ذكرى محاولة اغتيال حافظ الأسد

علاء الدين تلجبيني

في مثل هذا اليوم 26 حزيران/يونيو 1980 تعرض الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد لمحاولة اغتيال أمام قصر الضيافة في دمشق، أثناء توديعه الرئيس النيجري سيني كونتشي في ختام زيارة رسمية استمرت ثلاثة أيام.
يصف فاروق الشرع، الذي كان حاضرًا في المكان، تلك اللحظات في كتابه «الرواية المفقودة» قائلاً:
«كان الرئيس النيجري في زيارة لسوريا امتدت لثلاثة أيام، وعند انتهاء زيارته كنت إلى جانبه في انتظار قدوم الرئيس الأسد لاصطحابه من قصر الضيافة إلى المطار. وكان هذا القصر بسيطاً وليس فيه أي علامة مهابة خاصة باستثناء ارتباطه باستضافة جمال عبد الناصر أيام الوحدة السورية - المصرية. وكانت حراسة القصر مؤلفة من مفارز بسيطة تتناوب عليها دورياً عناصر قليلة من الشرطة العسكرية، إذ لم يكن لدى الأسد حتى ذلك الوقت أي موكب مرافقة مهمة أو حراسة خاصة.
فجأة، ونحن نودع الرئيس النيجري على الدرج الضيق الخاص أمام قصر الضيافة، وقع الانفجار. أبعد حافظ الأسد بشكل عفوي القنبلة الأولى بقدمه، بينما ارتمى مرافق الرئيس الخاص اللواء خالد الحسين بجسده على القنبلة الثانية. أصيب الرئيس بخدوش جارحة في ساقيه وصدره، بينما كان جسد الحسين محروقاً بكامله. وبطبيعة الحال كان الإسعاف إلى المشفى القريب هو الحل. كانت خدوش حافظ الأسد مؤلمة جداً، غير أنها لم تكن عميقة بحيث تفقده السيطرة على زمام الموقف. وكان المهاجمون، كما بدا لي، واثقين من أنفسهم، فلقد فروا ببساطة من مفرزة الحراسة في القصر، واختفوا في اتجاه الأزقة المجاورة لساحة النجمة.»
وبحسب الشرع، فقد أصيب الأسد بخدوش في ساقيه وصدره، بينما قُتل مرافقه الشخصي اللواء خالد الحسين متأثرًا بإصاباته.
ويضيف الشرع:
«جاءت دوريات جهاز الأمن العسكري بسرعة، وجابت كامل المنطقة المحيطة من دون العثور على شيء. كانت القنابل بدائية، ومن النوع التدريبي الذي لا يقتل بل يترك خدوشًا عديدة. لماذا لم يستخدموا قنابل فتّاكة في حال أن قصدهم كان هو القتل؟ وكان ذلك في متناولهم. هل كانت قنابلهم تحمل رسالة خلاصتها: نستطيع أن نقتلك إذا أردنا؟ أم كانت عملية استخدام هذه القنابل لإيقاع الفوضى والاضطراب والمضي في خطة أشمل؟ في تقديري كان التسلل إلى مفرزة حرس قصر الضيافة قد تم تسهيله من منافذ مؤتمنين على هذه الحراسة. هذا في الواقع اختراق خطير في جسم الدولة كان لا بد من التحقيق فيه، لكن أجهزة الأمن فضلت تقفّي أثر الفاعلين ولم تعمد إلى تشكيل لجان تحقيق.»
تورد بعض الروايات من مقربين أسماء ثلاثة أشخاص بوصفهم منفذي العملية، وهم:
عبد الحميد الدامور من كفرنبل، الذي تمكن من الفرار إلى منزل صديقه خالد عبيدو في حي السبينة، ثم غادر إلى الأردن حيث بقي حتى وفاته عام 2014. وتذكر هذه الروايات أن أفرادًا من عائلته والده و والدته و أخته و زوجها الشرطي اعتُقلوا عقب الحادثة و لم يظهر عنهم بعدها أي خبر أما زوجته و طفلته فأطلق سراحهم بعد سنوات.
