بربر آغا متسلّما على طرابلس الذي دخلها بتاريخ التاسع من شهر كانون أول سنة 1831م.
و على أثر هذا التعيين تأكد السلطان العثماني محمود الثاني (1785- 1839م) أنّ إبراهيم باشا لديه نوايا توسعية تتجاوز ولاية صيدا (عكا) لذلك عيّن واليا على طرابلس هو عثمان باشا اللبيب، وأصدر له الأوامر بالتّصدي لقوات إبراهيم باشا، وأتبع ذلك بقرمانٍ وصف فيه محمد علي باشا بالمتمرد والخارج على أوامره، وهذا ما جعل الرأي العام الإسلامي يتغير تجاه محمد علي باشا إلى الأسوأ، وخاصة في طرابلس ومقاطعاتها، حيث بدأ الأهالي الاستعداد لمواجهة متسام طرابلس وسيده؛ لأن غالبية السكان ما زالت على ولائها للسلطان بصفته حامي الإسلام وخليفة المسلمين".
ولما رفض مصطفى بربر التنازل لعثمان باشا عن طرابلس حضر عثمان إلى اللاذقية، وأخذ يعدّ العدّة لمحاربة مصطفى وطرده من طرابلس بالقوة، ومن أجل تقوية موقفه وكسب المزيد من المؤيدين والأنصار، اتّصل بملتزمي مقاطعات اللاذقية وعكّا وطرابلس وأعيان نابلس، وكان من بين الين اتّصل بهم الشيخ صقر المحفوض، الّذي وعد بالمساعدة، وتعهد له بجمع ثلاثة آلاف مقاتل".
ولم يكتفِ عثمان باشا بإرسال الرسل والكتب إلى الشيوخ والوجهاء: "بل طلب حضورهم إليه في اللاذقية كي يتأكد من صدق ولائهم وإمكانياتهم العسكرية. وفي الوقت ذاته كان يستعد للتوجه إلى طرطوس حيث تتجمع قواته التي تحضر للهجوم على طرابلس، وحدد توقيت هذا التحرك يوم الاثنين الثالث من شوال، كي يلتقي في جنوب طرطوس مع القوات الصافتلية والطرطوسية والقدموسية والعكاكرة وغيرها، بالإضافة إلى ألفي جندي دولة نظامي كان قد أرسلهم سابقا".
ولكن عثمان باشا: "لأسباب تتعلق بتجهيز قواته تأخر عن هذا الموعد، وغادر اللاذقية يوم الجمعة السابع من شوال، وكان برفقته (1500) جندي دولة، وسبق وصوله إلى طرطوس ذخيرته وعتاده العسكري الذي أرسله عن طريق البحر بالشخاتير".
جرت معركة فاصلة بين عثمان باشا وبربر آغا: "وكان العامل الحاسم فيها دخول قوات الأمير بشير الشهابي حليف إبراهيم باشا المصري إلى جانب بربر آغا، قلب المعركة لصالح الأخير، و انتهت المعركة بهزيمة عثمان باشا وسقوط الشيخ صافي صقر المحفوض جريحاً، فحمله رجاله إلى مسقط رأسه قرية بيت شمسين، لكنه مات في الطريق بتاريخ 29 شوال 1427هـ/ السبت 31 آذار 1832م".
داخل القلق السلطنة من أعمال محمد علي، فحشدت جيشاً من عشرين ألفاً بقيادة عثمان باشا، وانتصر إبراهيم باشا على الجيش العثماني في معركة الزرّاعة بين حمص وبعلبك في 14 نيسان 1832م ثم عاد ليشدد الحصار على عكا، فسقطت في يده في أواخر أيار ودخل دمشق في 16 حزيران وجعلها مقر حكومة أبيه في الشام، و أوكل للأمير بشير الشهابي تعين متسلمين على صيدا و بيروت و طرابلس و اللاذقية من أولاد عمومته ثم انتصر ثانية عند حمص على طلائع الجيش العثماني، ودخل حمص وحماة، وزحف على المواقع العثمانية في مضيق بيلان حيث تحصن حسين باشا قائد الجيش العثماني، وهناك وقعت المعركة الحاسمة بين إبراهيم باشا وحسين باشا (30 تموز 1832م) وانتهت بهزيمة منكرة للجيش العثماني وقائده حسين باشا الذي هرب على إثرها، ومضى إبراهيم في الزحف فاحتل الإسكندرونة وبانياس وسُلمت له أنطاكية.
