"أكرم الحوراني" صانع الملوك الذي أكلته لعبته
في صيف عام 1963، وقف رجل في الخمسين على أعتاب المنفى مجددًا. كان قد نجا من السجون والمؤامرات والانقلابات، وصنع رؤساء وأسقط آخرين. لكن هذه المرة، كان المغادر هو أكرم الحوراني نفسه. الثورة التي زرع بذورها انقلبت عليه، والحزب الذي أسسه طرده، والرفاق الذين رباهم صاروا جلاديه. بينما أقلعت الطائرة من دمشق، نظر من النافذة إلى المدينة التي حاول تغييرها، وأدرك أن الثورات تأكل أبناءها، وأنه صار الوجبة التالية.
هذه هي حكاية أكرم الحوراني، الرجل الذي علّم الفلاحين أن يقولوا "لا"، فتعلموا منه الدرس جيدًا، وقالوا له "لا" أيضًا.
صبي الفقراء من حماة
وُلد أكرم الحوراني عام 1911 في حماة، في حي الفقراء، ليس بعيدًا عن المكان الذي وُلد فيه أديب الشيشكلي. لكن الفرق بينهما كان شاسعًا: الشيشكلي كان ابن ضابط، والحوراني كان ابن كدح المدينة. كان والده يعمل في تجارة القماش، لكنه أفلس، فذاق الصبي طعم الفقر مبكرًا.
في شوارع حماة، رأى شيئًا كسر قلبه: فلاحين أنهكتهم الديون، وإقطاعيين يملكون الأرض ومن عليها، وجيشًا يقمع الجوعى بدل أن يطعمهم. هناك، في أزقة المدينة القديمة، تشكّل سؤاله الوحيد: لماذا يموت الفلاح جوعًا والأرض تحته؟
درس الحقوق في دمشق، لكنه لم يرد أن يكون محاميًا للأغنياء. أراد أن يكون محاميًا للتراب والفقراء. فتح مكتبه في حماة، ودافع عن الفلاحين مجانًا ضد الإقطاع. كانت قاعة المحكمة مسرحه الأول، وكان القضاة يهابون لسانه الحاد وعينيه المشتعلتين.
الخطيب الذي أشعل البراكين
كان الحوراني خطيبًا من طراز نادر. عندما يعتلي منبرًا، يتحول إلى بركان. صوته يجلجل، وكلماته تضرب كالسوط. كان يتحدث عن العدالة الاجتماعية، وعن توزيع الأرض، وعن كرامة الفقير. الجماهير كانت تتدفق لسماعه كأنهم يحجون إلى نبي جديد.
في الأربعينيات، أسس "حزب الشباب" ثم انضم إلى "الحزب العربي الاشتراكي"، وبدأت رحلته السياسية المضطربة. دخل البرلمان نائبًا عن حماة، وسرعان ما صار كابوسًا للحكومات المتعاقبة. كان يسأل الأسئلة التي لا يجرؤ أحد على طرحها: أين تذهب أموال الفلاحين؟ لماذا يملك آل العظم وآل مردم بك كل شيء؟
في عام 1950، أصدر مع رفاقه قانونًا تاريخيًا: قانون الإصلاح الزراعي الذي حدّد الملكية الزراعية ووزع الأرض على الفلاحين. كانت هذه ضربة قاضية للإقطاع، وحقق الحوراني حلم طفولته.
صانع الملوك وعراب الانقلابات
كان أكرم الحوراني عبقريًا في شيء واحد: فهم قوة الجيش. أدرك أن الكلمة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى البندقية. فبدأ يبني تحالفًا سريًا مع الضباط الشباب الطموحين. كان يلتقي بهم في الخفاء، ويغرس في عقولهم فكرة أن الجيش يجب أن يكون حامي الفقراء، لا حامي الإقطاع.
في عام 1952، حدث اللقاء الذي غيّر التاريخ السوري: اجتمع أكرم الحوراني مع ضابطين شابين هما ميشيل عفلق وصلاح البيطار، واتفقوا على دمج حزبيهما. هكذا وُلد "حزب البعث العربي الاشتراكي". كان الحوراني هو الذراع العسكرية والشعبية، وعفلق هو الفيلسوف والمنظر.
ثم جاءت لحظة الحقيقة. الحوراني هو من دبّر وخطط لانقلاب عام 1954 الذي أطاح بأديب الشيشكلي. الرجلان اللذان خرجا من حماة، تقابلا وجهاً لوجه في صراع على السلطة. انتصر الحوراني هذه المرة، وأُرسل صديق الأمس إلى المنفى.
في سنوات الوحدة مع مصر (1958-1961)، صار الحوراني نائبًا لعبد الناصر. لكنه سرعان ما اكتشف أن عبد الناصر لا يريد شركاء، بل أتباعًا. استقال وعاد إلى دمشق غاضبًا. كان أول من تجرأ على قول "لا" لعبد الناصر، وكان ثمن ذلك غاليًا.
حين يأكلك أبناؤك
في عام 1963، حدث انقلاب البعث. الحوراني، الذي كان أحد مؤسسي الحزب، وجد نفسه خارج اللعبة. الضباط الشباب الذين دربهم وعلّمهم أسرار السلطة، لم يعودوا بحاجة إليه. كانوا يريدون كل شيء لأنفسهم.
في اجتماع حزبي ساخن، وقف ضابط شاب وصرخ في وجهه: "لقد انتهى دورك يا أستاذ!". نظر الحوراني حوله. الوجوه التي كان يعرفها صارت غريبة. أدرك أن الثورة التي بدأها صارت وحشًا يلتهم صانعيه.
طُرد من الحزب الذي أسسه، وسُحبت جنسيته السورية، وحُكم عليه بالإعدام غيابيًا. هرب إلى لبنان، حيث عاش سنوات المنفى الأخيرة، يشاهد من بعيد البلد الذي أحبه يغرق في الدماء والانقلابات.
موت في المنفى
وقد توفي في عمّان يوم 24 شباط/فبراير 1996، ودُفن هناك أيضًا بعد أن تعذّر نقل جثمانه إلى مسقط رأسه مدينة حماة في سوريا.
وتشير روايات تاريخية إلى أن ترتيبات كانت قائمة لدفنه في حماة، لكن الظروف السياسية آنذاك حالت دون ذلك، فدُفن في عمّان.
الفلاحون الذين دافع عنهم لم ينسوه.. في قرى حماة وحمص والغاب، كانوا يهمسون باسمه في الليل. كانوا يروون لأبنائهم قصة الرجل الذي قال للإقطاع: "كفى". الرجل الذي علّمهم أن الفقر ليس قدرًا، وأن الأرض لمن يزرعها.
المعلم الذي قتله تلاميذه
أكرم الحوراني كان معلمًا في مدرسة الثورة، لكن تلاميذه تجاوزوه. علّمهم كيف يطالبون بالحقوق، وكيف ينقلبون على الحكام، وكيف يبنون الأحزاب. وفي النهاية، طبقوا كل دروسه ضده.
اليوم، في حماة، لا يزال اسم أكرم الحوراني يمر كنسيم خافت في أزقة المدينة القديمة. بعض الشيوخ يتذكرونه. بعض الفلاحين المسنين يروون كيف حصلوا على أرضهم بفضله. لكن التاريخ الرسمي نسيه، لأن المنتصرين في الحروب الأهلية هم وحدهم من يكتبون التاريخ.
الخالدون بفكرهم