محمد زيتوني من حلب، الذي أُلقي القبض عليه وأُعدم لاحقًا في سجن تدمر.
محمود الجربان، الذي قُتل بعد الحادثة، كما اعتُقل عدد من أفراد عائلته.
أما اللواء خالد الحسين الذي قضى أثناء حماية الرئيس، فهو فلسطيني من قرية عين غزال جنوب حيفا. لجأ مع عائلته إلى سوريا بعد نكبة عام 1948، واستقر بداية في خان الشيح ثم في مخيم اليرموك، قبل أن يلتحق بالجيش السوري ويصبح لاحقًا المرافق الشخصي لحافظ الأسد.
في المقابل، نفى عدنان سعد الدين، المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين آنذاك، في برنامج «شاهد على العصر» مسؤولية الجماعة عن العملية، مؤكدًا أن قيادة الإخوان علمت بمحاولة الاغتيال بعد وقوعها، ولم يكن لها أي دور فيها.
أما باتريك سيل، فيورد رواية تختلف في بعض تفاصيلها، إذ يقول:
«وفي 26 حزيران/يونيو 1980، نجا الأسد بأعجوبة من الموت على أيدي خصومه الإسلاميين. فقد أُلقيت عليه قنبلتان وأُطلقت رشقات من الرصاص بينما كان يودع زائراً أفريقياً عند بوابة قصر الضيافة. فركل إحدى القنبلتين بعيداً، بينما ألقى أحد الحراس بنفسه على الثانية فقُتل على الفور، وقام حارسه الشخصي خالد الحسين بإلقاء الرئيس على الأرض وجعل جسده درعًا لحمايته.»
وتُظهر هذه الرواية اختلافًا عن شهادة فاروق الشرع في تحديد الشخص الذي ارتمى على القنبلة.
كما نشرت صحيفة نيويورك تايمز في 4 تموز/يوليو 1980، استنادًا إلى تقارير متداولة في بيروت ومعلومات أكدها دبلوماسيون ومصادر أخرى، أن:
«أُلقيت قنبلة يدوية باتجاه الرئيس الأسد بينما كان موكب السيارات يستعد للمغادرة. وتشير الروايات إلى أن أحد أفراد الحرس الرئاسي ارتمى فوق القنبلة، فامتص انفجارها على حساب حياته، بينما دفع حارس آخر الرئيس الأسد إلى داخل السيارة لينجو من الخطر.»
في اليوم التالي للمحاولة، اجتاحت أركان النظام موجة من الغضب والرغبة في الانتقام. ويصف باتريك سيل تلك الأجواء بقوله:
«كان لسان حالهم يقول: لماذا يريدون قتلنا؟ إننا نستطيع أن نقتل أيضاً!» وفقا لباتريك سيل.
ويضيف أن هذا المناخ قاد إلى اتخاذ إجراءات قاسية، كان أبرزها إصدار الأوامر، فجر 27 حزيران/يونيو 1980، لوحدات من سرايا الدفاع بالتوجه إلى سجن تدمر، حيث وقعت المجزرة التي راح ضحيتها مئات السجناء.
مثّلت محاولة الاغتيال هذه تحولًا مهمًا في أسلوب حماية حافظ الأسد. فقد أعقبها إعادة تنظيم شاملة لجهاز حراسته، والاستغناء عن عناصر الشرطة العسكرية في هذه المهمة، وإنشاء منظومة أمنية أكثر إحكامًا حوله. كما قلّص ظهوره في المناسبات العامة، وأصبح حضوره العلني نادرًا مقارنة بما كان عليه قبل عام 1980، واستمر هذا النهج حتى وفاته.
صورة لخالد الحسين خلف حافظ الأسد