ثم استسلمت حامية اللاذقية بقيادة عليش باشا ثم جاء ٦٠ فارسًا و ٦٠٠ رجل من الإسكندرونة مستسلمين للقائد العام، فترك لهم حرية البقاء أو العودة إلى بلادهم، وأمر بأن يُعطوا حاجتهم في السفر والذي رواه هؤلاء أن عليش باشا أرسل حريمه إلى قبرص وركب باخرة إلى قبرص وركب باخرة إلى الاسكندرونة لينضم إلى ابراهيم باشا ومعه ستة مدافع، ومن ثم عُيِّن محمد آغا خزنه دار متسلِّماً لها، وبعد فتره عُزِل وعُيّن بدلاً عنه سعيد آغا العنتابي.
و بعد أن سيطر الجيش المصري على اللاذقية زارها ابراهيم باشا ودون تفاصيل تلك الزيارة يوسف بن إسماعيل النبهاني في كتابه جامع كرامات الأولياء/تحقيق ‎عبد الوارث محمد علي الشيخص/ص296/ج1 فيقول:
((ولما حضر ابراهيم باشا بن محمد علي باشا المصري بعد سنة ١٢٤٥ إلى اللاذقية بعد وفاة الشيخ محمد المغربي بنحو خمس سنوات، رأى جامعاً عظيماً على سفح جبل صغير، فسأل عنه فقالوا له: هذا جامع الشيخ محمد المغربي وهو مدفون بجواره فذهب لزيارته فأخذ بعض الحاضرين يذكر له كرامات الشيخ، فقال: وجود هذا الجامع وهذا المزار له هو أعظم كرامة، فإن بناء مثل هذا الجامع ومثل هذا المزار في مثل هذا المكان لا يستطيعه إلا الملوك ونحوهم من أكابر الأغنياء، فحصوله لرجل فقير غريب الديار هو من أعظم الكرامات، ولو لم يكن له كرامة غير هذا لكفاه)).
و نلاحظ هنا أنه حدد موعد الزيارة بعد سنة 1245ه بعد وفاة الشيخ محمد المغربي بنحو خمس سنوات و بحسب المصادر التاريخية فقد وافاه الاجل في سنة 1242 هجري الموافق 1827م
و بحسب ماذكره فقد كان جامع المغربي موجودا و اذا علمنا
أن جامعُ النور (جامعُ الشيخ محمَّد المغربيّ) في حي القلعة (القلعة 52): بناهُ الشيخ (أحمد بن عبد الرحمن الحلبي) تلميذُ الشيخ (محمَّد بن أحمد آل ناصر الدين المغربيّ) واستغرق بناؤه ثماني سنوات 1242 - 1250هـ (1827 - 1835م). رمَّمه (فؤاد بن ظافر الزين) في سنة 1424هـ (2003م). ينظر مضر كنعان المعالم الأثرية في مدينة اللاذقية.
لذلك يمكن القول إن الزيارة كانت بعد اتمام بناء جامع المغربي وأن النبهاني أخطأ قليلا في تاريخ الزيارة.
و بحسب مخطوط اطلع عليه الاستاذ نعمان صاري ففي زيارته تلك دشن ابراهيم باشا الثكنة الإبراهيمية والتي كان موقعها في الهضبة التي بين مدرسة ابي تمام ونادي حطين.
و بحسب ماذكره الباحث مضر كنعان في المعالم الأثرية في اللاذقية ((القشلة الإبراهيميَّة في اللاذقيَّة - كازان غورو وهي ثكنةٌ عسكريَّةٌ تقعُ في حي الأشرفيَّة مقابل حديقة أبي تمام بجوار مقام الحاج قاسم بك الزعيم و قد بناها (إبراهيم باشا بن محمَّد علي باشا) حوالي عام 1835م في أثناء الحكم المصري لبلاد الشام وعلى أرض تابعةٍ لأوقاف الحاج (قاسم بك الزعيم) لتكون مقراً للجند المصري في اللاذقية وعرف المبنى بـ(القشلة) لتصبح بعد ذلك مقر متسلم المدينة فمتصرفها حتى بناء السرايا الحميدية مطلع القرن المنصرم وانتقال دوائر الحكم إليها وكان مقر سرايا الحكم قبل ذلك في حي القلعة)).
اللاذقية بحر وجبل